كتب فاضل الربيعي: عندما تفشل الجماهير في " وضع النقاط على الحروف "

خاص _ عربي برس

2019.01.02 - 10:52
Facebook Share
طباعة

 قد تتجلىّ إحدى أخطر وأكبر مشاكل الجماهير، أحياناً، وخلال نضالها المؤلم من أجل آمالها وأحلامها بعالمٍ أجمل، كمشكلة صغيرة ودقيقة محصورة بالفعل في نطاق تفصيلٍ عرضيّ وجزئي، يمكن تسميته بمسألة "وضع النقاط على الحروف". نعم، أحياناً تصبح كل المشكلة في كيفية "وضع النقاط على الحروف". وأحياناً أخرى في وضع "النقاط " الصحيحة فوق "الحروف الصحيحة". وهكذا، غالباً ما ينشأ لدى الجماهير سوء فهمٍ وتقدير فظيعين للاوضاع المحيطة بها، حين تخفق في فهم طبيعة هذه المسألة العرضيّة، أي حين تفشل في فهم طبيعة الصراع وقواه المحركة والظروف الموضوعية التي تتحكم في مفاصل التغيير المطلوب، وبكلام آخر، حين تفشل في فهم لبّ المسألة : أن عليها أن تضع بنفسها، دون مساعدة أحد، " النقاط فوق الحروف".لكنها مع ذلك كله، يمكن أن تنتصر، حين تتمكن من وعي اللحظة التاريخيّة بشكل عميق وصحيح وتضع " النقاط على الحروف". سأروي لكم هنا، قصة حقيقية عن هذه المسألة. في الأربعينات من القرن الماضي وبعد نحو 6 سنوات من تأسيسه عام 1934، تمكن الحزب الشيوعي العراقي بصعوبة بالغة وبعد عملية معقدّة من الحصول على أول مطبعة صغيرة " حجرية "، وصدرت الأعداد الأولى من جريدته السريّة " إتحاد الشعب ". آنذاك كانت المطابع " الحجرية " الصغيرة أفضل أداة ثورية يمكن للأحزاب السريّة أن تستخدمها في التواصل الإجتماعي. لقد كانت نوعاً من " فيس بوك من الحجر" الموّلد لورق رقيق، يمكن لصقه فوق الحيطان. في هذا الوقت، نجح الشيوعيون العراقيون من خلال صحيفتهم السريّة ونشطاء الحزب في بناء أولى الخلايا الفلاحية جنوب العراق، ووصلت " إتحاد الشعب" إلى أبعد قرية هناك.

وهكذا، تشكلّت "خلايا فلاحين شيوعيين " فقراء بالكاد يعرفون القراءة والكتابة. كانت جماهير فلاحي الجنوب الشيعي، أميّة في الغالب، باستثناء قلّة صغيرة كان لها نصيبٌ بسيطٌ من التعليم في المدارس الدينية " الكتاتيب". وفي هذا الوقت أيضاً، كان الشيوعيون العراقيون وتحت ضغط الأحداث الدواية الكبرى ( الحرب العالمية الثانية ونتائجها المتسارعة على الأرض) يلحّون في إفتتاحيات الصحيفة على التأكيد أن كل تطور محتمل في البلدان الواقعة تحت هيمنة وسيطرة الإحتلال المباشر، ومنها العراق، سيتوقف على دور الجماهير ووعيها. كان الإلحاح على مسألة ضرورة "وعي الجماهير " يعني أن على الجماهير أن تضع بنفسها دون معونة أحد، النقاط على الحروف. وهكذا أيضاّ، صار بوسع فلاحي الجنوب الشيعي الفقير أن يطلعوّا كل شهر تقريباً على تقييم قيادة الحزب في بغداد لمجرى الصراع العالمي من حول بلادهم.

