كتب مصطفى السعيد: حقيقة صفقة ترامب مع أردوغان

خاص _ عربي برس

2018.12.19 - 03:50
Facebook Share
طباعة

 هل توصل الرئيس التركي أردوغان لصفقة مع الرئيس الأمريكي ترامب؟ هذا ما ألمح إليه أردوغان بإعلانه عن إتفاق مع الولايات المتحدة على دخول قوات برية تركية إلى شرق الفرات السوري للقضاء على أي محاولة من جانب أكراد سوريا على إقامة كيان منفصل بمساعدة أمريكية، إلى جانب تسليم 120 طائرة من طراز إف 35 الحديثة، في الوقت الذي روج فيه الإعلام التركي عن التجاوب مع المطلب التركي المتعلق بتسليم أو ترحيل فتح الله كولن خصم أردوغان اللدود، والمتهم بتدبير الإنقلاب العسكري ضده في يوليو 2016.

ما يجعل التوصل إلى صفقة بين أردوغان وترامب ممكنا هو حاجة الطرفين إلى تلك الصفقة، فالرئيس الأمريكي في وضع صعب على أكثر من صعيد، فهو مهدد داخليا بمحاولة الإطاحة به، حتى أنه قال إن استدعائي للتحقيق بشأن التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية سيكون على جثتي، لكن الأمر لا يتعلق فقط بالإتهامات المتعلقة بالتلاعب في إنتخابات الرئاسة، فهناك أكثر من ملف وأكثر من جبهة مفتوحة على الرئيس الأمريكي، وآخرها إصدار الكونجرس الأمريكي لقرارين بشأن وقف المشاركة الأمريكية في حرب اليمن، وإدانة ولي عهد السعودية محمد بن سلمان بالضلوع في حادث مقتل جمال خاشوقجي، في مؤشر واضح لحجم التحديات التي سيواجهها ترامب في الكونجرس عندما يتسلم الحزب الديمقراطي رئاسة مجلس النواب، خصوصا في ظل انقسام الحزب الجمهوري، وتخلي قادة بارزين في الحزب عن دعم ترامب، بل أصبحوا أشد شراسة ضده، وكأنهم اتفقوا مع الحزب الديمقراطي على العمل سويا من أجل إسقاط ترامب، ويصرون على فتح كل الملفات التي قد تدين الرئيس الأمريكي أو تضعف موقفه، وعلى جانب آخر يريد ترامب أن يخرج بأي مكسب من الجبهة السورية، وألا يضطر إلى سحب قواته من شرق الفرات دون شروط، خاصة أنها تواجه مأزقا خطيرا، فعددها لا يتعدى ألفي جندي، وهي قوات قليلة العدد للغاية، لا تستطيع مجابهة الخصوم المحيطين بها من كل الجهات، ولا تتلقى الدعم اللوجستي إلا عبر الأجواء التركية، ولهذا فإن بقاءها يتوقف على الموقف التركي من استمرار وجودها، ورغم التطمينات الأمريكية لأردوغان فإن تركيا تنظر بقلق إلى نشاط هذه القوات ودعمها المتزايد لأكراد سوريا وأعداد من المسلحين الذين جندتهم من بعض العشائر، وحصلوا على مدرعات متقدمة مؤخرا لتثبيت أقدامهم في شرق الفرات.

كما تمتلك تركيا ورقة مقتل جمال خاشوقجي بالقنصلية السعودية في اسطنبول، وتلوح بها كثيرا، بل ألقت بالجزء الأكبرمنها، وزودت المخابرات الأمريكية ووسائل إعلام بمقاطع من الصور والتسجيلات الصوتية، وهو ما يزيد من حرج ترامب الداعم للسعودية، والذي لم يجد الصدى الكافي لتعزيز موقفه بالإعتماد على تأكيد أهمية المكاسب الإقتصادية والسياسية من العلاقة الوطيدة بالمملكة.

أما مكاسب أردوغان من الصفقة فلا تقل أهمية، سواء المتعلقة بالإقتصاد التركي الذي لا يتحمل المزيد من الضغوط، أو استعادة بعض أحلامه في أن يكون له دور أكبر في صياغة مستقبل المنطقة، وإن كانت حدود طموحاته قد تراجعت كثيرا، وانهارت فكرة إحياء الإمبراطورية العثمانية الجديدة.

