من سفّر آلاف التونسيّين للقتال في سورية؟ وكيف نواجه العائدين؟

أحمد نظيف

2018.12.24 - 08:51
Facebook Share
طباعة

 

لا يلبث ملفّ التحقيق في عمليّاتِ تسفيرِ آلاف الشباب التونسيّ للقتال في صفوف الجماعات المسلّحة في سورية والعراق بين 2011 و2014، يختفي حتّى يعودُ مرّةً أُخرى إلى دائرةِ الأحداث. هذه المرّة جاءَ الجديد من السفيرِ الأمريكيّ السابق في تونس، جاكوب والس، والذي كشفَ عن وجودِ تسهيلاتٍ من حكومةِ حركةِ النهضة الإسلاميّة (2011-2013) لشبكاتِ التسفير.

 

والس الذي شَغِلَ سابقاً منصبَ سفيرٍ لبلادِهِ في تونس وعَمِلَ مستشاراً أقدمَ لشؤون المُقاتلِين الأجانب في "مكتب مكافحة الإرهاب في وزارةِ الخارجيّة الأمريكيّة"، قال في محاضرةٍ له في منتدى سياسيّ في معهد واشنطن –القريب من اللّوبي الصهيونيّ- كجزءٍ من "سلسلةِ محاضرات شتاين لمكافحةِ الإرهاب": "خلالَ المرحلة الأُولى (من 2011 إلى أيلول/سبتمبر 2012)، سُمح عموماً لـ «أنصار الشريعة» وغيرها من الجماعات المتطرّفة بتنظيم صفوفها علناً وإرسال مُقاتلين للانضمامِ إلى ما كان يُعتبَر آنذاك كفاحاً شعبيّاً ضدَّ نظام الأسد في سورية".

 

وأضاف والس: "في أعقابِ ثورة 2011، أدّت العديدُ من التطوّرات السياسيّة الرئيسيّة إلى تمهيدِ الأرضيّة لبروزِ مُقاتلينَ أجانب من تونس، ففي العام نفسه، أعلنت الحكومةُ عفواً عن جميعِ السجناء السياسيّين، في خطوةٍ انتهت بإطلاقِ سراح العديد من الجهاديّين الخَطِرين. وفي الوقتِ نفسه، أدّت التغيّرات ضمنَ قوّات الأمن عقبَ الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي إلى تقليصِ قدرةِ الدولة على التعامل مع هؤلاء الجهاديّين، ممّا ساهم في [بروز] المشاكلِ اللاحقة. وكما ذكرنا سابقاً، تسامحت حكومةُ "الترويكا" التي حكمت بين عامي 2012 و2013 في بادئ الأمرِ مع الأنشطةِ الجهاديّة، وعند جمعِ هذه العوامل سويّة، نجد أنّها سمحت بتشكيلِ الجماعاتِ المتطرّفة وقيام هذه الأخيرة بتجنيدِ أفرادٍ جُدد وتسهيلها السفر إلى ليبيا وسورية والعراق وتنظيمها في النهاية هجماتٍ داخل تونس. وتألّف ردُّ الحكومةِ من أربعِ مراحل. خلالَ المرحلةِ الأُولى (من 2011 إلى أيلول/سبتمبر 2012)، سُمِحَ عموماً لـ«أنصار الشريعة» وغيرها من الجماعاتِ المتطرّفة بتنظيمِ صفوفِها علناً وإرسال مقاتلينَ للانضمام إلى ما كان يُعتبَر آنذاك كفاحاً شعبيّاً ضدّ نظام الأسد في سورية، وفي المرحلة الثانية (2012-2014)، أدركت الحكومةُ أنّها تُواجه مشكلةً، إذ بدأت الجماعاتُ المتطرّفة بتنفيذِ عمليّاتٍ إرهابيّة داخلَ تونس بدءاً بهجومِ أيلول/سبتمبر على السفارةِ الأمريكيّة الذي تلاه عمليّتي اغتيالٍ سياسيٍّ بارزتين في عام 2013، وخلال المرحلة الثالثة (2014-2015)، بدأت الحكومةُ التكنوقراطيّة بقيادةِ مهدي جمعة بتعزيز تعاونِها مع الولاياتِ المتّحدة وشركاء أجانب آخرين بشكلٍ كبير، وتمّ تمريرُ قانون جديد لمكافحةِ الإرهاب في عام 2015، كما تحسّنت قدرة قوّات الأمن على مواجهةِ الإرهاب، وقد دفعت هذه القيود المحلّيّة إلى قيامِ الجهاديّين بتحويلِ عمليّاتهم إلى الخارج، كما أنَّ التدفّقَ المُتنامِي للمُقاتلِين الأجانب إلى ليبيا وسورية والعراق خلالَ هذه الفترة تزامن مع صعودِ تنظيم «الدولة الإسلاميّة». أمّا المرحلة الرابعة (من 2014 حتّى الوقت الحاضر)، فقد شَهِدَت تحوّلَ التركيز نحو المُقاتلِين العائدين، مع بروز جدالٍ علنيٍّ بين التونسيّين حول كيفيّة التعامل معهم، وتُدرِكُ الحكومةُ أنَّ نهجاً قائماً على الأمنِ غير كافٍ، ولكنّها في الوقتِ نفسه لم تُحرز تقدّماً ملحوظاً باتّجاه اعتماد مُقارَبة أكثر شموليّة، ورغم تحسّن الوضع بشكلٍ كبيرٍ مُقارنةً بالفترةِ 2012-2013، فضلاً عن عدمِ تعرُّض تونس لهجومٍ كبيرٍ منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2015، إلّا أنّه لم يتمّ تحقيق الكثير لمعالجةِ المحرّكات الكامنة للتعبئة والانتشار، وصحيحٌ أنَّ الحكومةَ قادرةٌ الآن على التعرّف على العائدين عند المعابرَ الحدوديّة الرسميّة، لكنّها لا تملك خطّةً بشأن ما يجب فعلِهِ حالما يتمّ تحديد هويّتهم، كما تفتقرُ قوّاتها الأمنيّة إلى الوسائلِ اللازمة لمراقبتهم، وفي غضونِ ذلك، ما تزالُ السجونُ المكتظّة في البلادِ تُمثّل أرضاً خصبة للجهاديّين، ورغم حصول تونس على مساعدةٍ من الولاياتِ المتّحدة في إدارةِ السجون، إلّا أنَّ مشاكلَ التطرّف والأمن مُتداخلةً بشكلٍ وثيق مع القضايا السياسيّة والاقتصاديّة الأكبر، ممّا يجعلُ حلّها صعباً بشكلٍ خاص".


