كتبَ أحمد نظيف: هل تعود السّفارة التّونسيّة إلى دمشق قريباً؟

خاص _ عربي برس

2019.01.02 - 10:47
Facebook Share
طباعة

 في اليوم نفسه الذي أعلنَتْ فيه دولةُ الإمارات العربية المتحدة، عن فتحِ سفارتها في دمشق بعد سبع سنوات من قطعِ علاقاتها مع سوريا على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد العام 2011، حطَّتْ طائرة سوريّة قادمة من مطار دمشق الدّولي إلى مطار مدينة المنستير، على السّاحل الشّرقيّ التّونسيّ، لأولِ مرةٍ منذ نحو ثماني سنوات، وكأنَّ يداً واحدةً من خلف السّتار تحرّك كل شيء في عالمٍ عربيٍّ عريضٍ من محيطه إلى خليجه. 

الطّائرة التّابعة لشركة "أجنحة الشّام" السّورية، نزلتْ على الأراضي التّونسيّة وسط احتفالات كبيرة شهدت رفعَ الأعلام السّوريّة وصور الرّئيس الأسد، وكانت تقلُّ سائحين قادمين من سورية لقضاء عطلة نهاية رأس السّنة الميلاديّة بتونس، وستعود إلى دمشق يوم الثّاني من كانون الثّاني/يناير 2019، وتضمُّ الطّائرة قرابة 150 مسافراً. ويبدو أنَّ الرّحلة السّياحيّة ستكون مقدمة لخطواتٍ لتطبيعِ العلاقات بين البلدين.

والحقيقة، إنَّ هذه الخطوة لم تكنْ مفاجئة للعديد من المتابعين، فالعلاقات التّونسية السّورية مرتْ بتطوراتٍ لافتةٍ في المدّة الأخيرة، كانت توحي بأنَّ إعادة العلاقات سيكون قريباً. خاصة وأنَّ تونس ستحتضن في مارس القادم القمّة العربيّة، والتي يدور حديثٌ كبيرٌ عن أنَّها ستتّخذ قراراً بإعادة دمشق إلى عضوية الجامعة.

فمنذ أواخر العام 2017، أعلن وزير الدّاخلية التّونسي السّابق، هادي مجدوب، خلال جلسة استماع أمام البرلمان، عن وجود مكتب أمني تونسي في العاصمة السّوريّة دمشق، وعن وجود تنسيقٍ أمنيٍّ يوميّ ومتواصل بين تونس وسوريا، على الرغمِ من أنَّ العلاقات الدّبلوماسيّة مقطوعة بين البلدين منذ فبراير/شباط 2012. 

عودة العلاقات بين البلدين، من جانبها الأمنيّ، فتحت التّكهنات حول إمكانيّة عودة العلاقات الدّبلوماسيّة بشكلٍ كاملٍ، خاصة مع وجود مطالب شعبيّة بذلك، تقودها أحزابٌ سياسيّةٌ ومنظماتٌ مدنيّةٌ، ذات توجّه يساريّ وقوميّ. ومنذ العام 2014 تشهد البلاد تظاهرات أسبوعيّة للمطالبة بعودة العلاقات الدّبلوماسيّة مع سوريا. كما طالبت الجبهة الشعبيّة، وهي ائتلاف يضم 11 حزباً وتجمّعاً يساريّاً وقوميّاً وبيئيّاً، داخل البرلمان في 17 يناير/كانون الثاني 2017، بعودةِ العلاقات مع سوريا وإنشاءِ لجنة عليا سوريّة -تونسيّة تبحث المسائل المتعلقة بالإرهابيّين والملف الأمنيّ.

وكانت الحكومة التّونسيّة دائما ترفض الكشفَ عن تفاصيل عمل مكتبها الأمنيّ في دمشق، لكن الواضح أنَّ التّنسيق الأمني مع سوريا ينصبُّ نحو قضية المقاتلين التّونسيين المنضوين تحت الجماعات الجهاديّة المقاتلة هناك، وهي "داعش" و"القاعدة" أساساً. فتونس تشهدُ خلال الآونة الأخيرة جدلاً سياسيّاً وانقساماً كبيراً حول كيفية التّعامل مع آلاف المقاتلين العائدين من بؤر التّوتر في سوريا وليبيا والعراق، والذين قدّر الرئيس التّونسيّ، الباجي قائد السبسي، عددهم، خلال خطابه في رأس السّنة بـ 2926 مقاتلاً. وفي المقابل، يشير تقريرُ فريق خبراء الأمم المتّحدة حول استخدام المرتزقة، المنشور في تمّوز/يوليو من عام 2015، إلى وجود أكثر من 5000 تونسيّ في بؤر التّوتّر المختلفة، بينهم أربعة آلاف مقاتل في سوريا.

