كتب أحمد نظيف: صراع أجنحة السلطة في تونس والمصالح المشتركة للطبقةِ الحاكمة

2018.12.20 - 09:25
Facebook Share
طباعة

 الطبقةُ الحاكمةُ التونسيّة التي تشكّلت في أعقابِ انتخاباتِ العام 2014، بعد الانعطافةِ التي قامَ بها كلٌّ من الباجي قائد السبسي، وراشد الغنوشي في التحالفاتِ والتوافقاتِ حولَ السّلطةِ والثروة، بدأت تحفر قبرها بيدها. فنارُ الصِّراعاتِ تنتشرُ داخلَ جسمها أفقيّاً وعموديّاً. صراعاتٌ داخل المعسكر الدستوريّ، إذ انقسم حزبُ السبسي على نفسهِ واشتدَّ الصِّراعُ بين رئاسةِ الجمهوريّة ورئاسة الحكومة، في المقابلِ تشهدُ النهضةُ انقساماً أقلّ حدّةً بين فريقٍ داعمٍ ليوسف الشاهد في رئاسةِ الحكومة وفريقٍ آخر يريدُ الحفاظ على التحالف مع قائدِ السبسي ونجله حافظ، وفوق هذه الصِّراعات الداخليّة، صراعٌ أكثر وضوحاً، بين قائد السبسي وراشد الغنوشي.

لكن وعلى الرَّغم من الصِّراعِ الظاهر بين أجنحةِ السلطة السياسيّة والاقتصاديّة، فإنَّ هذه الطبقة المهيمنة -والمتصارِعة في داخلها- تسعى دائماً إلى أنْ تحافظَ على الوضعِ القائم. على شاكلة صرخةِ جوزيبي دي لامبيدوزا في روايته الفهد عندما قال: "إذا ما أردنا إبقاءَ الأمور على حالِها، فيتعيّن أنْ تتغيّر هذه الأمور". الجميعُ يريدُ تغيّراً طفيفاً يكسبُ به مربعاً إضافيّاً داخل السّلطة ولا أحد يرغبُ أو له مصلحةٌ في أنْ تتغيّر الأوضاع بشكلٍ جذريّ، لكن هذا التلفيق يبقى دائماً عاملاً مغذّياً للتناقض بين هذه الطبقة الحقيرة والطبقات التي تنامُ في القاع على ضيم، يتراكم التناقضُ ويتراكم حتّى الانفجار.

في سبتمبر/ أيلول الماضي طفت الخلافاتُ إلى السطح، عندما أعلن الرئيسُ التونسي الباجي قائد السبسي، في حوارٍ تلفزيونيّ، بشكلٍ واضح وبلا مواربة، فكّ التحالف السياسيّ مع حركةِ النهضة الإسلاميّة. يأتي ذلك في ظلِّ أزمةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ خانقة تعيشها البلاد، قائد السبسي أشارَ إلى أنَّ القطيعةَ جاءت بطلبٍ من حركةِ النهضة نفسها، قائلاً: "لم يعد هناك توافقٌ للتواصلِ بين الباجي والنهضة، بسعي منهم... النهضة نفضت يدها من الباجي واختارت طريقاً آخر". ويبدو أنَّ القطيعةَ بين الرئيسِ التونسيّ وحركة النهضة لم تأتِ دفعةً واحدةً؛ بل هي نتيجة تراكم عددٍ من الخلافات حول قضايا مختلفة في إدارة البلاد، وصل بها قطارُ التحالف السياسيّ إلى طريقٍ مسدود، ويمكن حصر هذه الخلافات في ثلاث قضايا رئيسيّة.

