كتب أحمد نظيف: إخوان تونس والمُراجعات المٌزيّفة

خاص _ عربي برس

2019.01.02 - 12:02
Facebook Share
طباعة

 أواخر ستينات القرن الماضي، كانتْ تونس تحاول الخروج من آثار التّجربة الاشتراكيّة القاسيّة، وصحة رئيسها التّاريخيّ الحبيب بورقيبة بدأتْ تتدهور، وأصوات المعارضة اليساريّة والنقابيّة بدأت تشتدُّ شيئاً فشيئاً. بموازاةِ ذلك، كان الطّالب التّونسي، راشد الغنوشي قد عاد لتوه إلى البلادِ، من رحلةٍ طويلةٍ قادتُه نحو سوريا وفرنسا، محمّلاً بأفكار جماعة الإخوان المسلمين. التقى الغنوشي بطالبيين أخريين هما: احميدة النيفر وعبد الفتاح مورو، وعزموا على تأسيس تنظيمٍ إخوانيّ سرّي تحت اسم الجماعة الإسلاميّة. 

في العام 1973 شدّ احميدة النيفر الرحالَ إلى المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين مبايعاً باسم تنظيمه الجماعة الأم، ليرتبط الفرع التّونسي منذ تلك اللحظة بالتّنظيمِ الدوليّ للإخوان المسلمين فكراً وتنظيماً ومواقفاً. لم تكنْ نشأةُ الجماعة الجديدة تعبيراً عن قوة اجتماعية داخل البلاد أو انعكاساً لحاجةٍ مجتمعيّة، بقدر ما كانت، عملية توسّع لتنظيم الإخوان المسلمين وشبكته التي استعادت أنفاسها في أعقاب رحيل الرئيس جمال عبد الناصر.

لم يلبث الفرع الإخوانيّ في تونس طويلاً حتى أقام بنية تنظيميّة متماسكة وقوية قائمة على ازدواجيّة التّنظيم. في العلن يوجد تنظيم سياسيّ يطالبُ بالحريّة والديمقراطيّة وفي الخفاءِ تنظيم سريّ يعمل من أجل التّمكين وإسقاط الدّولة وإقامة دولة دينيّة مكانها. واتجه نحو اختراق مراكز القوة داخل الدّولة وخاصة الأجهزة الأمنية والجيش.

فمنذ العام 1978 بدأت الجماعة في تأسيس جهاز أمنيّ وعسكريّ يقوم على عناصر تابعين لها يتمُّ زرعهم داخل الجيش والشّرطة والمخابرات والجمارك، تحضيراً لقلب النّظام وهو ما سيحدث بعد سنوات قليلة. بموازاة العمل العسكريّ السّريّ، كانت المجموعات الطّلابيّة والتّلمذيّة والشّبابيّة التّابعة للجماعة قد بدأت منذ بداية الثّمانينات في جرِّ الأجهزة الأمنيّة إلى ساحة العنفِ، من خلال المظاهرات العنيفة والشّغب اليومي في الجامعات والمدارس والسّيطرة على المساجد، ليبلغ العنف ذروته باستهداف قيادات الحزب الحاكم وتفجير الفنادقِ والمرافق السّياحيّة لضرب الاقتصاد.

مع بداية العام 1987 بدأت الحرب بين الدّولة والتّنظيم الإخوانيّ تشتدُّ. كان النّظام يعيش أزمة خانقة بسبب تدهور صحة الرّئيس بورقيبة والخلافات بين رجاله. في المقابل كان الإسلاميون يزدادون قوةً في الشّارعِ وينظّمون المظاهرات اليوميّة التي أرهقت الأجهزة الأمنيّة وأضعفتها إلى حدٍّ كبير. لكن بورقيبة قد قرّر حينذاك الذهاب بعيداً في مواجهة الجماعة، وأمر باعتقال كلّ قياداتها وأعضائها وتقديمهم لمحكمة أمن الدّولة مطالباً بإنزالِ حكمِ الإعدامِ بهم ودون تأخير.

عندما أدركتْ الجماعةُ عزم الدولةِ هذه المرة على القضاء عليها نهائيّاً، بعد أنْ تحوّل عملها من المطالبة بالحريّة إلى المجاهرة بالدّعوة إلى العنف وإسقاط النّظام بالقوة وممارسة هذا العنف ضدَّ المؤسسات والأفراد. عندها قررت الجماعة المضي في مشروعها الانقلابيّ في محاولة أولى في العام 1987 أسقطها الدخول المفاجئ للرئيس زين العابدين بن علي على مشهدِ الأحداث، ثم أعادت الكرّة سنة 1991 من خلال جهازها المزروع سرّاً داخل الجيش والشرطة لتُخفق مرّة أخرى.

