كتب فاضل الربيعي: حول مسألة " فصل الدين عن الدولة " : أين الخطأ ؟

2018.12.20 - 09:07
Facebook Share
طباعة

 على الأرجح، ليس لدى معظم- وليس كل- الذين يكتبون عن مسألة " فصل الدين عن الدولة " في العالم العربي، بإعتبارها مهمة عاجلة ومُلحة،أي بوصفها موضوعاً نضالياً آنيّاً وضروريّاَ؛ وهم في إزدياد سواء عبر وسائل التواصل الإجتماعي أو الصحف، من خلال التعليقات السريعة على الأحداث، فضلاً عن دزينة من المثقفين والكتاب المرموقين الذين وضعوا منذ عقود، مؤلفات كثيرة حول المسألة، أدنى فكرة دقيقة وعميقة ويا للأسف عن الأساس التاريخي الذي إنطلقت منه هذه الدعوة. إنهم في الغالب يُرددّون ما بات بدهية، تلازم تفكير الحداثيين حتى من دون تبصرّ أو معرفة عميقة بخفايا التاريخ الذي دوّت هذه الدعوة في أركانه منذ القرن التاسع عشر. ما من معلّق يدّعيّ العلمانية، إلا ورفع عقيرته بضرورة " فصل الدين عن الدولة " في العالم العربي، ولكن من دون أن يسأل نفسه السؤال البسيط التالي : أين تندمج الدولة في العالم العربي بسلطة الدين، وبحيث تصبح مسألة الفصل بينهما، مهمة نضالية ؟ هل هناك نموذج دراسيّ يستحق المعاينة ؟ أين، وفي أي بلد عربي؟

إنه لأمر مُحزن حقاً، أن النخب العربية وهواة الكتابة هنا وهناك، يرددّون فكرة لا أساس لها في العالم العربي. دلوّني على بلد عربي واحد منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، تماهت فيه سلطة الملك/ الزعيم، بسلطة رجل الدين/ الكاهن، وبحيث يصبح هذا الشعار، شعاراً نضالياً مُلحاَ. دلوّني على بلد عربي واحد، منذ 100 عام حتى اليوم، نشأت فيه سلطتان منفصلتان؟ أين؟ لا يوجد أي ملك، أو زعيم أو قائد عربي منذ 1917 وحتى اليوم، كانت سلطته جزءاً من "سلطة المسجد" أو أن المسجد كان يتحكم بسلوكه، أو أن سلطة هذا الملك، القائد، الزعيم، كانت تتعايش مع سلطة أخرى منافسة ومتوازية معه، وبحيث يصبح شعارنا هو المطالبة بفصل الدين عن الدولة، أي سلطة الحاكم عن سلطة رجل الين؟ أين نجد هذا التماهي؟ 

في الواقع لا يوحد أي نموذج/ مثال. كل هذا من أوهام النخب الثقافية التي ترددّ دون تبصرّ، سخافات البريطانيين والفرنسيين المستعمرين وألاعبيبهم وأضاليهم، عن ضرورة " فصل الدين عن الدولة " في العالم العربي. المؤكد، تاريخيّاً أن الغرب الإستعماري أقام أنظمة حكم في العالم العربي تابعة له، كما ساعد على ظهور طبقات وأسر، وعائلات سياسية مُحترفة في تبعيّها له؛ لذلك لم تنشأ قط أي "سلطة أخرى" منافسة او موازية.

وهذا يعني بوضوح أن العالم العربي منذ عصور الإنحطاط (إبتداء من القرن الرابع الهجري) وحتى اليوم لم يشهد ظهور أي سلطة مزدوجة، وبحيث يصبح الملك هو الإمام/ الكاهن، ويغدو المسجد هو " دار الحكم " تماماً كما كانت الكنيسة في عصر الإقطاع الأوروبي، حين أصبح " النبلاء المسيحيون " جزءاً من سلطة الكنيسة. لقد تحالف الإقطاع الأوروبي مع الكنيسة واندمجت السلطتان في بُنية واحدة. على العكس من النموذج الإقطاعي/ المسيحي الأوروبي، لم يكن لدى المسجد غي العالم العربي، الإقطاعات الكبيرة من الأراضي، كما كان لدى الكنيسة، وبحيث يتزاحم مع إقطاعيات " النبلاء المسلمين "، ثم يندمج معهم في سلطة واحدة. هناك، باستمرار سلطة "مسجد " ذات طابع روحي محدود، وهي خالية اليدين من أي قدرة " إدارية " حتى في أصغر الشؤون الحياتية للمسلمين. كانت سلطة المسجد وما تزال، منفصلة أصلاً عن سلطة البلاط، بمعنى أنها كانت تهيمن روحياً على جزء من السكان المُتدينين لا أكثر، وليس لها أي جهاز إداري يمكن أن يتحكمّ بالسكان البسطاء والمهمشين والفقراء أي سائر الجماهير. أكثر من ذلك، هناك إستغلال بشع ومستمر لقرون، من جانب" البلاط/ الدولة " للمسجد ووظائفه حتى الروحية، فأحياناً يجري إرغامه على التلاعب بالجماهير من خلال حثّ رجال الدين على تلاوة خطب معدّة مُسبقاً من البلاط وليس العكس. والآن دلوّني على آليات الفصل بين الدين والدولة ؟ أي كيف سيكون بإمكاننا تحقيق هذا الفصل الوهمي؟ من أي نقطة يبدأ؟ ثم دلوّني على مثال واحد منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، عن وجود تلاعب من جانب "سلطة المسجد " بسلطة البلاط/ الدولة، وسأعطيكم آلاف الشواهد عن تلاعب معكوس. فما معنى اللهاث- طوال 100 عام وحتى اليوم- خلف هدف غامض له جاذبية سحرية " فصل الدين عن الدولة "؟

