كتب فاضل الربيعي: منْ هو البطل، منْ هو المجرم؟

2018.12.04 - 11:51
Facebook Share
طباعة

 في التّاريخ البشريّ كله، غالباً ما تُلازم " ولادة البطل" إشكاليةٌ من نوعٍ ما، كأن تكون أخلاقيّة تتصل بطريقة صعوده مثلاً، أو أن تقترن انتصاراته بوقوع مذابحَ قاسيةٍ، سوف يُقال مراراً وتكراراً: صحيح أنّه حارب بشجاعة، ولكنّه كان عنيفاً ووحشيّاً، وربّما تكون شجاعته وجهاً آخر لقسوته.

هكذا، دائماً هناك نقاشٌ من هذا النوع، ذلك ما يتسبّب عادة في انقسام أُممٍ وجماعاتٍ وشعوب حول نفسها، وبحيث يجد قسم من الأمّة نفسه منحازاً ومؤيداً للبطل مهما فعل، بينما يقف جزءٌ آخر في المعسكر المعادي له ، ودون أن يكفّ عن التذكير " بجرائمه الوحشية "، ومع ذلك لم يفضِ هذا الخلاف إلى وقوع أحداثٍ مأساويةٍ، إنه نقاش وحسب، لا توجد أمّة على وجه الأرض يؤمن " كل أبنائها " بالبطل نفسه، وهذا أمر مألوف، تماماً كما نقول لا توجد أمّة في الأرض " يؤمن كل أبنائها " بالدّين نفسه، بكلام آخر، الأمم تنقسم حول الدّين وهم جميعاً- في الآن ذاته- يؤمنون أنّه إلهيّ ، فلم لا يختلفون حول "بطل" هو في النّهاية كائنٌ بشريٌّ؟ إنّهم ينقسمون حول " دين الرب" فلماذا لا ينقسمون حول بطلٍ بشريٍّ؟ هذا أمر مألوف.

من المنظور الفلسفي/ التّاريخي، ثمّة تداخلٌ مأساوي بين صورة " البطل " وصورة " المجرم "، وبحيث يعجز الكثيرون عن التّمييز بين البطولة والجريمة، وهذا الأمر ناجمٌ في الأصل عن خللٍ فظيعٍ في إدراك الظّروف التّاريخية التي يظهر فيها البطل، وأحياناً جهلٌ فاضح في معرفة القوى التي كانت تعيق " ولادته".

ولأسبابٍ أخرى كثيرةٍ وعميقة، غالباً ما يدور سجالٌ صاخب شبيه بالثّرثرات: هل هو " بطل " أم " مجرم"؟ البعض يقول عنه إنه " بطل"، فيرّد بعضٌ آخر، كلا، إنه "مجرم"، هذا التباسٌ قديمٌ يتّصل بالوعي البشري للصورة ذات الوجهين: البطل/ المجرم. بكلام موازٍ : ثمّة صورة أخرى غير مرئيةٍ بما يكفي من التبصّر، يظهر فيها البطل في هيئة مجرم، وهذا حقيقيّ ويتعيّن رؤيته بنزاهةٍ وموضوعيّةٍ.

هذه هي سنّة الحياة، كلّ المجتمعات الإنسانيّة من قبل، انقسمت من حول "أبطالها"، قسمٌ رأى فيهم "أبطالاً" وآخرون رأوا فيهم " مجرّد قتلةٍ ومجرمين".

الروس من قبلنا وفقط قبل عقود قليلة من الآن، انقسموا من حول ستالين، هل هو "بطل " أم "مجرم"، وحتى اليوم لا يكفّ النّقاد عن السّجال ضد الكتاب المريع الذي كتبه إسحق دويتشر حول ستالين، لأنه قدّم صورةً غير تاريخية وذات طابع إيديولوجيٍّ صارخٍ.

وحتى اليوم لا يزال هذا النقاش يصدع رأس المجتمع الروسي، ومع ذلك لا أحد في روسيا، يأخذ هذا النقاش على محمل الجد، إنّه نقاشٌ وحسب حول التاريخ: هل كان ستالين "بطلاً" بنى الاتحاد السوفييتي وجعل منه إمبراطوريّة مرهوبة الجانب، أم هو "مجرم" فتكَ برفاقه قبل خصومه ليحكم بيدٍ من حديد؟ 

هذا يعني أن ستالين لا يزال بالنسبة لكثيرين حول العالم، هو " بطل" في " هيئة مجرم". 

سأضع إطاراً أسطورياً/ تاريخياً لهذه الإشكالية لأجل فهمٍ أعمق.