مستفيداً من أخطاء سلفه بورقيبة، توجّه بن علي إلى سياسة الاستئصال النهائيّ للجماعة سياسيّاً واجتماعيّاً. ليُشتت شملها أيدي سبأ بين السجون والمنافي. نجح بن علي إلى حدٍّ كبيرٍ في إضعاف الجماعة. حيث بقيت قيادتها معزولة في لندن، وبدأت الخلافات والانشقاقات تسري في جسدها التّنظيمي مع مرورِ الوقتِ. وكثيرٌ من قادتها قد عقدوا صفقات مع النّظام وعادوا إلى البلاد. كانت الجماعة عشيَّة سقوط بن علي في حالةِ موتٍ سريريٍّ، ولا شيء يثبّت وجودها إلا الظّهور المتقطِّع لرئيسها الغنوشي على شاشة قناة الجزيرة بين الحين والأخر أو قناة الحوار التّابعة للتّنظيم الدّولي للإخوان في لندن.

عادت حركة النّهضة إلى البلاد مدجّجة بخطاب المظلوميّة الذي وجدَ صدى في نفوس قطاعات واسعة من الشّعبِ. كما عادت إلى سيرتها الأولى في الارتباط العضويّ والفكريّ بالتّنظيم الدّولي لجماعة الإخوان المسلمين ومشروعه العابر للأوطان. كان واضحاً منذ البداية أنَّ الحركة وفي شخصِ رئيسها الغنوشي قد انخرطت في مشروعِ أخونة المنطقة العربية، الذي تقوده الجماعة الأم في مصر برعاية قطريّة وتركيّة. مستفيدين من الفراغ الأمنيّ والسّلطويّ الذي أحدثته موجة الرّبيع العربي.

تحوّل الغنوشي خلال تلك الفترة إلى "دينامو" في هذا المشروع وصلةَ وصلٍ بين مصر وليبيا وغيرها من البلدان التي شهدت صعود إخوانياً إلى السّلطة عبر صناديق الاقتراع أو صناديق الذّخائر. كما ربط مصير تونس بمصير الإخوان ومشروعهم. مستفيداً من دعمٍ قطريٍّ لا محدود بالمال والإعلام وفاتحاً البلاد لتوسع النفوذ التّركي الأردوغانيّ التّواق لأمجاد العثمانيين الغابرة.

وتجلى ذلك في الانخراط المبكِّر للجماعة في الأزمة السّوريّة من خلال استضافة مؤتمر أصدقاء سوريا الذي موَّلته قطر وحضره قادة ميليشيات مسلّحة، استقبلهم الرّئيس المرزوقي شخصياً في قصر قرطاج. وبدأ الشباب التّونسي يتدفق بالآلاف إلى السّاحة السّورية، تحت أعين الأجهزة الأمنيّة خلال حكم حركة النّهضة، للقتال في صفوف الجماعات الإرهابيّة لتتحوَّل تونس إلى أكبر مُصدِّر للمقاتلين الإرهابيين في العالم حينذاك. كما لم يتورَّع الغنوشي في لقاءِ أمراءِ الحرب في سوريا من القادة الميدانيين للمجموعات المسلّحة واعداً إياهم بالدّعم.

كان الغنوشي يطيرُ شرقاً وغرباً، مستغلّاً وجوده في السّلطة، لخدمة مشروع جماعته الأم في مصر، وليربط قادة الحركات الإسلاميّة في شمال إفريقيا بهذا المشروع. من القاهرة إلى تونس، مروراً بليبيا والسّودان، وكانت وتركيا ترافقان هذا المشروع بالدعم والمال.

على المستوى الدّاخلي، ومنذ فوزها بانتخابات أكتوبر 2011، بدأت الحركة بتطبيق سياسة التّمكين، التي انصبتْ على الاستيلاء على مؤسّساتِ الدّولة. فقد توجَّهت منذ أيامها الأولى في الحكم نحو إخضاع المؤسّسة الأمنيّة، وكأنَّها تثأر من سنوات الصّدام الطّويلة معها.

