كتب فضل الربيعي: هل هو علماني؟ نعم. لكنه ليس " كافراً "

2018.12.14 - 09:04
Facebook Share
طباعة

 ثمة إلتباسٌ وسوء فهمٍ عميقٍ مُتجذر في الثقافة العربية، ترافق وتلازم مع إنتشار مصطلح "العلمانية " منذ القرن التاسع عشر، سببهُ المباشر لا " تعريب" المصطلح من اللغة الفرنسية وحسب؛ بل الشروحات الماكرة والمُضللة التي روّج لها، كتّاب ومثقفون " موالون" للإحتلالين البريطاني والفرنسي للمشرق العربي، كما ساعدت في تكريسه وبقوة، المنشورات الدعائية البريطانية/ الفرنسية خلال وبعد حقبة سايكس بيكو 1917، والتي راحت ترّوج في مختلف الأوساط الدينية العربية في بلاد الشام والعراق ومصر، المزاعم القائلة أن الخطر الحقيقي على الإسلامي ليس الغزو البريطاني/ الفرنسي؛ بل وجود جماعات " علمانية " تهدّد قلب الإسلام ودياره. وإبتداء من هذا الوقت، شن البريطانيون والفرنسيون حملة شعواء غير مرئية، غير مكشوفة، من خلال إستغلال عدد هائل من الكتاب التقليديين "المحافظين" ورجال الدين.وهؤلاء، نيابة عن الفرنسيين والبريطانيين، راحوا ينشرون الفكرة المزيفة والمُريعة القائلة أن العلمانية هي من الجذر "علم" والنسبةُ إليها علمانيون، وأن هؤلاء معادون للدين، لأنهم يضعون العلم في مواجة الدين.

ولم يكن لكل هذه الشروحات أي سند حقيقي من تاريخ ظهور المصطلح أو دلالاته. ليس ثمة أي علاقة بين الجذر " علم " والمصطلح/ النسبة " علمانيون ". وفي سياق هذا التضليل ثار نقاش صاخب قاده آنذاك، ومنذ مطالع القرن الماضي، رجال الدين في مصر بشكل خاص : هل "السكك الحديدية " و" التلفون " حلال أم حرام؟

فهل كان المستعمرون البريطانيون والفرنسيون، يتوارون خلف رجال دين مسلمين سذج، أمكن إستغلال مشاعرهم ومعتقداتهم وحتى إحتياجاتهم الحياتية، لإشاعة جوّ من الخوف والشعور " بالنجاسة " من " منتجات الحضارة الغربية "، وأنها فساد لا يطالب به إلا " العلمانيون". في حقيقة الأمر كان المستعمرون عازمون على إستغلال ثروات البلدان العربية، إمتصاص شرايين أمة العرب،ولكن دون أن تترتب على الشركات الناهبة أي أعباء،لا إنشاء سكك حديد ولاشبكات هاتف آلي،أي أن الإحتلال،كان يتصرف على أساس استمرار امتصاص شرايين العرب حتى آخر قطرة دم من ثرواتهم، ولكن دون أن يضطرّ للقيام بايّ تحديث مكلف، باهض الثمن لشعوب بدائية، أيّ لا سكك حديد ولا بنى تحتية يمكن أن تنقل العرب إلى عصر الحداثة. يجب أن تظل الشعوب المُستعمرة دون أي تحديث. وكلمّا كانت مُتخلفة وغارقة في الصراعات الداخلية، فهذا مناسب لجو من النهب الحرّ.كانوا عازمين على إمتصاص دم العرب دون أن ينفقوا قرشاً واحداً لإصلاح أحوال الملايين المعذبين.

