كتب مصطفى السعيد: "أمريكا العميقة" ضدّ ترامب ونتنياهو

2018.12.10 - 11:14
Facebook Share
طباعة

 اتسع الشرخ بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والدولة الأمريكيّة العميقة، وهو ما يمكن أن نلحظه بسهولة في حجم المشكلات الداخلية والإنقسام الحاد وغير المسبوق داخل الولايات المتّحدة، فالإستقالات من إدارة ترامب تتوالى، ومعظم الصحف والقنوات التلفزيونيّة الأمريكيّة تصبّ جام غضبها على البيت الأبيض، حتى وصفها ترامب ب"عدو الشعب الأمريكي"، وقد تجلّت الخلافات بين إدارة ترامب وأركان دولته العميقة في عدد كبير من الصدامات، كان آخرها تسريبات وكالة المخابرات الأمريكيّة للمكالمات المتعلّقة بمقتل جمال خاشقجي، والتي استغلّتها الصحف الأمريكيّة في كيل الإتهامات للرئيس الأمريكي بأنّه يكذب ويتستّر على جريمة القتل البشعة، وأنّ له مصلحة شخصيّة وتعاملات مالية تتعارض مع مصالح الدولة، وسبقها انتقاد خروج ترامب من الإتفاق النووي بين الدول دائمة العضويّة في مجلس الأمن وألمانيا مع إيران، والتوسّع في العقوبات الإقتصاديّة حتى أفقدت الولايات المتّحدة معظم حلفائها التقليديين. وما يؤكّد أنّ مشكلة ترامب لا تقتصر على الحزب الديمقراطي،و أنّ قطاعاً كبيراً من الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب، وخاض الإنتخابات الرئاسيّة باسمه ينتقد ترامب بدرجات أشدّ عنفاً أحياناً من زعماء الحزب الديمقراطي، فلماذا ظهرت تلك الفجوة وإلى أين يمكن أن تقود؟

إنّ صناعة القرار الأمريكي لا ينفرد بها الرئيس، وإن كان المفترض أن تتجانس مراكز صنع القرار مع أكبر مؤسّسة تعبّر عن الدولة، لكن ترامب المنفلت وشديد النرجسيّة والذي لا يميل إلى احترام التقاليد والمؤسّسات، ويتخذ قراراته بسرعه وبدون دراسة أو مراعاة لما يمكن أن تجرَّ أمريكا إليها قد أزعج مراكز صنع القرار، ما ظهر منها وما بطن، فلم يكن الدور الرئيسي للإدارة الأمريكيّة في عهد الرئيس السبق أوباما في صياغة الإتفاق النووي مع إيران يتجاهل مصالح إسرائيل مثلما يدّعي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، بل رأت الإدارة الأمريكيّة أنّه خطوة مهمّة لحماية أمن إسرائيل والمصالح الأمريكيّة في المنطقة، بعد أن بلغ المشروع النووي الإيراني إلى مستوى القدرة على إنتاج القنبلة النوويّة، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى تغيير إستراتيجي في موازين القوى، ولهذا قررت أن تتبع خطة بديلة عن الحصار أو المواجهة العسكريّة مع إيران، والسعي إلى احتوائها، بل دمجها في الإقتصاد العالمي، بما يغير بالتدريج من سياساتها، مع نمو شريحة من المستفيدين بالعلاقات مع السوق الرأسمالي العالمي، وتلك كانت السياسة التي سعت إدارة أوباما إلى اتباعها، ورفضت تماماً كلّ محاولات نتنياهو لعرقلة الإتفاق النووي مع إيران، حتى بعد السماح لنتياهو بإلقاء خطاب أمام الكونجرس أكّد فيه على مخاطر إيران، حتى لو لم تمتلك سلاحاً نووياً، لأنّها حقّقت خطوات كبيرة في التقدّم العلمي، خاصّة في مجال البحوث، وامتلاكها قدرات صناعيّة وتكنولوجيّة ستمكّنها من توسيع نفوذها، وتصنيع أسلحتها بشكلٍ فعال وخطير على أمن إسرائيل.

