كتب أحمد نظيف: تونس.. ديمقراطيّة تحت سلطة المال

خاص عربي برس

2018.12.26 - 11:50
Facebook Share
طباعة

 ما حدث في تونس بين 17 ديسمبر 2010 و14 يناير 2011، إنْ كان ثورةً أو انتفاضةً أو انقلاباً، لم تكنْ نتائجه إسقاط النظام السياسيّ، بل أحدثَ تغيّراً غير مسبوق في مواقع مراكز القوة في البلاد، بكل ما يعنيه ذلك من استتباعات ونتائج تبدو نسبيّاً إيجابيّةً على واقع الحريات. فقد أصبح أصحاب المال أكثر نفوذاً في الحياة السياسيّة من قَبل، بل تحولوا إلى الطرف الرئيسيّ في صناعة القرار، من خلال الأحزاب ودوائر الدولة، الاقتصاديّة والأمنيّة خاصةً وكذلك الأمر في القضاء وخلق جهات ضغط في المجتمع المدنيّ والإعلام اعتماداً على قوة المال.

بين 14 يناير و15 يناير 2011، تغيرت أمور كثيرة في تونس، ما كان بالأمس القريب مُجمَّعاً في يد زين العابدين بن علي أصبح مفرّقاً بيد أصحاب المال والأعمال، وسائل الإعلام العامة والخاصة، الجمعيات والمنظمات، الأحزاب، أجهزة الدولة، كانت كلّها رهناً لقرار الرئيس وأجهزته الأمنيّة والحزبيّة. فجأةً فقد النظام السياسيّ أغلب نفوذه على الشأن العام. لكنَّ الفراغ لم تملؤه "قوىً ديمقراطيّة" إلّا قليلاً. فقد تقاسم أصحاب المال ترِكَة بن علي، المدنيّة والسياسيّة والحكوميّة.
لكنْ كيف حدث كلّ ذلك؟ كيف تحول المال من يد السلطة السياسيّة إلى مُوجِّه لها؟ بل إلى أكبر "مالكيّ الشأن العام"؟
في أعقاب الاستقلال (1956)، كانت الدولة "رجل الأعمال الوحيد"، توجِّه النظام إلى القطاع العام المعتمد على التخطيط كنموذج تنموي لبناء دولة جديدة، كانت رأسماليّة الدولة نموذجاً مناسباً جداً لنظام الحزب الواحد القائم في البلاد. خلال هذه الفترة كانت الدولة هي صاحبة القوة السياسيّة والماليّة في آن واحد. لم يكنْ هناك أي تضارب بينهما، سواء ما ينشئ من صراعات صغيرة بين أجنحة النظام المختلفة. ولم يكنْ لأصحابِ الأعمال الصغيرة في البلاد أيّ دور في توجيه القرار السياسيّ أو حتى التدخل فيه بأيَّ شكل من الأشكال. ولم تنشئ حتى ذلك الوقت "طبقة رأسماليّة"، فــ "الاشتراكيّة الدستوريّة" قد ورَّثت نمط الإنتاج المخماسي – كما يسميه الهادي التيمومي- للدولة الحسينيّة وأفرزت نظاماً هجيناً غربيّاً، كان انعكاساً واضحاً لعدم اكتراث بورقيبة في الاقتصاد أو عدم براعته فيه، عكس مجالات أخرى كان بارعاً فيها، كما يرى التيمومي نفسه.
مع بداية السبعينات وبعد فشل تجربة التعاضد توجهت الدولة إلى تحرير المبادرة الاقتصاديّة، التي عرفت بمرحلة الانفتاح على الرأسماليّة العالميّة، وقادها رئيس الوزراء، الهادي نويرة (1911-1993). هذا التوجه الجديد أحدث تغيرات اجتماعيّة وسياسيّة جذريّة في البلاد. فقد أدى إلى بروز طبقة وسطى قوية ودخول الرأسمال الأجنبيّ بعد إقرار قانون أبريل 1972، والذي منح المستثمرين الأجانب امتيازات هائلة. كما أدّى إلى بروز طبقة "أصحاب الأعمال" والذين تركّز نشاطهم في القطاع الصناعي والتجارة والمقاولات والوكالات الأجنبيّة.