العائدون... كابوسٌ أمنيّ

خلال الأسابيع الماضية، أعلنت تونس، الكشفَ عن شبكةٍ دوليّةٍ لتهريب إرهابيّين إلى أوروبا عبر البلاد، باستخدام جوازاتِ سفر أجنبيّة مزوّرة، وقالت وزارةُ الداخليّة التونسيّة في بيانٍ لها: إنَّ الوحدةَ الوطنيّة للبحثِ في جرائم الإرهاب والجرائم المنظّمة تمكّنت من الكشفِ عن شبكةٍ دوليّةٍ لتهريب الأشخاص انطلاقاً من العراق وتركيا، باتّجاه أوروبا عبر تونس، باستعمالِ جوازاتِ سفرٍ أجنبيّةٍ مزيّفة، وتمَّ خلالَ العمليّة توقيف أربعةِ عراقيّينَ وتونسيّ، كان يعملُ وسيطاً في هذه الشبكة الدوليّة، وإحالتهم للنيابةِ العموميّة بالمحكمةِ الابتدائيّة، وأصدرَ قاضي التحقيق بطاقاتِ إيداعٍ بالسجنِ بشأنِهم، فيما تمّ إدراجُ عنصرين آخرين بالشبكةِ الدوليّة ذاتها، إذ يجري البحثُ عنهم.

 

وقبلَ أشهر، أعلنت وزارةُ الداخليّة التونسيّة، توقيف شخصين "إرهابيّين" على علاقةٍ بالتونسيّ سيف الله، مُدبّر الهجوم "البيولوجي" الذي أُحبِطَ في ألمانيا، 20 يونيو/حزيران الماضي، وقالَ الناطقُ الرسميّ باسم القطبِ القضائيّ لمكافحةِ الإرهابِ في تونس: إنَّ الأبحاث كشفت أنَّ أحدَ المتّهمين حاول الالتحاق بصفوفِ "الجماعات الإرهابيّة" بسورية وأنّه لم يتمكّن من ذلك واتّفق مع سيف الله "على أنْ يتولّى كلّ منهما تنفيذ عمليّةٍ إرهابيّةٍ بصفةٍ متوازيّة ببلدي إقامتهما تونس وألمانيا بوساطة قنبلةٍ تقليديّةٍ الصنع"، أمّا العنصر الثاني فقد كُلّف بتوفيرِ وثائق سفر مزوّرة لسيفِ الله لتسهيلِ هروبِهِ نحو بلدانِ أوروبيّة، وفقاً لبيان وزارةِ الداخليّة.