ولذا وبدلاً من خوض المعركة ضد المستعمرين، حرف رجال دين ومثقفون تقليديون مسار الصراع، ليصبح ضد عدو وهميّ هو " العلمانيون" الكفار، أعداء الدين. ومن بين أخطر الأضاليل التي تلازمت مع شرح المصطلح، القول أن معتنقي العلمانية، يعتنقون في الواقع عقيدة معادية " للدين" لأنهم يؤمنون بأن العلم هو في مواجهة مُحتدمة مع الدين. كان العرب يعيشون داخل زوبعة من التضليل المتواصل، وهم اليوم داخل الدوامة نفسها. فما هي حقيقة مصطلح " العلمانية "؟ متى ظهر؟ ما المقصود منه، وماذا يعني؟ وهل حقاً أن جذر المصطلح من كلمة " علم "؟

ظهر مصطلح العلمانية في فرنسا ( laïcité لاييك) خلال النقاش الصاخب الذي دخلت فيه الكنيسة في كل أوروبا حول " من هو المسيحي ؟" هل كلّ المسيحيين هم مسيحيون، وإنْ كانوا لا يذهبون لصلاة الأحد؟ كيف إذن يظلون مسيحيين وهم لا يذهبون للصلاة في الكنيسة.لدينا أقدم إشارة عن هذا الجدل من القرن الثالث عشر حين دعا الفرنسي مارسيل البدواني في مؤلفه «المدافع عن السلام» إلى الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية واستقلال الملك عن الكنيسة. صدرت هذه الدعوة في ذروة الصراع الديني بين بابوات روما وبابوات أفنيون جنوب فرنسا. وخلال عصر النهضة كتب الفيلسوف وعالم اللاهوت غيوم الأوكامي كتابه الشهير حول أهمية " فصل الزمني عن الروحي " قائلاً: فكما يترتب على السلطة الدينية وعلى السلطة المدنية أن يتقيدا بالمضمار الخاص بكل منهما،فإن الإيمان والعقل ليس لهما أي شيء مشترك،وعليهما أن يحترما استقلالهما الداخلي بشكل متبادل.

بيد أن فكرة المصطلح لم تتبلور، إلا في القرن السابع عشر مع صدور كتاب الفيلسوف سبينوزا الذي كان أول من أشار إليها بقوله " الدين قد يحوّل قوانين الدولة إلى مجرد قوانين تأديبية ". وحين غرقت الكنيسة في النقاش حول " منْ هو المسيحيّ" وجدت في المصطلح بالإنجليزية secularism والفرنسية laïcité ( لاييك) أفضل إطار نظري يحددّ هوية المسيحي. بيد أن كلمة ( لاييك " لا تعني علماني؛ بل " العالمين " العالم/ العالمين/ الناس، أي عموم الذين لا يذهبون للصلاة يوم الأحد، فهم " عالمين/ تماماً كما بالمعنى القرآني". لم تكن هناك أي علاقة دلالية بين كلمة " علم " والعلمانية المقصودة هنا. المصطلح كان ينصرف إلى دلالة أخرى هي عامة الناس. لماذا ثار هذا النقاش وما هي اسبابه؟

في هذا العصر كان الإقطاع الأوروبي يحتضر، وفجر الرأسمالة الصناعية يبزغ بقوة، وكان الإقطاعيون النبلاء في أوروربا حلفاء الكنيسة، يشعرون بأنهم بدأ يخسرون المعركة ضد " العصر الجديد " الرأسمالي. كانت سلطتهم خلال عصر الإقطاع تندمج مع سلطة الكنيسة، وبحيث صار الإقطاعي/ النبيل، هو ممثل الكاهن المسيحي، وهما معاً يسيطران على الأرض، وكان " عبيد الأرض"هم فلاحون مسيحيون ويا للمفارقة .