تروي أسطورةٌ رومانيّةٌ قديمةٌ ورائعة(استهوت المسرحي الألماني هنريش ميلر، فأعاد صياغتها في نصّ مسرحيّ مذهل عنوانه الهوراسي والكوراسي) كيف أنّ البطل يصبح في لحظةٍ مأساويةٍ " مجرماً" دون إرادته، بمعنى أنّه لم يرتكب الجريمة لأنّه مجرم؛ بل لأنّ ظروف القتال والقوى المحيطة به، أرغمته على ارتكاب " الجريمة" لأنها السبيل الوحيد أمامه.

ليس ثمة مفرّ. هذه هي ظروف القتال، تقول الأسطورة : ظهر جيش روماني عرمرمٌ وهو يحاول اجتياز ممرّ جبليٍّ ضيّق، فاصطدم بجيشٍ رومانيٍّ آخر، وثار بين قائدي الجيشين الرومانيين جدالٌ صاخبٌ، أحد القائدين يقود فرقة "الكوراسيين" وهو سيقول إنّ له الحق في عبور الممرّ، فيرّد القائد الروماني الآخر وهو قائد فرقة " الهوراسيين" : كلا، إنّ الحقّ لي في العبور، وهكذا نشب نزاع بين قائدين رومانيين أحدهما كوراسي والآخر هوراسي حول عبور ممرّ جبليّ نحو روما، كلٌ منهما يدّعي أنّ له الحق، ولأجل حلّ هذه الإشكالية وتجنبّ الحرب، خرج كاهانان من الجيشين وقالا: لقد اتفقنا لأجل حلّ هذا النزاع، أن يخرج جنديّ من جيش الكوراسي، ليقاتل جندياً من جيش الهوراسي، ومنْ ينتصر منهما ، فهذا يُعدّ نصراً لجيشه ويحقّ له العبور. وهكذا نشبت الحرب الرمزية بين الفرقتين الرومانيتين، جنديّ كوراسي في مواجهة جنديّ هوراسي، الكاهنان قالا: هذه هي الطريقة الوحيدة الممكنة لتجنّب إراقة دماء الجيشين، تفضلا وتقاتلا، وما إن أصبح الجندي الكوراسي، في مواجهة الجندي الهوراسي حتى شعر بهول المصيبة. هذا الهوراسيّ هو خطيب أختي وحبيبها؟ ماذا أفعل؟ لكنّها الحرب وعليّ أن أقتله، خلال القتال سقط الهوراسيّ أرضاً، فقال متوسلاً: ها أنا الآن أعزل، وأنا خطيب شقيقتك، لقد هزمتني، الرحمة ، أطلب منك الرحمة، لكن الكوراسي المُفعم بروح البطولة والنصر وحبّ روما، قال بغضب: لا رحمة في قلب روما، عليك أن تموت لتمرّ فرقتي، وهكذا طعن الكوراسي الجندي الهوراسي المهزوم دون رحمة، خطيب أخته وحبيبها، ودون أيّ اعتبار للقرابة، في هذه اللحظات المأساوية سوف تخرج خطيبة الجندي الهوراسي من صفوف الجيش المقابل، وتطلب من شقيقها الكوراسي أن يتوقّف عن طعن حبيبها وأن يرحمه لأنّه مهزومٌ، لكن هذا سيقول بصفاقةٍ لأخته الحزينة: حبّ روما أهمّ وأكبر من حبّك للهوراسي، سأطعنه حتى الموت، ثم وفي لحظة غضبٍ عارمةٍ قام بطعن أخته حتى الموت قائلاً: حبّ روما أفضل من حبّك.

في هذه اللحظات انقسم الجيش الروماني، هتف قسمٌ من الجيش: فليحيا البطل الكوراسي، ها نحن نعبر الممرَّ؛ بينما ردّت الفرقة الأخرى: الموت للمجرم عديم الرحمة الذي صرعَ مهزوماً طلب الرحمة ثم قتل أخته دون ذنبٍ، إنّه قاتل، وهكذا دخل الجيش الروماني روما بفرقتين منقسمتين، كلّ منهما تهتف: هذا بطلنا، وترد الأخرى: هذا مجرمنا. وحين اجتازت الفرقتان الرومانيتان المنقسمتان الممرّ الجبليّ وأصبحتا في شوارع روما ، انقسم شعب روما نفسه، فكان هناك من يهتفون بحياة " البطل "؛بينما كان هناك من يهتفون ضد "المجرم"، وهكذا ظهرت إشكاليّة جديدة: 