 

هذه العمليّات الأمنيّة المُتواتِرة، أعادت إلى الواجهةِ ملفّ المُقاتلِين التونسيّينَ العائدين من بؤرِ التوتّر الجهاديّ، في سورية وليبيا والعراق، وتأثيراته الأمنيّة على المستوى الداخليّ وكذلك على المستوى الإقليمي، لجهة قربِ تونس الشديد جغرافيّاً من السواحلِ الجنوبيّة للقارّة الأوروبيّة، وتداخل قضيّة الإرهاب بموجةِ الهجرة غير النظاميّة بين ضفّتي البحر الأبيض المتوسّط.

 

ففي أعقابِ الهزائم المُتلاحِقة التي تعرّض لها تنظيم الدولة الإسلاميّة – داعش – بدايةً من العام 2016 وانحسار الحيّز الجغرافيّ الذي كان يسيطرُ عليه، خلالَ عامي 2014 و2015، من عمرِ "خلافته" القصير، تحوّلَ هاجسُ عودة آلاف المقاتلين الذين انضمّوا إلى التنظيم هاجساً يُؤرِقُ الكثير من الدول، التي انخرطَ مواطنوها في القتالِ إلى جانب "خلافة البغدادي" المُهزومة. ومن بين هذه الدول تونس، التي ناهز عددُ المقاتلين، الذين يحملون جنسيّتها في صفوفِ تنظيم داعش في سورية والعراق حوالي 3000 مقاتلاً، إلى حدودِ العام 2015، هذا عدا المُقاتلِين الذين انضمّوا لتنظيمِ نصرة الشام، الفرع السوريّ لتنظيمِ القاعدة، فيما بلغَ عددُ مقاتليها في صفوفِ الجماعات الجهاديّة الليبيّة بين 2011 و2017، حوالي 1500 مُقاتلاً، وفقاً لدراسةٍ نشرها معهدُ واشنطن لدراسات الشرقِ الأدنى، في يناير/ كانون الثاني 2018.

 

وكانَ المعهدُ التونسيّ للدراساتِ الإستراتيجيّة، وهو مؤسّسةٌ بحثيّةٌ رسميّةٌ، قد نشرَ في مايو/ أيّار الماضي، دراسةً لتقييم مخاطرِ المقاتلينَ التونسيّينَ العائدين من بؤر التوتر، قامت أساساً على مقابلات مع 82 ارهابياً عائداً، يقبعون حاليّاً في السجنِ من بينهم 5 نساء، وقد التقى بهم الباحثونَ وتحدّثوا مع عددٍ منهم في لقاءاتٍ فرديّةٍ أو محادثة جماعيّة. 

 

وترسمُ الدراسةُ من خلالِ الأرقام والمُعطياتِ التي جمعها الباحثون، صورةً عن هؤلاء العائدين، مشيرةً إلى أنَّ الشريحةَ بين 25 و29 سنة (44.8%) تمثّلُ أعلى فئةٍ انخرطت في القتالِ في الخارجِ أو حاولت ذلك، وتمثّلُ هذه الفترة العمريّة سنّ الانتهاء من التعليمِ الجامعيّ بالنسبةِ للمتعلّمين والبحث عن عَملٍ بالنسبةِ لجلّ الشباب أي الانخراط في الواقع والخروج من الرفاهةِ العائليّة إلى تحدّياتِ الواقع، كما أنَّ (74.1%) ليسوا متزوّجين، ذلك أنَّ الالتحاق ببؤر النزاعِ يكون سهلاً بالنسبةِ للمقاتل الأعزب من جهةِ انتفاء مسؤوليّته العائليّة فضلاً على أنَّ التنظيمات الإرهابيّة زيّنت لهم إمكانيّة الحصول على زوجةٍ بطريقةٍ سهلةٍ من دونِ تعقيدٍ إجرائيّ ومن دون التقيّد بالشروط، التي تفرضها القوانين والتقاليد الجاري بها العمل بتونس، كذلك فإنَّ 87.9% من الإرهابيّينَ المُستجوَبين من أنصافِ المتعلّمين، إذ إنّهم لم يصلوا إلى مستوى التعليم الجامعيّ، وانقطعوا عن مزاولةِ التعليم في سنٍّ مبكرة، ذلك أنَّ 43.1% انقطعوا في مستوى التعليم الثانوي و24.1 % في مستوى التعليم الابتدائيّ، فيما يتعلّق بأسباب مغادرةِ مقاعد الدراسة المُتأمّل ممّا له أصلٌ ثابت في الإحصائيّات أنَّ 42 % من المستجوبين غادروا مقاعدَ الدراسة بسببِ الفشل.

