كتب أحمد نظيف: الإرهاب والتهريب والأثرياء الجدد في تونس

خاص _ عربي برس

2018.12.20 - 10:33
Facebook Share
طباعة

شهدت السنوات التي أعقبتْ رحيل بن علي عن السلطة تحولاتٍ جذريةً طالت البنية الاجتماعية في تونس، وخاصةً على مستوى النُخب المالية والسياسية الحاكمة. القوة التي كانت مجمَّعةَ في يد نظام الحزب الواحد، غَدتْ مفرقةً بين مراكزِ قوى مالية وسياسية ذات ولاءاتٍ مختلفةٍ إقليمياً ودولياً، وذات مصالحَ متضاربةٍ داخلياً. لكنَّ اللافت هو بروز طبقةٍ جديدةٍ من الأثرياء، ليسوا من البرجوازية التقليدية التونسية، ولكن من الأطراف، خاصةً على الحدود مع ليبيا والجزائر. والحقيقة أنَّ هذه الطبقة ليست وليدة ما بعد بن علي، ولكن بروزها على مسرح الصراع على النفوذ والسلطة بدى أكثر قوةً ما بعد بن علي.

خريف العام الماضي كشفتْ دراسةٌ حول ظاهرة التجارة الموازية والتهريب في تونس، نشرها المعهد التونسيّ للدراسات الاستراتيجية، التابع للرئاسة التونسية، عن تأثيراتِ هذه الظاهرة على الاقتصادِ الرسمي وعلى الوضع الاجتماعي في المناطق الحدودية، في ظلِّ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشُها البلاد. وقالتْ الدراسة إنِّ "التجارة الموازية الناتجة عن عمليات التهريب بين تونس وليبيا تتم عملية الانتاج والتبادل السلعي فيها خارج حدود البلاد ويتمّ إدخالها إلى السوق المحلية عن طريق مسالك التهريب أو عن طريقِ شبكةٍ من العاملين في الفضاءِ الحدودي بطريقةٍ غير قانونيةٍ ولا تشمُلها الرقابة ولا تخضع للقوانين الرسمية ولا تشملها الضرائب، الأمر الذي ينعكس سلباً على مداخيلِ الدولة. كما أنَّ هذا النوع من التجارة يساهم بـ15 إلى 20% من الناتج الداخلي الخام للبلاد."

وأضافت الدراسةُ أن "الانعكاساتِ السلبية للتهريب شملتْ أيضاً المبادلات التجارية وخاصةً السلع المدعومة. كما حقق التهريب مكاسباً إيجابيةً للدولة خاصةً بشأن توريد المحروقات وبعض الآليات الفلاحية وغيرها من المواد والبضائع التي تستوردها تونس بالعملة الصعبة. كما أنَّ نسبةَ التوريدِ الموازي من إجمالي التوريد الفعلي من القطر الليبي قد بلغتْ نِسباً عاليةً ناهزت 76.8% إلى حدود العام 2012."

قبل العام 2011، تاريخ سقوط نظام بن علي، كانت الدّولة تغض الطّرف عن عمليات التهريب وتراقبها، في أُطرٍ سياسيةٍ تَهدف إلى ضمان التخفيف من حدّةِ الاحتقان الاجتماعي في المناطق الحدودية التي تعاني أوضاعاً اقتصاديّةً هشّةً وسيئةً، حيث يوفّر التهريب فرصَ عملٍ كثيرةٍ لسكّان الحدود، ويساهم في تعمير تلك المناطق التي تعتبر بمثابةِ الخط الأمني الأوّل للبلاد. لكن بعد العام 2011، ضَعُفت سيطرة الدّولة على مسالك التهريب، في ظل انفلاتٍ سياسيٍ كبيرٍ وغياب الاستراتيجيات الواضحة اقتصادياً واجتماعيًا وأمنياً، ومع سقوط نظام القذافي في ليبيا خاصةً، برز على الهامش العشرات من رؤوس الأموال الجديدة التي استثرت من عائدات التهريب".

وتواجه تونس معضلةَ تضخمِ الاقتصاد الموازي القائم أساساً على تجارةِ البضائع المهربة على الحدودِ مع ليبيا والجزائر، على حسابِ الاقتصاد الرسمي. فقد أصبح الاقتصاد الموازي يستأثر بالنصيب الأكبر من القوى العاملة ويمثل مجالاً للتهرب من الضرائب، الأمر الذي يُكبدها خسائرً سنويةً تقدر بـ600 مليون دولار. وفي نفس الوقت أدى تضخم الاقتصاد الموازي إلى ظهور طبقةٍ جديدةٍ من الأثرياء الجدد.

