كتب مصطفى السّعيد عن "مصير أمريكا بعد ترامب"

خاص _ عربي برس

2018.12.27 - 02:46
Facebook Share
طباعة

 

لم يعد السؤال ما هو مصير الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، بل أصبح ما هو مصير الولايات المتّحدة؟ فالدّولة الأمريكيّة شهدت مجموعة أزمات غير مسبوقة منذ وصول الرئيس الأمريكيّ ترامب إلى سدَّة الرئاسة، بل منذ الحملة الرئاسيّة التي تبادل فيها ترامب كلمات مسيئة ومستجدّة في قاموس المناظرات الرئاسيّة مع المرشحة الديمقراطيّة هيلاري كلينتون، ولم يكن ذلك سوى رأس جبل الجليد الطافي على السّطح، ويخفي تحته كتلة ضخمة من التّناقضات التي تفجرت تباعاً، وإذا تتبّعنا الأحداث غير المسبوقة في الولايات المتحدة، فسنجد أنَّنا أمام قائمة طويلة من الظواهر الجديدة، وكأنَّنا أمام دولة خرجت عن القضبان الأمريكيّة، بدون مقود أو كوابح، فلا أحد كان يصدِّق أنَّ الميزانيّة العامة الأمريكيّة تتجمَّد، وأن الموظفين الاتحاديين لن يتمكنوا من العمل أو استلام رواتبهم حتى تنتهي أزمة اعتماد الميزانيّة، التي يصرّ ترامب أنْ تتضمّن تكاليف بناء الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك، والتي وعد خلال حملته الانتخابيّة أنَّه سيجبر المكسيك على سداد ثمن الجدار، وإذا بنواب الكونجرس يرفضون تمرير الميزانيّة.

 

لا تكاد تنتهي هزّة حتى تتلوها هزّات أخرى، بالإضافة إلى العدد الكبير جداً من الاستقالات والإقالات من إدارة الرئيس الأمريكيّ، وتجاوزت القائمة أكثر من 30 وزيراً أو مسئولاً أصابتهم لعنة ترامب، آخرهم وزير الدّفاع ماتيس، والذي جاءت تنحّيته على خلفية قرار ترامب بانسحاب القوات الأمريكيّة من سوريا، وماتيس ليس أول من يخرجون ولا آخرهم، فالرّئيس ترامب لم يعد يُطيق أنْ يناقشه أو يخالفه أحد، كما يريد أنْ يكون الأسبق في الإبعاد والإقالة وليس الاستقالة، ولم يعد فريقه يشعر بالأمان، فيمكن أنْ يجدَ نفسه خارج الإدارة الأمريكيّة دون أنْ يعرف إلا من تدوّينة للرئيس على حساب تويتر.

 

حالة الفوضى فاقت الخيال، في بلد يفخر دائماً بأنَّه يعتمد على المؤسسات ومراكز البحوث المعتمدة على أدقِّ المعلومات، لكن ما نشهده ليس فيه لا مؤسسات ولا أجهزة ومراكز دراسات، بل مجرد نزوات ودوافع شخصيّة، حولت الخلافات إلى صراعات لها طابع ثأري ونفسي، فأيّ قرار سيتخذه ترامب سيكون موضع انتقاد من معارضيه مهما كان صحيحاً أو مهماً، وفي المقابل فإنَّ ترامب قرّر العناد مع خصومه في الكونجرس والإعلام، فهو يريد إثبات أنَّه الرّئيس، وأنَّه سوف ينفِّذ ما سبق أنْ وعد به الناخبين خلال حملته الانتخابيّة، بعد أنْ اختنق من الضّغوط التي دفعته ليفعل ما لم يكنْ يريده، فهو كان مع تقليص الميزانيّة العسكريّة، فوجد نفسه يرفعها أكثر فأكثر، تحت ضغط البنتاغون والكونغرس والإعلام، ولم يكن يريد أنْ يخوض صدامات مع روسيا، ويعتقد أنَّ روسيا يُمكن أنْ تكون حليفاً أو على الأقل يمكن التّوصل إلى تسويات معها، لكنَّه وجد نفسه مدفوعاً لصدامٍ عنيف مع الرّئيس الروسيّ بوتين، بعد التّلويح بورقة التّدخل الروسيّ في الانتخابات الأمريكيّة، وتهديده بالمحاكمة في تهمة تمسّ وطنيّة الرّئيس، وبعد تبنّي ترامب للتوجهات المُملاة عليه بالضغوط والتهديدات، وجد نفسه أنَّه لا استطاع أنْ يكسب تأيّيد معارضيّه أو يتجنّب حملاتهم الدّعائيّة والقانونيّة الموجعة، وفي نفس الوقت تخلى عن برنامجه الانتخابيّ، وخسر قواعده التي كانت تنتظر منه تحقيق ما وعد به، فخسر كلاً من خصومه وأصدقائه، حتى بنيامين نتنياهو لم يقدِّم له أيّ دعم رغم أنَّه تبنّى الخروج من الاتفاق النووي، وحقق لنتنياهو مطلباً مهماً، وكذلك قرر تنفيذ قرار نقل السفارة الأمريكيّة من تلّ أبيب إلى القدس، وهو ما لم يتمكن الرّؤساء السابقين من تنفيذه. هنا جاء قرار ترامب بالتّمرد على الدولة الأمريكيّة العميقة، ما ظهر منها وما بَطُن، بل قرّر الانتقام لما حدث له من إساءات طوال العامين الماضيين.