كانت صحيفة الحزب، ولسبب تقنيّ بحتْ يتعلق بآليات الطباعة على " الحجر " تصدر وهي – تقريباً- خالية من " النقاط على الحروف". كانت المطبعة الحجرية تلتهم النقاط، وأحياناً الحروف. وبالطبع لم ينتبه الفلاحون العراقيون البسطاء، الأميّون في الغالب إلى هذه المشكلة، أو أنهم لم يعيروها الكثير من الإنتباه، لكنهم مع هذا كانوا مسحورين بفكرة ظلت تتردّد في كل إفتتاحية من الصحيفة السريّة، وكل شهر، وهي أن "ميران القوي" هو الذي يتحكمّ في العلاقات الدولية؟ ما كان أحد من الفلاحين الشيوعيين في الجنوب "الشيعي" ولا حتى الكوادر المسؤولة عنهم، يعرف أي شيْ عن "ميران القوي" هذا، وقد ذهب الخيال ببعضهم حدّ الإعتقاد أنه " شخص خارق القوة "، وأنه حليف للإتحاد السوفياتي في مواجهة النازية. وبسبب هذا الفهم الخاطيء، فقد شاعت في جنوب العراق فكرة مفادها، أن "ميران القوي " هو الذي يتحكم في مسار وتطور الأحداث في العالم، وقد يكون مستقبل العراق متوقف عليه. ولِمَ لا فهو " ميران القويّ".

ذات يوم قررّت قيادة الحزب في بغداد إرسال مندوب لتفقد وتقييم أوضاع " خلايا الشيوعيين " من فلاحي الجنوب. وحين وصل مندوب الحزب إلى مدينة العمارة "ميسان " تمكن بصعوبة بالغة وبجهود مضنية من حشد أعداد كبيرة من أعضاء الخلايا في مضافة شيخ إقطاعي. وفي تلك اللحظات أصغى مندوب الحزب بكل جوارحه إلى مداخلات الفلاحين الثوريين. كانوا يسهبون في تقديم شرح مفصل عن أوضاعهم المأسوية، ويجهدون في عرض ترابط مقنع بين هذه الظروف والأوضاع الدولية. ثم ، فجأة لاحظ مندوب الحزب، أن كل الفلاحين يركزون في مداخلاتهم على الدور الحاسم الذي يلعبه " ميران القوي ". كلهم كانوا يرددّون المصطلح بشيء من الفخر. " ميران القوي " هو حليفنا، لأنه حليف الإتحاد السوفياتي.

أصغى مندوب الحزب بدهشة إلى مداخلات الفلاحين الثوريين. فقال متسائلاً :

- أسف أيها الرفاق. أنا مضطرّ للمقاطعة. أين قرأتم عن " ميران القويّ " هذا ؟

فأجابوا باستغراب :

- كأنك يا رفيق لا تقرأ الجريدة؟

- أي جريدة؟

- جريدة الحزب يا رفيق. إفتتاحيات " إتحاد الشعب " كل شهر تتحدث عنه؟

- عن ماذا؟

- عن " ميران القوي " يا رفيق.

في تلك اللحظة أدرك مندوب الحزب، أن أكبر مشكلة ستواجه الحزب منذ الآن، وحتى سنوات طويلة قادمة أن الجماهير لا تضع النقط على الحروف، وأن عليه باستمرار أن يفعل ذلك نيابة عنها، لأن " ميران القوي " هذا، هو " ميزان القوى "، وأن المطبعة الحجرية التهمت النقاط وحسب. لقد كان الحزب يتحدث عن التعقيدات الشائكة في العلاقات الدولية خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، وكيف أن " ميزان القوى " الدولي الجديد، سوف يتحكم في تطور الأحداث. لم يكن هناك " ميران القويّ" الذي تخيّله فلاحو الجنوب الشيعي. لقد أصبح هذا " بطلاً " من صنع خيالهم الشعبيّ. 

مشكلة الجماهير، قد تكمن هنا في أحيانٍ كثيرة: أنها لا تضع النقاط على الحروف حين تكون لديها مطبعة حجرية؛ ولذا سوف تعيش أكبر وأعظم أوهامها حين تتخيّل "أبطالا ً" أو" مُخلصين" أسطوريين سوف يأتون في لحظة ما ليقلبوا الطاولة. لم يكن هناك " ميران قوي"، يمكن أن يجلب الآمال أو الأحلام أو يحقق المعجزات. هناك على الدوام " ميزان قوى " في العالم والعلاقات الدولية، يمكن أن يطيح بكل الآمال أو الأحلام، أو أن يرفع من شأنها.

إنه خطأ صغير في قراءة النصّ، لكنه خطأ مريع في قراءة الواقع.

بيد أن المشكلة العويصة اليوم، أننا أمام نخب ثقافية تدعيّ المعرفة والثقافة، لكنها، تخفق في وضع " النقاط على الحروف ". ليس أمامنا سوى أن نرسل لهم مندوباً من الحزب.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3