معتمدة على سلطةِ العزل والتّعيّن قامتْ الحركةُ بإقالة العشرات من القيادات الأمنيّة المهنيّة، ووضعَ قادة جدد من الموالين لها، من أصحاب الكفاءة المتواضعة، وقد ظهَر ذلك في التّدهور الكبير الذي شهدِهُ الوضع الأمنيّ في البلاد خلال حكم الإسلاميين. كما توجّهت نحو المنظّمات الوطنيّة المهنيّة والمدنيّة لإخضاعها، من خلال تأسيس نقابة موازية للاتّحاد العام التّونسي للشّغل من أجل إضعافه ومحاولة تأسيس نقابة جديدة للصّحفيين لإخضاع الإعلام والصّحافة في البلاد والسّيطرة على الاتّحاد الوطني للفلاحيين.

بموازاة العملِ داخل أجهزة الدّولة، تركّزتْ خطّة الحركة للتّمكين على أسلمة الدّولة والمجتمع من خلال رؤيتها الضّيقة والحزبيّة للإسلام. فعمدتْ إلى إخضاع المؤسّسات الدّينيّة الرّسميّة كالإفتاء ووزارة الشّؤون الدّينيّة والمساجد وجامعة الزّيتونة. كما حاولت أسلمة المجتمع الأهليّ واستقدمت دُعاة الإخوان من كل مكان ومنحت حزبَ التحريرِ، الذي لا يعترف بالدولة، ترخيصاً للعمل القانونيّ، ومكّنتْ جماعة أنصار الشّريعة الجهادية من العمل الميداني وإقامة مؤتمراتها العامة.

كانت الّسياسة التي انتهجتها الحركة الإخوانيّة في تونس عبارة عن موقد جاهز للاشتعال في أيّ لحظة. فقد أدّتْ إلى بروزٍ واضحٍ لجماعاتِ العنفِ الدينيِّ وعمّقت الانقسام داخل المجتمع والاستقطاب السّياسي إلى حدٍّ كارثيّ. ولم تلبث البلاد طويلاً حتى دخلت في دوامةِ عنفٍ كانتْ تتصاعد يوماً فأخر دون توقّف.

بدأت دوامة العنف بخروج الجماعات السّلفيّة المتحالفة مع النّهضة إلى الفضاء العام والتعرّض للمثقَّفين والصّحفيين وقاعات السّينما والقنوات التّلفزيونيّة واحتلال الجامعات والاعتداء على أعضاء هيئة التّدريس، ثم امتدت إلى مهاجمة السّفارة الأمريكيّة في سبتمبر 2012 وحرقِ مقرِّ المدرسة الأمريكيّة وتنظيم استعراضات قتالية في الشوارع والمدن.

كما ظهرت ما يعرف بروابط حماية الثّورة وهي ميليشيات تابعة لحركة النهضة متخصّصة في مهاجمة خصوم الحركة الإخوانيّة السّياسيين وافساد اجتماعاتهم والتعرّض لمقراتهم بالعنف والتّخريب حتى وصل الأمر إلى قيام فرع هذه الروابط في الجنوب باغتيال القيادي المحلي في حركة نداء تونس لطفي نقض في أكتوبر 2012 وسحله في الشّارعِ، بمدينة تطاوين.

وقامت هذه الروابط المدعومة من قيادة حركة النهضة بحملة واسعة النطاق على الاتحاد العام التّونسي للشّغل، الذي كان يشكِّل القوى الأولى في مواجهة مشروع الإسلاميين حينذاك، بدأتْ بوضع الفضلات أمام مقراته والاعتداء على النّقابيين، حتى وصل الأمر إلى الهجوم على المقرِّ المركزي للمنظمة النّقابية في ديسمبر 2012، خلال الاحتفال بالذكرى الخمسين لاغتيال مؤسّس الاتحاد الزّعيم النّقابي، فرحات حشاد.

وتواصلت دوامة العنف برعايةٍ رسميّةٍ من حركة النهضة ودعمٍ إعلاميٍّ وماليٍّ قطريّ وتركيّ حتى استفاقت تونس صباح السّادس من فبراير 2013 على خبر اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد، المعروف بمواجهته الصّلبة للمشروع الإخواني في البلاد، بالرّصاص أمام منزله. ورغم الضّجة التي أحدثها اغتيال بلعيد فقد تشبّثت النّهضة بالسّلطة وأعادت ترتيب أوراقها. بالمقابل تواصلت دائرة العنف في التّوسع وأصبحت تستهدف قوات الأمن والجيش في الجبال وعلى المناطق الحدوديّة.