أوّلاً: الخلافُ حول بقاء رئيس الحكومة يوسف الشاهد في منصبه من عدمه، فمنذ اندلاع الصِّراعات داخل حركةِ نداء تونس بين الشاهد ونجل الرئيسِ حافظ قائد السبسي أخذت حركةُ النهضةِ موقفاً مؤيّداً للشاهد، خاصّةً بعد تبنّيه ملفّ الإصلاحات الكبرى وتصفية القطاع العام، فالحركة الإسلاميّة تريد استعمال حكومة الشاهد كأداةٍ لتصفيّة القطاع العام وبالتالي إضعاف غريمها الاتّحاد العام التونسيّ للشغل، كي تستقرّ لها الأوضاعُ مستقبلاً، لو وصل للحكمِ مجدّداً، في المقابل كان قائد السبسي يريدُ إقالة الشاهد، ويعتقدُ أنَّ إدارته للعديدِ من الملفّات الاقتصاديّة والأمنيّة كانت فاشلةً، كما جدّد الباجي في حواره التلفزيونيّ دعوته للشاهد للذهابِ إلى البرلمان ونيلِ ثقته لمواصلة العمل مع حكومته إنْ كان يريدُ المواصلة، على حدِّ قوله. وقال معلقاً حولَ الخلافِ بين نجله والشاهد: "ليس هناك شخصٌ صالح لكلِّ زمان ومكان. لو ذهبَ الاثنان فذلك في مصلحةِ تونس، أو فليصلحا من أمورهما". ويبدو أنَّ التعديلَ الوزاريّ الجديد قد ذهب بيوسف الشاهد إلى نقطةِ اللا عودة في علاقتهِ بالرئيس قائد السبسي، كما أنّه دعم علاقته بحركةِ النهضة الإسلاميّة بشكلٍ أكبر، والتي بدورها استفادت برفعِ حصّتها من الحقائبِ الوزاريّة ودعم وجودها داخل السلطة، وقد سارعت الحركةُ إلى الترحيبِ بالتعديل الحكومي، وقالت إنّها ستصوّت لمنح التشكيلة الجديدة الثقة في البرلمان، ويملكُ الشاهدُ اليوم تأييدَ حوالي 120 نائباً داخل المجلس النيابي، من كتل النهضة والائتلاف الوطنيّ وكتلة الحرّة، في حين لا يحتاجُ أكثر من 109 صوتاً للحصول على ثقةِ البرلمان في التشكيلةِ الجديدة. وجاء التعديلُ الوزاريّ الأخير وبقاء الشاهد على رأسِ الحكومة ليؤكّد على أنَّ فكّ الارتباط بين الرئيسِ الباجي قائد السبسي وحزبه من جهة وراشد الغنوشي وحركته من جهةٍ أُخرى قد خرجَ من حيّزِ التصريحات الإعلاميّة ليصبحَ أمراً واقعاً، إذ اختارت حركةُ النهضة المُراهنة على يوسف الشاهد ومجموعة النوّاب الذين يدعمونه داخل قبّة البرلمان، والذين يمثّلون جناحاً منشقّاً عن حركةِ نداء تونس، لينقلبَ المشهدُ بشكلٍ جذريّ، عمّا كان عليه الحال منذ انتخاباتِ العام 2014.

ثانياً: الخلافُ حول تقريرِ لجنةِ الحرّيات والمساواة الذي طرحه الرئيس، والذي رفضته حركةُ النهضة وحركة أنصارِها في الشارع في مظاهراتٍ واحتجاجاتٍ ضدّ مضمونِ التقرير، وكان مجلسُ شورى النهضة، المؤسّسة الرئيسيّة الحاكمة للحزب، قد رفض بشدّة توصياتِ لجنةِ الحرّيّات والمساواة واقتراح الرئيس، وقال في بيانٍ له في أغسطس الماضي: "إنَّ مبادرة المساواة في الميراث فضلاً عن تعارِضها مع تعاليمِ الدِّين ونصوص الدستور ومجلّة الأحوال الشخصيّة، فهي تثيرُ جملةً من المخاوِفِ على استقرارِ الأسرة التونسيّة وعادات المجتمع"، الأمرُ الذي كشفَ للرأي العام ولقائد السبسي نفسه أنَّ حلفاءَه الإسلاميّينَ لم يتغيّروا في طريقةِ تفكيرهم وما زالوا أسرى للمنهجِ الإخوانيّ في علاقةٍ بقضايا الحرّيّات والمساواة وتحرير المرأة.