لم يكن تمسّك أوباما بالإتفاق النووي مع إيران يقتصر على الحزب الديمقراطي، بل شارك في القرار أجهزة ومؤسّسات الدولة، التي لا تنظر إلى من سيكون بيده الحكم طالما لا تتعارض سياساته مع المصالح العامّة للدولة الأمريكيّة والطبقة المسيطرة، لكن نجاح ترامب المفاجئ من خارج مؤسّسات الدولة، وانظلاقه من مؤخّرة الحزب الجمهوري إلى المقدّمة، لينتزع ورقة الترشيح باسم الحزب وضع الدولة الأمريكيّة في مأزق غير مسبوق، لكن الإنزعاج لم يكن قويّاً في البداية، لامتلاك أدوات ضغط تجعل ترامب لا يتجاسر بالخروج عن تلك السياسات، وتمكّنت بالفعل مراكز الضغط والنفوذ من تغيير مواقف ترامب تجاه عدّة قضايا حيويّة، منها ما كان يتعلّق باعتزام ترامب تقليص موازنة الجيش الأمريكي، والحدّمن من رقعة إنتشاره، وجعلته يزيد من حجم الميزانيّة العسكريّة، وكذلك غيّرت موقفه من التقارب مع روسيا، وتركيز العداء على الصين، التي كان يرى ترامب أنّها العدو والأخطر على الرأسماليّة القوميّة الأمريكيّة، بسبب غزو السلع الصينيّة للأسواق التقليدية التي كانت تهيمن عليها الشركات الأمريكيّة، بل غزت السوق الأمريكي بمنتجاتها الأرخص، وتحقق فائضاً تجاريّاً كبيراً، يعكس مدى عجز المنتجات الأمريكيّة عن منافسة مثيلاتها الصينية في عقر دارها، لكن الرأسمالية الأمريكيّة العابرة للقوميّة، والتي لها استثماراتها وفروع لمصانعها في الصين وغيرها كانت لها مصلحة في استمرار تفعيل اتفاقيّة التجارة الحرّة، وعدم المساس بحريّة التجارة بوصفها قدس أقداس الرأسماليّة العابرة للقوميّة، صاحبة النفوذ الأكبر داخل الولايات المتّحدة، والتي تضمُّ أكبر عدد من أغنياء العالم في دولة ترزح تحت أثقل ديون العالم.

استمرَّ جنوح ترامب رغم حملات التشهير به في وسائل الإعلام والكشف عن فضائح قديمة، واتهامه بأنّه نجح بفضل التدخل الروسي في الإنتخابات، فلم تحتمل الدولة العميقة انفلات ترامب، وأسلوبه الفج في التعامل مع الإتحاد الأوروبي، إلى درجة وصلت إلى حدِّ الإهانة، ويمكن للولايات المتّحدة أن تدفع ثمناً كبيراً لتراكم الكراهيّة ضدَّ السياسات الأمريكيّة في أوروبا، إلى جانب تفجير ترامب لمنطقة الشرق الأوسط بسبب سير ترامب خلف نتنياهو، الساعي إلى سرعة تفجير المنطقة، واشعال الحرب مع إيران، وهو ما سيورط الولايات المتّحدة في حرب لا يمكن التكهن بنتائجها، وإن كانت واثقةً من أنّها ستلحق بها خسائر جسيمة، بوصفها المسؤولة عن حماية أمن إسرائيل الجامحة تحت قيادة تحالف اليمين الإسرائيلي، الذي يتبارى في السعي إلى الهيمنة على المنطقة، دون تقديم أيِّ تنازلات تسمح باتفاقية سلام يمكن أن تمتص بعض الغضب، وتسهل عقد اتفاقيات سلام تحظى بدرجة من القبول، دون أن تحرج أصدقاءها، وهو ما تراه الدولة الأمريكيّة العميقة مقامرة خطيرة، قد توقع كلّاً من إسرائيل والولايات المتّحدة في فخ صراع مسلح شديد التكلفة، لا يمكن أن تخرجا منه سالمتين، بسبب سياسات كلّ من ترامب ونتنياهو، لهذا سيكون للكونجرس الأمريكي دور كبير في كبح جماح نتنياهو، ليس من خلال الأغلبيّة الديمقراطيّة في مجلس النواب فقط، بل بانضمام زعماء للحزب الجمهوري في عمليّة قصّ ريش ترامب وتحجيم انفلاته، وسيبدأ بإصدار عدّة قوانين تعرقل من تحركه بحرية لتنفيذ ما يراه، بل باستدعاء أسرته ومساءلتهم عن ثرواتهم وعلاقاتهم المالية، وإثارة الفضائح حول ترامب وأسرته، ولا يمكن فهم المبالغة في استخدام قضيّة مقتل خاشقجي في الحرب على اليمن إلّا في إطار حالة الإنقسام التي تشهدها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، فالحرب اليمنية بدأت في عهد إدارة أوباما، وبعد صمت دام أكثر من ثلاث سنوات بدأت الإنتقادات للحرب على اليمن والمشاركة الأمريكيّة في دعمها، وكأنّ إدارة ترامب هي المسؤولة عنها.

هكذا تتّجه معركة ترامب مع الكونجرس والإعلام الأمريكي ومؤسّسات الدولة العميقة إلى المزيد من التأزّم، وليس أمام ترامب إلّا التراجع أو مواجهة عاصفة هي الأقوى ضدّ رئيس أمريكي، ربما تقتلعه من منصبه، أو على الأقل ستكبله وتغرقه في أزمات تشل حركته.

مصطفى السعيد – كاتب صحفي مصري

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 9