ورغم كل تلك المكاسب المتبادلة مع عقد صفقة بين ترامب وأردوغان إلا أنها ليست سهلة التنفيذ، فلم تعد الإدارة الأمريكية تثق في أردوغان، ولا يمكن أن تضحي بسهولة بعدد من أهم حلفائها في المنطقة لتكسب أردوغان، وعلى رأسهم أكراد سوريا المطلوب وضعهم في مقدمة الأضحيات، وكذلك لا يمكن إرضاء أردوغان في ظل تحالفه مع جماعة الإخوان، فلا هو مستعد للتخلي عن الجماعة يرى فيها ورقة فاعلة في المنطقة، ولا الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة يمكن أن تتراجع عن موقفها من الجماعة، وتظل العقبة الأهم تتمثل في علاقة تركيا بكل من روسيا وإيران، والتي ازدادت عمقا في السنوات الأخيرة، وأصبح لها جذور قوية في الإقتصاد والسياسة وحتى المجهود العسكري، وهو ما لا يمكن الإنقلاب عليه بسهولة، خاصة أن أردوغان يثق في أصدقائه الجدد أكثر مما يثق في الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي. لهذا من الصعب تصور حدوث صفقة شاملة بين ترامب وأردوغان، فالصفقة مغرية بالفعل، لكن تطبيقها له أثمان يصعب على الطرفين دفعها، ولهذا فلا يمكن أن يتجاوز الأمر حدوث تفاهمات محدودة، سواء المتعلقة بالتدخل التركي في شرق سوريا، ويمكن أن يقتصر على تواجد تركي في عدد من النقاط الحدودية، بالإضافة إلى مدينة منبج، وهو ما يهدئ من المخاوف التركية، ويمنح أردوغان مكسبا يعزز قوته في الداخل، ويعرضه لشكوك وغضب كل من روسيا وإيران، وبذلك تضمن الإدارة الأمريكية ألا تتعرض قواتها إلى مخاطر كبيرة، واحتواء مخاوف أكراد سوريا من تكرار ما حدث لهم في عفرين عندما دخلت القوات التركية وطردتهم من أهم معاقلهم في سوريا، وليس من الصعب على الولايات المتحدة أن تخدع الأكراد مرة أخرى، طالما لم يستوعبوا درس الفشل في كردستان العراق أو عفرين في سوريا.

المثير للإنتباه أن الإدارة الأمريكية لم ترد على ما أعلنه أردوغان عن جوانب الصفقة، لا هي نفت أو أكدت، وكأنها تستطلع الأمر، أو إظهره على أنه مجرد أقاويل من جانب أردوغان، ومحاولة استعراض لقدراته على الإبتزاز وكسب بعض النقاط من هنا وأخرى من هناك، وقد سبق لأردوغان أن أعلن عن تفاهمات مع الولايات المتحدة لم تتحقق، منها السماح للقوات التركية بدخول منبج، كما سبق له المطالبة بتسليم فتح الله كولن أكثر من مرة، ولم يجد سوى التسويف حينا والرفض أحيانا، كما أن إعلانه عن تسليم الطائرات الأمريكية جاء مع إشارة إلى أن بعض قطع تلك الطائرات يتم تصنيعها في تركيا، أي أنه يرى تسليمها حق تركي لا يمكن للولايات المتحدة أن تمنعها منه، بوصفها شريكة في التصنيع، وإن كان من عادة أردوغان المبالغة في نقاط القوة التي يمكتلكها، ولهذا لم يحقق سوى القليل من أحلامه، ولهذا من الصعب حدوث صفقة كبرى بين أردوغان وترامب، فكلاهما في أوضاع صعبة، وإن كان أردوغان يأمل في الحصول على صيد ثمين من المياه العكرة التي تحيط بترامب، فلا يمكن لترامب أن يمنح الشيء الكثير، حتى أنه مازال عاجزا عن طرح صفقة القرن، وغالبا سيكون أكثر عجزا في منح أروغان صفقة أخرى.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 9