ثالثاً: يرى الباجي قائد السبسي أنَّ النظامَ السياسيّ القائم يهمّشُ مؤسّسةَ رئاسة الجمهوريّة، ويضعُ أغلب الصلاحيّات في يدِ رئيس الحكومة على الرَّغم من أنَّ الرئيس يكونُ منتخباً بشكلٍ مباشر من الشّعبِ ورئيس الحكومة معيّناً من الرئيس، وقد وجد السبسي نفسه خلالَ هذه الأزمة السياسيّة عاجزاً ومن دونِ صلاحيّاتٍ تمكّنهُ من عزلِ رئيس الحكومة، لذلك فهو يُطالبُ منذ مدّة بإعادةِ النظر في شكلِ النظامِ السياسيّ وتوزيعِ الصلاحيّات، في المقابل ترفضُ حركةُ النهضة ذلك وتخشى من وجود رئيسٍ قويٍّ في قصرِ قرطاج خوفاً من أنْ يُعيدَ التاريخ نفسه ويحصل لها ما حصل سابقاً خلالَ عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

ومنذُ البدايةِ فقد تأسّس التحالفُ بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي ومن ورائهما نداء تونس والنهضة على أُسسٍ هشّة، فهذا التحالفُ المُخالِف للطبيعة الفكريّة والسياسيّة للحزبيّين قد فرضته الضرورةُ عليهم ولم يكن بدوافع ذاتيّة. ففي أعقابِ انتخاباتِ 2014، التي أعلن الحزبان خلال حملتهما أنّهما لن يتحالفا أبداً، جاءت النتائجُ متقاربةً، رغم فوزِ حركةِ نداء تونس وعجزها عن تشكيلِ الحكومة.

لكنَّ المسألةَ تبدو أعمقَ من نتائج الانتخابات، فحركة النهضة التي حكمت بين 2011 و2013 وفَشِلَت في إدارة شؤونِ البلاد على كلّ المستويات، كانت تعتقدُ أنّها ستبني نظاماً جديداً على أنقاضِ النظامِ القديم، لكنّها اكتشفت أنَّ النظامَ القديمَ لم ينتهي كلّيّاً، وأنّها عاجزةٌ على إنهائه. في المقابل كانَ النظامُ القديم عاجزاً عن العودةِ إلى مواقعِ السلطة كما كان سابقاً، لتجد البلاد نفسها في مأزقٍ بين قديمٍ عاجزٍ عن العودة وجديدٍ عاجز عن الحكم. وفي النهاية قرّرَ الطرفانِ التحالفَ ضمنَ حكومةٍ واحدةٍ، على الرَّغم من هشاشةِ الروابط بينهما.

هذه التناقضاتُ الداخليّة بدأت تظهرُ منذ البداية في شكلِ انشقاقاتٍ داخل حركةِ نداء تونس التي رفضَ عددٌ من قادتها التحالف مع الإسلاميّينَ، وكذلك داخلَ حركة النهضة، وإنْ كانت بدرجةٍ أقلّ. وبدأت تنعكسُ على الأداءِ الحكوميّ. فعلى المستوى الأمنيّ شَهِدَت البلادُ أعنف الهجمات الإرهابيّة في باردو وسوسة، وتفجير حافلةِ الأمنِ الرئاسيّ في تونس العاصمة، وعلى المستوى الاقتصاديّ شَهِدَ الدينارُ التونسيّ انهياراتٍ تاريخيّة وارتفعت نسبة التضخّمِ إلى مستوياتٍ قياسيّة، وانحدرت المقدرةُ الشرائيّة إلى مستوى كارثيّ بشكلٍ غير مسبوق.