لكن ما هي حقيقة الأزمة بين ترامب والدولة الأمريكيّة العميقة؟

 

لم تكن أجهزة ومؤسسات وشخصيات الدولة الأمريكيّة العميقة تعتقد أنَّ ترامب يمكن أنْ يتجاوز الانتخابات التمهيديّة للحزب الجمهوريّ، وأن يصبح مرشحه الوحيد، وحتى بعد فوزه تمَّ التقليل من شأنه، طالما أنَّه سيخسر أمام هيلاري كلينتون (المرشح المفضّل)، لكنَّه فاجأ الجميع وربحَ، لكن ما المشكلة في ربحِ ترامب، وهل بسبب صفاته الشّخصيّة، أم هناك ما هو أعمق؟ جاء ترامب بأصوات قطاع مهم داخل الولايات المتحدة وهم أصحاب الشركات والعمال والموظفين العاملين في شركات أمريكيّة ليس لها أفرع في الخارج، وهي ما تسمى "الرأسماليّة القوميّة"، ورغم أنَّ الرأسماليّة القوميّة ليست قليلة العدد، فإنَّ الرأسماليّة الأمريكيّة "العابرة للقوميّة"، والمتمسِّكة بالعولمة أشدُّ قوة وسيطرة على مفاصل الدّولة، فهي صاحبة عوائد ضخمة، ولا تدفع إلا القليل للضرائب الأمريكيّة، ولا يهمّها الإنفاق الضّخم على تحديث البنيّة التحتيّة الأمريكيّة، بل لا يهمّهم تراكم الديون على الدولة، فهم يحققون أرباحاً هائلة من الاستثمار في الخارج، ويتصدّرون قائمة أغنياء العالم، بينما دولتهم تغوص في الدّيون التي تجاوزت 21 ترليون دولار، وعجزٌ في الميزان التّجاريّ يتجاوز 700 مليار دولار، لكنَّ الرّأسماليّة القوميّة منزعجة من هذه الأوضاع، وتريد خفض الإنفاق العسكريّ الذي يبلغ نحو 750 مليار دولار، وسحب الكثير من القواعد العسكرية التي لا فائدة منها، وتوفير نفقاتها، بينما ترى الرأسماليّة العابرة للقوميّة أنَّ أساطيل وقواعد أمريكا العسكريّة تمنحها تسهيلات في الخارج وتحمي استثماراتها.

 

المشكلة تفاقمت مع تدهور حالة الدّولة الأمريكيّة رغم ثراء الكثير من مواطنيها وشركاتها، وتتعرّض لأزمات ماليّة ضخمة، ليس من السهل تجاوزها، ولا تجد رأسماليّة العولمة طريقاً لحلِّ تلك الأزمات القابلة للانفجار، ومع تراجع الأجور وأرباح الشّركات القوميّة الأمريكيّة وتدهور أوضاعها وعجزها عن المنافسة، ظهرت الأعراض والانقسامات بين رأسماليّة قوميّة عاجزة عن المنافسة وتحتاج إلى الحماية الجمركيّة، وبين رأسماليّة عابرة للقوميّة تتعارض مصالحها مع الحماية الجمركيّة، وتريد إطلاق حرية التّجارة بلا قيد أو شرط، لهذا كانت ترفض سياسات ترامب الحمائيّة، ورغبته في الخروج من الاتفاقيات الدّولية للتّجارة الحرَّة، بينما كان ترامب يرى أنَّ الصّين هي الخطر الأكبر، ويريد حماية المنتجات الأمريكيّة منها، ومحاصرتها لوضع حدٍّ لنفاذها إلى الأسواق العالميّة.

 

إن ترامب وطبقته الرأسماليّة القوميّة يحلُمان بعالم ما قبل العولمة، وإعادة الماضي الجميل للاستعمار القديم، لكنَّ زمن العولمة لم يعد بالإمكان إعادته إلى الوراء أو استعادة ماضي الرأسماليّة القوميّة، ولهذا يبدو ترامب وكأنَّه يناطح طواحين الهواء، وأنَّ زمانه قد انتهى، ويبدو مثيراً للشفقة أو السخريّة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 3