لكن مع بزوغ عصر الرأسمالية وزوال طبقة النبلاء وتلاشي الإقطاع،وجد الرأسماليون أنفسهم في مواجهة حاسمة مع الكنيسة: إمّا سلطة " عصر الصناعة " والرأسمال، أو " سلطة الدين/ الكنيسة". وهكذا تمّ إستغلال الأفكار الفلسفية حول مسألة " فصل الدين عن الدولة". كان من مصلحة ومهام الرأسمالية في عصرها المُبكر،إسقاط "سلطة الكنيسة "أو إخضاعها، أو أن تقبل بالفصل بين السلطات: لها الملكيات الإقطاعية ولكن دون أي تدخل في أمور الدولة. وهكذا تمت الصفقة الأولى بين الكنيسة والرأسماليين : الفصل بن سلطتين، سلطة راس المال وسلطة رجال الدين. وفي هذا الإطار التاريخي فقط، تمّ إعتبار المسيحيين الذين لا يذهبون لصلاة الأحد هم " لا ييك laïcité / ايّ علمانيين/ من عامة الناس". وهذا المصطلح لا يعني بأي بصورة من الصور أنهم " كفار". إنهم " العالمين" وحسب. كانت هذه التسوية بين الكنيسة المسيحية التي فقدت سلطتها فعلياً، وبين الرأسماليين/أرباب المال والصناعة،تسوية تاريخية حقيقية،تمّ بموجبها التوافق بين الرأسماليين وكهنة الكنيسة المسيحية على " فصل السلطات ".وبكلام قرآني : لكم دين ولي ديني. دينكم داخل الكنيسة، وديننا في المصنع.

ولذا قال شاعر إنجليزي كلاسيكي عبارته الشهيرة :" الدين أفيون الشعوب "، فقط لأنه لاحظ أن الكنيسة بعد هذا الإتفاق مع رجال الصناعة، صارت تحضّ العمال المساكين على تحمل آلام الصلب الرأسمالي، وحشية الرأسمالية، عذابها اليوميّ، كما تحمل المسيح عذاب الصلب. كانت الكنيسة تقول للعمال : لا باس تحملموّا العذاب. أبونا المسيح قبلكم حمل الصليب. كانت الكنيسة تقوم بفعل مصالحها الجديدة مع الرأسماليين بدور " المهديء" لعذابات المسيحيين من العمال. كل ما فعله ماركس بعد 100 عام من هذه القصيدة،أنه وضعها في سياق شرحه لبشاعة الرأسمال وتواطؤ الكنيسة. وحين كتب (رأس المال) فهو استعاد مقطع الشاعر الإنجليزي لا أكثر. أي أن جملة " الدين افيون الشعوب" ليست جملة ماركس؛ بل هي مقطع من قصيدة من قصيدة الشاهر الإنجليزي لا أكثر.المثير للدهشة أن هذا الصراع بين سلطتي الكنيسة والدولة، ثار مجدداً في إيران المعاصرة، حين عُرض على مجلس " صيانة الدستور " في إيران، وهي هيئة لها حق إسقاط أي مشروع يتعارض مع الشريعة الإسلامية، عام 1981، قانون إصلاحات للأراضي الزراعية، تضمن توزيعا عادلاً. حصل المشروع على موافقة ودعم الإمام الخميني. لكن كثيراً من أعضاء مجلس صيانة الدستور، كانت لديهم إقطاعيات كبيرة. وبطبيعة الحال، فقد بدا أن تشريعاً من هذا النوع مسّاً مصالحهم في الصميم. ولذا وقفوا ضد قانون إصلاح الأرض بحجة مخالفة الشريعة وتمّ أسقاط القانون.في هذا الوقت قال الإمام الخميني جملته الشهيرة : هذه القضية لا تغتفر، وستؤدي إلى عدم ثقة الأمة برجال الدين.

العلمانية لا تعني معاداة العلم، لأن المصطلح من جذر " عالم " وليس " علم "، والعلماني لا تعني " الكافر " قط، والكنيسة الغربية التي أقرّت هذا المصطلح منذ عصر النهضة ، كانت تريد له أن يفكّ الإشتباك خلال السجال : منْ هو المسيحي. المستعمرون هم الذين خدعونا وروّجوا لصيغة / طبعة مُزيفة من المصطلح، وزعموا أنه يعني " الكفار " الذين يعادون الدين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 7