لكن التغيير الأبرز الذي حصل، هو علاقة أصحاب المال بأصحاب السلطة السياسيّة. فقد كانت الدولة هي المصدر الأول للمشاريع والنشاطات التي يعمل فيها ومن خلالها الأغنياء الجدد، وكانت العطاءات والصفقات والدعم يمنح لهؤلاء وفقاً لاعتباراتٍ قرابيّة وجهويّة وسياسيّة، وبالتالي كان "صاحب المال" تابعاً لصاحب السلطة السياسيّة، ويمكن أنْ يخسر نفوذه الماليّ وثروته بمجرد أيَّ تغيرات في السلطة أو في جزء منها. ومع نهاية السبعينات بدأ يتشكل حزام من "أصحاب الأعمال" حول السلطة، وفي تحالف مصلحيّ وثيق معها، دون أن تتدخل في الشأن العام، الذي كانت تهمين عليه الدولة في ظل وجود استعصاءات بسيطة وجيوب مقاومة إصلاحيّة وثوريّة معارِضة حزبيّاً ونقابيّاً وإعلاميّاً.
خلال هذه الفترة بدأ موظفو القطاع العام يشعرون بتدني مستواهم الماديّ قياساً لنُظرائِهم في القطاع الخاص، في البنوك وفي وكالات الشركات الأجنبيّة. وهنا ظهرت الفوارق وظهرت الحاجة لردمها من خلال لعبة المصالح بين "البرجوازيّة الحكوميّة" و"الأغنياء الجدد " عبر العمولات والرشى.
لاحقاً تواصل سير البلاد نحو التوسع في تطبيق نموذج الاقتصاد المفتوح، ومع رحيل بورقيبة عن السلطة وقدوم بن علي لم تتغير طبيعة العلاقة بين "صاحب المال" و"صاحب السلطة" كثيراً، على الرغم من الأزمة الاقتصاديّة التي عاشتها البلاد بدايةً من العام 1980 وتوجهها إلى صندوق النقد الدوليّ وأزمة النظام السياسيّ العميقة، فقد ضاعفت الدولة من منحِ مزيد من الامتيازات للقطاع الخاص وخاصة الأراضي الدوليّة في محاولة للخروج من الأزمة. ازداد نفوذ أصحاب المال، لكن علاقتهم بأصحاب القرار السياسيّ مازالت دون التأثير. لكن ما حدث في كواليس الإعداد لانقلاب 7 نوفمبر 1987، والدور الذي لعبه رجل أعمال ناشئ في ذلك الوقت، في إيصال بن علي إلى قصر قرطاج، كان نذيراً بأنَّ أصحاب المال يزحفون إلى السلطة ولو من وراء ستارٍ. لتتحول العلاقة من "تبعيّة" إلى "نديّة".
توسعتْ دائرة الخصصة شئياً فشئياً، وتضاعفتْ أعداد أصحاب الأعمال، فقد أصبحت قصص البعض ملهِمةً للبعض الأخر في حرق الطبقات والسلالم والالتحاق بطبقة الصفوة. في التسعينات وخلال حكم الرئيس بن علي، بدأت تتشكل طبقة جديدة من رجال وسيدات الأعمال من دوائر قرابة رئيس الدولة ولاحقاً من أقارب زوجته، ومع مرور الوقت بدأ يتشكل ما يسمى بـ " احتكار القلّة". لعبت فيه عائلة الرئيس وعائلة زوجته دوراً في توجيه النشاط الاقتصاديّ الصناعيّ والخدميّ وأصبحت العائلتان باباً، لكلّ من يريد أن يدخل عالم الأعمال يجب أن يجتازه.