وبدأت المعارضة في تنظيم صفوفها على وقع الأحداث التي تجري في مصر. فقد شكل سقوط حكم الجماعة في القاهرة، ضجة هائلة لحكم النّهضة في تونس. لكن العنف لم يتوقف، صباح الخامس والعشرين من يوليو 2013 استفاقت البلاد على اغتيال سياسيّ ثانٍ، استُهدف هذه المرّة القياديّ القوميّ المعارض محمد البراهمي بنفس الطّريقة التي قُتل بها شكري بلعيد. الأمر الذي عجَّل بخروجِ النّهضة من الحكم مؤقّتاً، وكان خروجاً باهظ الثمنِ مضرَّجاً بالدّماء.

خرجت الحركة من السّلطة ولم تلبث حتى عادت إليها، معلنةً تحوّلها من الإسلام السّياسي إلى ما سمته بالإسلام الدّيمقراطيّ. في مؤتمرها العاشر أعلن الغنوشي فصل حركته بين الدّعويّ والسّياسيّ. حدث ذلك منذ أكثر من عاميين، لكن حتى اليوم لم تصدرْ أيَّ وثيقة رسميّة عن الحركة تبيّن هذا الفصل وتوضّحه أو تتحدّث عن أخطاء الماضي أو تنتقد الجمع الذي كان قائماً بين الشأنين الدّعويّ والسّياسيّ داخل تنظيم حزبي واحد.

لا تبدو مراجعات النّهضة جادة أو عميقة. بقدرِ ما هي خطوة تكتيكيّة للتّأقلم مع واقع موازين القوى القائم والمختلّ ضدّها، داخليّاً بعد هزيمتها الانتخابيّة في العام 2014، وخارجيّاً بعد سقوط المشروع الإخواني في مصر وليبيا وسوريا واليمن والضّعف الذي لحق بحلفائها القطريّين والأتراك. فبعدَ 2013 جرتْ مياه كثيرة تحت الجسور دفعتْ النّهضة للقيام بخطوةٍ التّفافيّة لتنقذ نفسها من مصير نظرائها في مصر.

يكثر الجدل عن المُراجعات الفكريّة، التي تعتزم النهضة القيام بها، حيث يتحدث البعض من داخل التّنظيم الإخواني عن التوجّه نحو التونّسة، والبعض الآخر عن فصل الدّعوة عن السّياسة. وهذا يؤكّد أنَّ التُّهم التي كانت توجَّه للنّهضة بأنَّها حركةٌ لا وطنيّة ذات امتداد خارج البلاد، وأنَّها حركة تستغل المُشترك الدّيني، صحيحة وتعترف بها الحركة ضمنيّاً من خلال نية المراجعة فهي قطعاً لن تُراجع شيئاً غير موجود. من ينتظر تراجع النّهضة عن توظيف الدّين وفك الارتباط مع إخوانها في الخارجِ، ينتظر سراباً، فكلّ الحركات الإسلاميّة لا تُقدم على المُراجعات إلا في سنوات القحطِ. فعندما تجد نفسها في موازين قوّة مختلّة سياسيّاً واجتماعيّاً، تحاول الالتفاف على مصائب المرحلة من خلال رفعِ ورقة المُراجعات. فحركة النهضة نشرتْ خلال مؤتمرها بالمنفى العام 1995 تقريراً يتضمّن رؤيتها للوضع في البلاد، معترفةً فيه بجانب من المسؤولية عن الصّراع مع نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وبالكثير من أحداثِ العنفِ، بينها حادثة حرق مقر شعبة حزب التجمّع الدّستوري الحاكم سابقاً بحيّ باب سويقة الشّعبي بالعاصمة، ما أدّى الى مقتل حارسٍ بداخله، حيث كانت يومها تريد أنْ تُلقي حجراً في بركة النّظام الراكدة باحثةً عن حلٍّ.

تكشفُ دروس التّجربة التّاريخية عن هشاشة وعدم مبدئيّة المراجعات التي تُطلقها الحركات الإسلاميّة. كما حدث مع الجماعة الليبيّة المقاتلة عندما عقدت صلحا مع القذافي ونشرتْ مراجعات نقضتها بعد أقل من سنة، عندما عادت لرفع السّلاح بوجه الدّولة، والحال نفسها مع مراجعات الجماعة الإسلاميّة المصريّة وتنظيم الجهاد، فالجماعات الإسلاميّة لا تتّجه نحو المراجعات إلا في أيام الشدّة ثم ما تلبث أنْ تنفض يدها من أيّ مراجعة عندما تتمكّن من السّلطة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 6