 

إنَّ السجنَ وإنْ كانَ حلّاً أمنيّاً ضروريّاً كعقوبةٍ لكلِّ الذين انضمّوا سابقاً لتنظيماتٍ إرهابيّةٍ خارجَ البلاد وداخلها، وضروريّاً لمنعِ وقوعِ تهديداتٍ إرهابيّةٍ مُحتمَلة من طرفِ هؤلاء العائدين، إلّا أنّه يبقى حلّاً وقتيّاً وغير كافٍ، فهؤلاء العشرات من العائدين، والذين قُدّر عددهم بحوالي 800 عائدٍ في آخر تصريحٍ رسميّ لوزارةِ الداخليّة منذ مدّةٍ طويلة، لا يمكثوا في السجونِ طيلة حياتِهم، فعلى الدولةِ أنْ تُفكّر في مصيرِهم بعد السجنِ وما مدى التهديد الذي يمكنُ أنْ يشكّلوه بعد مرحلةِ السجن؟ لذلك يجب البحث عن حلولٍ ثقافيّةٍ وتعليميّة وفكريّة إلى جانبِ الحلِّ الأمنيّ الضروريّ والمهم".

 

وفي السياقِ نفسه، قدّمت الدراسة التي أصدرها معهدُ الدراساتِ الإستراتيجيّة الحكوميّ، توصياتٍ تتعلّقُ بقصورِ الحلِّ الأمنيّ، مُشيرةً إلى أنَّ "المُقاربةَ الحاليّة لهذا الأشكال والمُعتمدَة أساساً على "القوّة الخشنة" وعلى الحلّ الأمنيّ المُنحصِرِ على العقوبةِ السجنيّة والمُراقَبة الإداريّة من دون التدقيقِ في التصنيف تُخفّض من سقفِ المَخاطر الآنيّة من دونِ تقديمِ أيّ حلٍ متوسّط وطويل المدى لمشكلةٍ يجب أنْ تحلّ عبر التغييرِ في العديدِ من السياساتِ العموميّة، خاصّةً الموجّهة للناشئةِ والشباب وأهمّها السياسات التعليميّة والدينيّة والمواطنيّة". كما طالبت بـ"بناءِ خطّةِ عملٍ وطنيّةٍ للتعاملِ مع الفئة الإرهابيّة بمراوحةٍ بين القوّةِ الخشنةِ والقوّة الناعمة للمحافظةِ على الرابط بينهم وبين المجتمع، وخاصّةً بالنسبةِ للفئةِ الأقلّ خطورة، والعمل على بناءِ برامج تأهيل للأصناف القليلة والمتوسّطة الخطورة في الإطار السجنيّ لتوقّي انتشار التطرّف وإخراج هؤلاء الأفراد من حالةِ العزلةِ ورفض المجتمع قبل انتهاء العقوبة السجنيّة، وكذلك وجبَ بناء خطّة عملٍ مع أُسرِ وعائلاتِ الإرهابيّينَ التونسيّينَ بوصفهم البيئة الحاضنة لهذهِ الفئة بعد الخروجِ من السجن والأكثر تأثيراً على صيرورتهم، ووجوب إدخال معالجة التوقّي من الفكرِ المتطرّف في جميعِ السياساتِ العموميّة وخاصّةً الموجّهة للشبابِ بما في ذلك السياسات وخاصّةً السياسات التعليميّة والدينيّة والاقتصاديّة وكذلك السياسات الموجّهة للعائلةِ لبناءِ قدراتِ المجتمع على التعاملِ مع الفكرِ المتطرّف".

 

وحتّى الآن لا تملك السلطاتُ التونسيّة إلّا الحلّ الأمنيّ لمواجهةِ الخطرِ الإرهابيّ العائد من ساحاتِ القتال في ليبيا وسورية والعراق، ولم تطرح أيّ برنامجٍ جذريّ ومتكامل يجمعُ بين أساليب مختلِفةٍ تشملُ الثقافة والتعليم والدِّين ويكون حلّاً جذريّاً طويلَ المدى. كما يُساهمُ غياب الاستقرارِ السياسيّ والتغيرات الحكوميّة المتكرِّرة وخاصّة تلك التي شَمِلَت الأجهزة الأمنيّة ووزارة الداخليّة في غيابِ رؤيّةٍ واضحةٍ وطويلة المدى لتجاوزِ تحدّي العائدين، خاصّةً أنَّ تجميعَهم في سجونٍ مُختلَطة بسجناءِ الحقّ العام، يزيدُ من مخاطرِ استقطاب عناصر إرهابيّةٍ جديدة، وقد حدثت العشرات من الحالات، لعلّ أشهرها مغنّي الراب التونسيّ، مروان الدويري المعروف باسم أمينو، الذي دخلَ السجنَ بسببِ سيجارةِ حشيش في العام 2012، ليخرجَ منه بعد سنةٍ واحدٍ، وقد تبنّى أفكار الجهاديّين، ثمَّ ما لبثَ أنْ سافرَ إلى سورية وانتمى لتنظيم داعش، ليُقتلَ أخيراً في غارةٍ جويّةٍ في مدينةِ الموصل العراقيّة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3