أمّا اليوم ومع اقترابِ الانتخاباتِ الرئاسيّة والتشريعيّة في العامِ القادم، يبدو أنَّ البلادَ ستعودُ إلى مربّع الاستقطاب السياسيّ بين القوى العلمانيّة والإسلاميّة، بعد إعلان السبسي فكّ الترابط بينه وبين حركة النهضة، وفي كلّ مرّةٍ يقتربُ الاستحقاق الانتخابيّ تتمُّ العودةُ إلى الصّراعاتِ التاريخيّة بين العلمانيّينَ والإسلاميّينَ، فكلا الطرفين لا يملك في رصيده إلّا الفشلَ الاقتصاديّ والأمنيّ في إدارة البلادِ ولا يمكنُ أنْ يتقدّمَ للناخبينَ ببرامجَ تنمويّةٍ واقتصاديّة، لذلك فإنَّ هذه القوى دائماً ما تعوّلُ على التوجّه نحو مشاعر وعواطف الناخب الدينيّة أو الطائفيّة فتخوضُ معاركها الانتخابيّة حول خطاباتِ الهويّة والدين بعيداً عن المشاغلِ الحياتيّة والاجتماعيّة للناس. ولعلَّ الأحزابَ الإسلاميّة والدينيّة أكثر براعةً في كسبِ الأصواتِ الانتخابيّة من خلالِ لعبة الدِّين والسياسيّة كما حدثَ في تونس وكثيرٍ من دول المنطقةِ العربيّة. لكن، يبقى الغضبُ الاجتماعيّ من الأوضاعِ السائدة في تونس قابلاً للاشتعالِ في أيّةِ لحظة.

انقسامٌ داخلَ النهضة

خلّفَ إعلانُ قائد السبسي، عن نهايةِ التوافق بينه وبين حركة النهضةِ الإسلاميّة، جدلاً واسعاً في السّاحةِ السياسيّة التونسيّة، ولكنّهُ أيضاً قد أدّى إلى بروزِ انقسامٍ داخل النهضة نفسها، بين فريقٍ يؤيّدُ السير بعيداً عن التوافقِ مع قائد السبسي والمراهنة على رئيسِ الحكومة الحاليّ، يوسف الشاهد، وفريق آخر مُعارِض لهذا التوجّه.

الأمرُ لم يتوقّف داخل حركةِ النهضة على اختلافٍ حولَ المحافظةِ على التوافقِ مع قائد السبسي أمْ المراهنة على يوسف الشاهد؛ بل وصلَ حدّ بروز بوادر انقسامٍ كبير، ظهرت في خروجِ أحدِ المعارضينَ لمساندةِ الشاهد وهو القياديّ سيد الفرجاني على إحدى التلفزيوناتِ المحليّة متّهماً رئيس الحكومة بأنّه سيستغلّ النهضة لتمريرِ الميزانيّة ثمَّ سينقلبُ عليها، وأضافَ أنَّ طريقة الحكم تحوّلت في جزءٍ منها إلى حكمِ المافيا، من خلالِ ما يقومُ به رئيسُ الحكومةِ من استغلالِ آليّاتِ الدولةِ والحكم لتكوين حزبٍ خاصٍّ به بمنطقِ الابتزاز. مُشيراً إلى أنّه من الضروري إعادة دولة القانون رغمَ أنف الشاهد ومن معه، الأمرُ الذي دفعَ حركة النهضة إلى المسارعةِ بنشرِ بيانٍ قالت فيه: "إنّ تصريحاتِ الفرجاني شخصيّة ولا تُلزم إلّا صاحبها، وإنَّ مواقف الحركةِ تعبّر عنها مؤسّساتها الرسميّة والجهات المخوّلة للحديثِ باسمها".

الفرجاني لم يكن وحده من يُعارَض توجّه قيادة حركة النهضة في دعمِ يُوسف الشاهد وفضّ التوافق مع الرئيسِ السبسي، فقد سرّبت الصحافةُ المحلّيّة رسالةً، وقّعها قياداتٌ في الحركةِ من بينهم المستشار السياسيّ لرئيسها الغنوشي، لطفي زيتون، تضمّنت نقداً مفصّلاً للتوجّه الجديد في دعم الشاهدِ والتخلّي عن السبسي.