ويبدو أنَّ خطوة التّنسيق الأمنيّ مع الجانب السّوري كانت فاتحة لخطوات أخرى نحو التّطبيع الكامل للعلاقات بين البلدين. وإنْ بدى واضحاً أنَّ فتحَ المكتب الأمنيّ في دمشق خطوة فرضتها الحاجة للتنسيق مع الجانب السوري في ملف الإرهابيّين التونسيّين هناك، لكنَّها قبل كل شيء هي خطوة سياسيّة وتعبّر عن تحوّل في موقف الدّولة التّونسيّة من النّظام في سوريا، قياساً لما كان عليه الموقف خلال حُكم حركة النّهضة الإسلاميّة وحليفها منصف المرزوقي، الذي قطعَ العلاقات مع سوريا بشكلٍ مفاجئ ومضرّ بالمصالح التّونسية في فبراير/شباط 2012. وهذا المكتب الأمنيّ لا يعمل بشكلٍ منعزلٍ، بل في إطارِ وجود قنصليّة تونسيّة في العاصمة دمشق، كانت قد افُتتحتْ منذ سبتمبر/أيلول 2015. فالتّحوّل الكبير الذي طرأ في ساحة الحرب السّورية والانتصارات التي حققها الجيش السّوريّ النّظاميّ في حلب وفي جبهاتٍ أخرى والدّعم الرّوسي وتغيُّر مواقف قوى كانت بالأمس تطالب برحيل الرّئيس الأسد كتركيا مثلاً، جعل مواقف كثير من الدّول العربية تتغيّر نحو إعادة تطبيع العلاقات مع سوريا، لعلَّ أهمّها مصر."

وكانت تونس قد أعلنتْ في فبراير/شباط 2012، خلال حكم الرّئيس السّابق، منصف المرزوقي عن قطعِ العلاقات مع دمشق؛ احتجاجا على ما اعتبره قمعاً للاحتجاجات الشّعبيّة في سوريا. لكن الرّئيس الحالي، الباجي قائد السّبسي، كان قد وعدَ خلال حملته الانتخابيّة في ديسمبر/ كانون الأول 2014 بالعمل على ترميم علاقات تونس الدّبلوماسية مع سوريا، لكنّه عاد وتراجع عن وعده بعد أنْ صرَّح في مايو/ أيار 2015 بأنَّه ليس من مصلحة تونس عودة السّفير السّوري. وقبل ذلك، أعلنَ وزير الخارجية التّونسي، الطّيب البكوش في أبريل/ نيسان 2015 عن عزّم بلاده فتح قنصليّة في سوريا وترحب بعودة السّفير السّوري. 

لكن الرّئيس قائد السّبسي عقّب على ذلك بالقول: " أنّ قرار بعث قنصل عام أو قائم بالأعمال في سوريا أو أي تمثيل قنصليّ يهدف إلى الاهتمام بشؤون الجالية التّونسية هناك، وهو ما أراد أنْ يقوله الوزير الطّيب البكوش حسب ما أعتقد، وما زاد عن ذلك فتونس لم تغيّر سياستها تجاه الوضع في سوريا" كما عاد وصرّح في مقابلة مع قناة أورونيوز في 2 كانون الأوّل/ديسمبر 2016 أنَّ "الموقف من إعادة العلاقات الدّبلوماسيّة مع سورية يُتّخذ في سياقِ قرارٍ عربيٍّ، وتونس تتفاعل ضمن الوفاق والإجماع العربيّ". ليبقى توصيف العلاقات القائمة حالياً بين البلدين غائماً ومثيراً للجدل.

لكن الموقف الملتبّس لتونس تجاه إعادة العلاقات الدّبلوماسية كاملةً مع دمشق – خلال السّنوات الماضية – كان بسبب الضّغوطات الخارجيّة التي تخشاها، فعلى الرغم من وجود قنصليّة عامة تونسيّة في دمشق ووجود مكتب تنسيق أمنيّ، كان الرّئيس قائد السّبسي إلى وقت يرفض الحديث عن استئناف العلاقات الدّبلوماسية ويرفض عودة السّفير السّوري إلى تونس بدعوى البحث عن توافقٍ عربيٍّ بشأن الموضوع. وما كان يبحث عنه قائد السّبسي، من توافقٍ عربيٍّ يبدو أنَّه قد حصل نسبيّاً. فبعد زيارة الرّئيس السّوداني عمر البشير، إلى دمشق الأسبوع الماضي، بدأ الحديثُ عن موجةٍ من التّحولات الجذريّة في مواقف الكثير من الدّول العربيّة من الصّراع الدّائر في سورية.

وبعد إعادة فتح السّفارة الإماراتيّة في دمشق، يبدو أنَّ البحرين أيضاً تتّجه إلى إعادة فتح سفارتها هي الأخرى بعد ثماني سنوات من القطيعة، وفقاً للتّقارير الإعلاميّة الرائجة، والتي تتحدث عن موجةٍ من افتتاح سفارات دولٍ أخرى خلال الأشهر القادمة، في العاصمة السّورية.

وإلى جانب ركوب موجة "التّوافقات العربيّة" بات التّفكير في استئناف العلاقات الدّبلوماسية مع سوريا، بالنسبة للحكومة التّونسية أمراً في حيز الضّرورة وليس في مجال الاختيار، بسبب ملف مقاتليها الذين يُعدّون بالآلاف هناك. فالهزائم التي تطال الجماعات الجهادية على الجبهة السّوريّة أصبحت تدفع هؤلاء للبحث عن جبهات أخرى أو العودة إلى بلادهم وهو الأمر الذي تخشاه تونس أكثر من أي وقت مضى، وتحاول جمع أكبر قدرٍ من المعلوماتِ حولهم والأكيد أنَّها ستجدُ في جراب نظرائها السّوريّين ملفات ثقيلة عن هؤلاء، لكنَّ السّوريون لن يقدّموا ما بحوزتهم دون ثمن سياسيّ، وليس أقلّه التّطبيع الكامل للعلاقات الدبلوماسية وهو ما سيعتبر نصراً سياسيّاً سوريّاً، فالرّئيس المرزوقي حين أعلن قطع العلاقات في 2012 كان يُراهن على رحيل الأسد في بضعة أيامٍ أو أشهرٍ على أقصى تقدير.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4