هذه الدعوة هراء ما بعده هراء. لا أحد يعرف كيف سنفصل، وماذا نفصل بالضبط؟ لكن، ما الأصل في قصة هذا الشعار، كيف ظهر، وفي أي مسرح تاريخي؟

سآرسم بشكل مقتضب الإطار التاريخي لهذا المصطلح. مع بزوغ عصر الصناعة إنهار تحالف الإقطاع والكنيسة في كل أوروبا، ولعل الثورة الصناعية الأولى 1784 والتي بدأت باختراع الآلة البخارية ، كانت بمثابة رصاصة الرحمة لعصر زائل، حين بدأت مكننة الإنتاج والانتقال بفضل الطاقة البخارية إلى عصر جديد. كانت طبقة الصناعيين/ الرأسماليين تواجه معضلة حقيقية في مواجهة وإحتواء نتائج زوال عصر الإقطاع وبزوغ عصر الرأسمال، ملخصها، أن تقدم الصناعة لن يكون ممكناً دون إنشاء شبكات مالية ضخمة ( بنوك، مصارف، مؤسسات إقراض) تقوم على أساس " نظام الفوائد ". بيد أن تأسيس هذا النظام بدا مستحيلاً مع وجود عوائق وقيود فقهية/ دينية مسيحية صارمة، فرضتها تعاليم الكنيسة وتحرّم مبدأ " الربا/ نظام الفوائد ". في هذا الوقت كانت العقيدة المسيحية وتعاليمها بشأن " الربا "، كما لاحظ ديورانت في " قصة الحضارة " تشكل أكبر العقبات أمام نمو النظام المصرفي وتقدمه.

كان اللاهوتيون قد أسسّوا نظام تحريم صارماً، لمنع " تورط المسيحيين " في معاملات مالية يديرها يهود أوروبا، وتقوم على أساس " مبدأ الإقارض بفائدة/ ربا ". وبحسب ما كتب جيروم ، فإن "الكسب كله حرام "، وهذا هو تقريباً رأي أوغسطين، الذي نظر إلى كل نشاط مالي يقوم على أساس " الفائدة " هو" إثم " لأنه سوف يصرف المؤمنين " عن السعي للراحة الحقة أعني الله ". في هذا السياق، سنلاحظ أن البابا ليو الأول ومنذ عام ( 451 م) أبدى ما يكفي من الإرتياب حيال " كل وأي نشاط مالي للكسب " أي الربا. مع مجلس لا تران الثالث 1179م تمّ تجديد هذا التحريم، وقرر أن الذين يجاهرون بالربا لا يقبلون في العشاء الرباني، " وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يدفنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صدقاتهم ". وظل هذا هو قانون الكنيسة الرومانية حتى عام 1917م، حين شاعت فكرة " أن جميع المرابين يهود ". هذه كانت أكبر العقبات أمام العصر الرأسمالي. لقد منعته الكنيسة من تأسيس شبكاته المصرفية.

في هذا الوقت بدأت معركة الصناعيين / الرأسماليين لإرغام الكنيسة على إبطال هذا التحريم، لتمهيد الطريق أمام ظهور شبكات المصارف والبنوك. وفي هذا الوقت فقد بدأ النضال ضد الكنيسة تحت شعار " فصل الدين عن الدولة ". معظم البلدان الأوروبية بعد عام 1400م، اعتبرت أن ما وضعته الكنيسة من قوانين لتحريم الربا، لا معنى له ويجب إهماله .

لم يكن هناك أي أساس أخر لفكرة الفصل بين الدولة والدين.

بإختصار شديد : استمرار الترويج لشعار " فصل الدين عن الدولة "، يؤكد أن الجزء الأكبر من النخب الثقافية العربية المعاصرة، كان ولا يزال ضحية الخدع والأضاليل التي روّجها الغرب الإستعماري للتلاعب بالعقول والأفكار، حين وضع لنا " أهدافاً وهمية " للنضال الإجتماعي. ليس لدينا " مسجد " يعيق تقدم الصناعيين والرأسماليين ب" قوانينه " التي تتجاوز الدولة. المسجد منذ القرن الرابع الهجري، وبدايات " عصر الإنحطاط " لا سلطة له. ليس في قبضته لا الملكيات الإقطاعية ولا الجميع يطيعون تعاليمه. فماذا نفصل؟

الشعار الواقعي الذي يصلح للنضال الوطني التحررّي هو: منع السلطة ورجال الدين على حدّ سواء من التلاعب بالدين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 7