وجاء في الرسالة، التي تمّ توجهيها لراشد الغنوشي، رئيس حركةِ النهضة: "إنَّ التحوّل في الموقفِ السياسيّ لحزبنا المسجّل في الأزمةِ السياسيّة الأخيرةِ بُنِي من طرفِكم على اعتبارين، الأوّل: أنَّ بقاءَ حكومة الشاهد يحقّق الاستقرار السياسيّ. والثاني: أنَّ هناك انقساماً في نداءِ تونس بين نداءِ حافظ ونداء الشاهد، وأنَّ نداءَ الشاهد مرشّحٌ ليكونَ الأقوى ووجبَ تغيير التوافق من توافقٍ مع نداءِ الأوّل لفائدةِ الثاني، وقد أكّدتم لنا أنَّ الرئيسَ السبسي مُحايدٌ في هذه المعركةِ وأنّه لا يرغبُ في إقالةِ الشاهد، وأنَّ الخطوطَ بينه وبين ابنه مقطوعةٌ. هذا الموقف يتحوّلُ مع مرورِ الوقتِ من موقفٍ سياسيٍّ إلى خطٍّ إستراتيجيّ، بدا لنا مُناقِضاً لخطِّ التوافق المعتمدِ سابقا، من دونِ عودةٍ إلى المؤسّسات في مراجعة الخيارات والخطّة السنويّة ومن دونِ أيّ أفقٍ سياسيٍّ واضح. ويتبيّن الآن من خلالِ ما ينشرهُ ويدافعُ عنه أصحابُ هذا الرأي، أنّنا أصبحنا في قلبِ الصِّراعِ الداخليّ لنداءِ تونس مناصرينَ لشقِّ الشاهد الذي تتوضّح يوماً بعد يومٍ طموحاته السلطويّة، واستغلاله لنفوذِهِ واستعماله لوسائل الدولة في جمع الأنصار وكسب الولاء وتكوين كتلةٍ جديدةٍ في البرلمان، فاقدةً لأيّةِ شرعيّةٍ انتخابيّةٍ، إذ يعتمدُ النظام الانتخابيّ القائمات وليس الترشحات الفرديّة."

وقد تشكّلت كتلةٌ داخل البرلمان تحت اسمِ "الائتلاف الوطنيّ" داعمةٌ لرئيس الحكومة في تونس يوسف الشاهد في نزاعه مع حزبه الحاكم حركة نداء تونس، وأصبحت الكتلةُ الثانية في البرلمان، ما يُعزّزُ فرصَ الحكومة الحاليّة للاستمرار في مهامِها حتّى انتخابات 2019، وكان رئيسُ البرلمان محمد الناصر قد أعلنَ في جلسةِ افتتاحِ الدورة النيابيّة الخامسة والأخيرة قبل انتخاباتِ العام المُقبِل 2019، عن ترتيبِ الكُتل البرلمانيّة الذي تصدّرته حركةُ النهضة الإسلاميّة بـ68 مقعداً من بين 217 مقعداً في البرلمان، وتقهقرَ حزبُ الرئيس، حركةُ نداء تونس إلى المركزِ الثالث بعد أنْ فقدَ نصف مقاعده بسببِ الأزمة الداخليّة للحزبِ والاستقالات والانشقاقات للعديدِ من نوّابه، إذ يحتفظ اليوم بـ43 نائباً فقط. ومنذ 2015، يعيشُ حزب نداء تونس، أزمةً سياسيّةً وحركة انشقاقاتٍ تعمّقت منذ الربيعِ الماضي، بالصِّراع بين يوسف الشاهد، والمدير التنفيذيّ للحزبِ حافظ قايد السبسي، نجل الرئيس الباجي قايد السبسي، وصلت حدّ تبادل الاتّهامات بالإضرارِ بالحزبِ ومصالحه.