الطبقة الجديدة كانت مرتبطةً كلياً بالنظام السياسيّ وصاحب القرار فيه، وتبيَّن لاحقاً أنَّها مرتبطةً به وجوديّاً فقد انهارت بانهياره، فيما واصل أصحاب المال والأعمال من خارج دائرة القرابة دعمهم للنظام السياسي واستفادوا مقابل ذلك من الدعم الحكومي قروضاً وتسهيلات، ودائماً عبر "دائرة القرابة" ومن خلالها. لكن في المقابل بدأت تتشكل طبقة أخرى من أصحاب المال الغاضبين من نظام "احتكار القلّة" الذي فرضته "دائرة القرابة"، بعضهم هرب إلى الخارج مواصلاً نشاطه الاقتصادي وانخرط في نشاط "شبه سياسيّ" داعماً لدوائر معارضة سياسيّة ومدنيّة، والبعض الأخر بقي في تونس مناوراً. لكن ما يجمع الرافضين والتابعيين، للسلطة السياسيّة، ارتباطهم العضوي بالرأسمال الأجنبي.
برحيل بن علي في يناير 2011، سقط نظام "احتكار القلّة". فقد النظام سلطته على الأحزاب والصحافة والإعلام والمجتمع المدني وحتى على أجزاء من أجهزة الدولة، مراكز القوة في البلاد اختلت بشكل كبير لفائدة أصحاب المال على حساب أصحاب السلطة السياسيّة، وفقاً لأحكام لعبة ديمقراطيّة !!
لم تكن طبقة أصحاب الأعمال كلّاً واحداً ذا أهداف واحدة، فريقٌ منها كان يبحث عن حماية من حملات الثأر الثوريّة، وفريق أخر كان يريد أن يثأر من "القلّة الاحتكاريّة" التي كانت بالأمس في دائرة القرابة تُسيّر كل شيء، وفريق أخر كان يريد موطئ قدم في السلطة السياسيّة للحفاظ على الثروة وتنميتها. ورثت هذه الطبقة غير المتجانسة نفوذ النظام، ودعمت أحزاباً وشكلت منظمات وجمعيات ووسائل إعلام وصحافة، واستغلت حاجة النشطاء في الشأن العام للمال كي تثبّت وجودها وسلطتها في الدولة والمجتمع، والأخطر أنَّها امتلكت موطئ قدم في الدولة في الدوائر الحساسة والعادية على حدِّ سواءٍ.
وبدأت بالموازاة تتشكل طبقة جديدة هي "رأسماليي المعلومات les infocapitalistes"، كما يسميها "جويل دو روزناي"، والتي تحتكر وسائل إنتاج المعلومات والأخبار وتروِجُها على الوسائط الجديدة، وخاصة الإنترنت وحتى التقليديّة كالتلفزيون، وهؤلاء أصبحوا يشكلون "سلطة شبكات" قادرة على التأثير في القرار السياسيّ وتوجيهه من خلال توجيه الرأي العام.
أصبح اليوم كثير من نواب "الشعب" نواباً لأصحاب المال، يُباع النواب المؤسسون وغير المؤسسين على شاشات التلفزيون بثمنٍ بخسٍ لأصحاب المال، أجنحة حزبيّة كاملة تتبع رجال أعمال متنفذين ومنظمات مهنيّة ونقابيّة كذلك. لم تعد يد صاحب السلطة السياسيّة هي العليا، بل أصبح مجرد تابع لصاحب المال يسيِّره كيف ما أراد، وفقاً لمصالحه وضد مصالح خصومه. وأصبح رأس المال قادراً على إيصال الأحزاب إلى السلطة وعزلها إن أراد، وأصبحت الدولة في المقابل عاجزةً عن مواجهته وإنْ تجاوز "قانونها".
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 8