لدينا " بطل " هو " مجرم" فماذا نفعل؟ وهكذا أيضاً قرّر كهنة روما تشكيل محكمة للنّظر في المسالة: هل هو " بطل" أم " مجرم"؟ اجتمعت المحكمة ونظرت في الأمر، لكنها انقسمت على نفسها: بعض القضاة رأى أنّه " بطل"، لكنّ آخرين نظروا إليه " كمجرم"، وحين تقرّر أن يُصدروا حكمهم النهائي، وجدوا أنفسهم في حيرة: هل نحاكمه كمجرم أم كبطل؟ بعد خلافٍ طويلٍ اتّفقوا أن يُمجدّوه كبطل وأن يُحاكموه كمجرم، قال القضاة وهم يحاولون تهدئة الجمهور الغاضب والمُنقسم على نفسه :

- حسناً، فلنمجّده كبطل ولنعاقبه كمجرم

وهكذا نشأت إشكاليّة أخرى أكثر تعقيداً: كيف نمجدّه كبطل ونحاكمه كمجرم؟ انقسم القضاة إلى فريقين، قال فريق: فلنمجّده كبطل لأنّه أمّن عبور الجيش، فقال فريق آخر، فلنحاكمه كقاتل لأنه قتل مهزوماً وزهق روحاً بريئةً عاشقة، لكن كيف نمجدّه ونعاقبه في الآن نفسه؟

بعد جدال طويل توصّل القضاة إلى قرارٍ نهائيٍّ:

- سوف نمجّده كبطل ونعاقبه كمجرم

فصرخ الجمهور الغاضب في روما كلها: كيف يمكن هذا، هل من المعقول أن نُمجّد المجرم؟ بينما ردّ الجمهور الآخر الغاضب : يا للهول... كيف تعاقبون البطل ؟

قال القضاة : نعم سوف نمجدّه، ونعاقبه في الآن ذاته، سوف نسير به في موكب مجيد يطوف شوارع روما كلها، ثم نقطع رأسه بالمِقصلة. وحين نقطع رأسه سوف نضع إكليلاً فوق الرّأس، لكن كيف ندفنه؟ هل ندفنه كبطلٍ أم ندفنه كمجرمٍ؟ هل نُصليّ على جثمانه كبطل، أم نترك جثمانه دون صلاة لأنه مجرم؟ 

هكذا أصبح الكوراسي الذي حقن بانتصاره دم آلاف الجنود، مجرد "مجرم" في نظر قسمٍ من شعب روما.

في نهاية المطاف، وبعد أن استعصى الوصول لأي حل، اتفقوا على التالي:

دعونا نتخلص من مشكلته، سنرمي بجثته للكلاب، لن يكون له أيّ قبرٍ، ومع هذا سيظل في نظركم بطلاً.

وهكذا، فمعظم الأبطال في التاريخ البشري منذ القدم حتى اليوم، لا تُعرَف لهم قبور أو مزارات. إنهم أبطال ظهروا في أعين كثيرين في هيئة مجرمين.

قبل مسرحية ميلر هذه كان دستييفسكي- وهذا هو الرسم الصحيح لاسمه في اللغة الروسية وليس دستويفسكي- يناقش في " الجريمة والعقاب " مسألة " البطل " و" المجرم" فحين سأل المحقق ، الشابّ الصغير راسكلينكوف المتّهم بقتل المرأة العجوز:

- لماذ قتلتها؟ هل من أجل المال؟

قال الشاب المجرم:

- نعم فعلت ذلك لأجل المال.

لكن المُحقّق سرعان ما باغته بما لم يكن يتوقع:

- كلا . أنت لم تقتلها لأجل سرقة المال، أنت ارتكبت الجريمة لتصبح " بطلاً "، لقد قرأتُ مقالتك في صحيفة الحائط بالمدرسة التي تدرس فيها، ولاحظت أنك كنت تتحدث عن نابليون بونابرت، أنت كتبت بنفسك تقول إنّ البطل ولأجل أن يصبح بطلاً يجب أن يسير فوق آلاف الجثث، لا يمكن للبطل أن يُصبح بطلاً دون أن يقتل، هكذا قلت، وإذاً فأنت قتلت لتصبح بطلاً مثله.

لقد انقسمت روما من قبل، حول "البطل" و"المجرم "كما انقسم الروس جول ستالين والفرنسيون حول نابليون.

لكنّه مجرّد نقاش ، مجرّد ثرثراتٍ لا أكثر.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 8