وحذّرَت قيادات النهضة المعارضين لتوجّه الغنوشي من أنَّ سياسته الجديدة "ستضعُ البلادَ على طريقِ عودةِ الديكتاتوريّة" وأضافوا "أنَّ الخيارَ السياسي الجديد، الذي نعتبره مناقضاً لتوجّهات ولوائحِ المؤتمر العاشر، في دعمِ التوافق كما كان قائماً عند انعقاده، ومتسبّباً في انهيارِ التوازن الدستوريّ بين رأسي الجهاز التنفيذي، بما يضعُ البلادَ على طريقِ عودة الديكتاتوريّة، وبما يضعُ حركتنا في موقفٍ صعبٍ وحَرِج، فمن ناحيةٍ أولى، إنْ نحنُ صوّتنا ضدَّ الحكومةِ ترسّخت صورة الحزب الذي يقدّم مصلحته على المصلحةِ الوطنيّة التي بدأت تلتصق بنا، ومن ناحيةٍ ثانية، إنْ نحن تشبّثنا بالموقفِ الحاليّ ومنحنا الثقة للحكومة، قطعنا شعرةَ معاويّة مع رئيسِ الدّولة، ومهّدنا لمرحلةٍ جديدةٍ من التصعيد وتوتير الأجواء، قد تفصح عمّا لا يُحمَدُ عقباه."

ويعتقدُ الفريقُ المعارِض لسياسةِ الغنوشي الجديدة في المراهنةِ على يوسف الشاهد، والقطعِ مع قائد السبسي أنَّ الشاهدَ يريدُ كسبَ النهضة إلى جانبِهِ للاستفادةِ من كتلتها في البرلمانِ لنيلِ الثقة ثمَّ التخلّي عنها لاحقاً، وأنَّ لديها طموحاتٍ سياسيّةً في السّلطة مستقبلاً كما يتمتّع بدعمٍ دوليّ.

وقد حذّروا الغنوشي في خاتمةِ رسالتهم من أنَّ فضَّ التوافق مع الرئيسِ قائد السبسي والسّيرَ خلف الشّاهد يمكنُ أنْ يؤدّي إلى "انهيارِ كلّ شيءٍ واجهاضِ الانتقال الديمقراطيّ، وسط أوضاعٍ إقليميّةٍ مشجّعة على ذلك" مُشيرينَ بالقول: "إنَّ التوافقَ كما اعتمدناه، كانَ بالأساس توافقاً مع الدولةِ، ومحاولة تغييرِ الوضعيّة التاريخيّة من التصادمِ بينهما، إلى التصالحِ والتفاهم، ولا يفوتكم أنَّ رئيسَ الجمهوريّة، هو رمزُ الدولة دستوريّاً وواقعيّاً، وإنَّ المساسَ بهذا التوافق الذي كنّا نعدّه مصلحةً عُليا للبلادِ والحزب، خروجٌ واضحٌ عن مخرجاتِ المؤتمرِ العاشرِ ومقتضياتِ الخطّة السياسيّة، إنّه ليس هناك من مخرجٍ من الأزمةِ السياسيّة الحاليّة إلّا بالعودةِ إلى سياسةِ التوافق، والمحافظة على التوازنِ بين المؤسّسات الدستوريّة، وهذا يقتضي من الحركةِ التوقّف عن الانخراطِ في النِّزاعِ، والانتصار لطرفٍ على الآخر، والمبادرة من جانبِكم بإصلاحِ العلاقةِ مع رئيسِ الجمهوريّة."

أخيراً، يبدو أنَّ حركةَ المعارَضة ضدَّ توجّهات راشد الغنوشي داخلَ حزبِه بدأت في التصاعد، فقد جرت العادةُ أنْ تكونَ خلافاتُ أعضاء حركةِ النهضة شديدةَ السرّيّة، لكنَّ هذه المرّة طفت الخلافاتُ والانقساماتُ إلى السّطحِ، ويبدو أنَّ تسريبَ الرسالةِ الداخليّة لإحدى الصحفِ المحلّيّة كانَ مقصوداً وفيه رسالةٌ واضحةٌ للرئيسِ الباجي قائد السبسي بأنّه يوجدُ جناحٌ داخلَ النهضةِ ما زال مُراهِناً على التوافق معه.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3