بعد العام 1987 ووصول زين العابدين بن علي إلى السلطة، وتحسن العلاقات مع الجارتين ليبيا والجزائر، ولاحقاً توقيع اتفاق اتحاد المغرب العربي في 1989، شهد النشاط التبادلي على طرفي الحدود التونسية توسعاً كبيراً وأصبحت الدولة تغضُّ الطرف عن النشاط التجاري غير الرسمي، ونشأت طبقةٌ جديدةٌ من البرجوازية التي راكمتْ ثروةً هائلةً من التهريب والتجارة غير الرسمية، لكنها كانت تُركز على التبادل السلعي والنشاطات الطفيلية. ومع بداية القرن أصبحت هذه الطبقة تحاول البحث عن نفوذٍ في السلطة أو علاقة قُرب مع أطرافٍ فاعلةٍ داخل السلطة، وقد وجدت ضالتها في تحالفها مع "دائرة القرابة" مبني على مصالح اقتصادية. ويفسر مهدي عامل هذا النزوع بالقول: "إن وعي الطبقات البرجوازية غير المهيمنة في تطلعها لشرعنة الوصول إلى مراكز الهيمنة التي تشغلها أجزاءً أخرى من البرجوازية، يزداد إلى مستوى يتم من خلاله تحديدُ موقعها في المجال السياسي والاقتصادي. هذا الجزءُ من البرجوازية غير المهيمن يريد إنهاءَ جزءً من الهيمنة دون أنْ يُزيلَ كامل الهيمنة البرجوازية".

برحيل بن علي، سقط نظام "احتكار القلّة" لكن على العكس فإنَّ حلفائه في برجوازية الأطراف ازدادوا نفوذاً، لأن نشاطها يتعارض طرداً مع قوة الدولة وكلما ضعفت الدولة زادت قوتها، بل أصبحت هذه الطبقة أمام سوقِ تهريبٍ ونشاطٍ غير رسمي أكثر اتساعاً خاصةً بعد سقوط الدولة في ليبيا. فقد النظام سلطته على الأحزاب والصحافة والإعلام والمجتمع المدني وحتى على أجزاءٍ من أجهزة الدولة. مراكز القوى في البلاد اختلت بشكل كبير لفائدةِ أصحابِ المال على حساب أصحاب السلطة السياسية، وفقاً لأحكام لعبةٍ ديمقراطيةٍ !! لم تكن طبقةُ أصحاب الأعمال كُلاً واحداً ذا أهدافٍ واحدةٍ. فريقٌ منها كان يبحث عن حماية من حملاتِ الثأر الثورية وفريقٌ آخر كان يريد موطئ قدم في السلطة السياسية للحفاظ على الثروة وتنميتها. ورثتْ هذه الطبقة غير المتجانسة نفوذ النظام ودعمت أحزاباً وشكلت منظماتٍ وجمعياتٍ ووسائلَ إعلامٍ وصحافةً واستغلت حاجة النشطاء في الشأن العام للمال كي تثبت وجودها وسلطتها في الدولة والمجتمع والأخطر أنها امتلكت موطئ قدم في الدولة في الدوائر الحساسة والعادية على حدٍّ سواء. وفريقٌ آخر كان يريد أن يثأر من "القلة الاحتكارية" التي كانت بالأمس في دائرة القرابة تُسَيِّر كلَّ شيءٍ، والتي منعته من أنْ يكون له موقع تحت شمس السلطة.

هذه الطبقة الجديدة من رؤوس الأموال، بدأت تبحث عن نفوذ أكبر، لحماية مصالحها القائمة، ما أدى إلى بروز صراعاتٍ كبيرةٍ مع البرجوازية التقليدية المهيمنة على الاقتصاد الرسمي وتملك نفوذاً واسعاً على المستوى السياسي في السلطة وفي الأحزاب وفي المجتمع المدني، على خلاف ما كان سائداً قبل العام 2011 حيث كانت شبكة المصالح الاقتصادية ممركزة بيد السلطة السياسية المطلقة المسيطرة بشكلٍ حاد على كافة الشؤون في البلاد، وكانت السلطة هي التي ترعى توزيع المنافع الاقتصاديّة والمالية الأمر الذي يضمن توطيد سيطرتها على الوضع" .

وتشير دراسةٌ نشرتها مجموعة الأزمات الدولية في مايو/أيار 2017 إلى أن "رجال الأعمال من المناطق المحرومة (الحدودية)، أولئك الذين استثروا بفضل التجارة الموازية على الحدود، لديهم قناعة أنَّهم مهمشون من قبل السلطة المركزية. فرغم أن هؤلاء الأثرياء الجدد قد غَنِموا أموالاً إلا أنَّ نفوذهم السياسي والإداري مازال محدوداً، وهذا ما يغذي إحباطاتهم التاريخية تجاه السلطة رغم ما تدره عليهم نشاطاتهم الموازية من أرباحٍ. فمنذ بدايات الثمانينات من القرن الماضي، أضحى العديد منهم نشطاءً اقتصاديين متسترين. ورغم الثروات التي راكموها فإنهم كثيراً ما يصطفون مع المهمشين حين يثور هؤلاء ضد الدولة".

وتدعو الدراسة التي نشرها المعهد التونسيّ للدراسات الاستراتيجية إلى "احتواءِ القطاع الموازي من خلال الإعفاءات الضريبية وإنشاء مناطق للتبادل التجاري الحر بين تونس وجيرانها للقضاء على ظاهرة التهريب، بتفعيل الاستراتيجية المشتركة للتنمية التي أقرَّتها الدول الأعضاء باتحاد المغرب العربي في مارس 1991 والتي تنصّ على إنشاء منطقة تبادل حر خاصّة بالمنتوجات المغاربية. وكذلك تكثيف جهود التنمية وتوفير فرص العمل في المناطق الحدودية". لكن الدولة لم تبادر بأيِّ خطوة حتى الآن لإعادة إدماج رؤوس الأموال الموازية والتي غَنِمت أموالها من التهريب في الدورة الاقتصادية الرسمية ولم تتقدم كثيراً في مجال تنمية المناطق الحدودية التي يتجه أبناؤها إلى الهجرة غير النظامية أو إلى الجماعات المسلحة في ليبيا.

في المقابل اتجهت السلطات إلى الخيارات العِقابية في مواجهة التهريب، فقد فرضتْ منذ أغسطس/آب 2013 منطقةً عسكريّةً عازلةً على طول حدودها الشرقية مع ليبيا، بهدف منع عمليّات تهريب السلاح والذخائر إلى داخل البلاد القادمة من ليبيا. وقد ضيَّقت بذلك الخناق على المسالك الصحراوية التي يسلكها المهربون، الأمر الذي أدى إلى مقتل العشرات منهم برصاص الجيش والحرس التونسيين. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل أطلقت السلطات بداية من 23 مايو/أيار الماضي حملةً لمكافحة الفساد شملت رجال أعمال ومهربين، بينهم عادل وشقيقه فتحي جنيح، في محافظة المهدية، وسط شرق البلاد، واللذان يعملان في تهريب النحاس، وعلي القريري في محافظة القصرين الحدودية مع الجزائر، بتهمة التهريب.

أخيراً، يبدو أن السلطة السياسية في تونس لا تملك الكثير من الحلول لمواجهة ظاهرة التهريب والاقتصاد الموازي. فهي إزاء ظاهرةٍ قديمةٍ قِدم العلاقات بين تونس وجيرانها شرقاً وغرباً ومعقدة بقدر تعقيد الصلات الاجتماعية والقبلية المتشابكة على طرفي الحدود مع ليبيا والجزائر. فالتوجه نحو الإجراءات العِقابية الأمنية والقضائية لا يقضي على الظاهرة ما لم يتم القضاء على جذورها وهي التهميش الذي تعاني منه المناطق الحدودية. فالفراغ التنموي الذي تعاني منه هذه المناطق يدفع أهلها إلى العمل في التهريب، وليس أمام الدولة إلا وضع اعتماداتٍ ضخمةً لتنمية مناطقها الحدودية حمايةً لأمنها الاقتصادي وأمنها العام، فنشاط شبكات التهريب التونسية ليس بعيداً عن نشاط الجماعات الإرهابية في ليبيا والجزائر والتحدي أمام الدولة اليوم هو كيف تكسب إلى جانبها المهربين وتدمجهم في نسيج الاقتصاد الرسمي؟

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 5