كتب فاضل الربيعي: في سورية.. قطعة موسيقية أخرى

خاص _ عربي برس

2019.01.04 - 02:34
Facebook Share
طباعة

 لماذا قال الرئيس الأمريكي ترامب لنظيره التركي طيب رجب أردوغان: "سورية لك. خذها، افعل ما تشاء "؟. قد تبدو هذه الجملة لا مجرد زلة لسان وحسب؛ بل هي تُرهة من التُرهات، ومع ذلك، فمن المُستبعد أن ترامب قصد منح سورية مجاناً لتركيا دون مقابل، وإلا فهو " يبيع السمك في البحر". وكما سمعتُ من آراء محلليّن سياسيّين في فضائياتٍ مشهورةٍ؛ فإن المقصود من الجملة هو التالي: " نحن سوف ننسحب، إفعل ما تشاء"، أيّ انها لك وحدك، "سوف نتخلى عن الأكراد، وعليك ان تحطم داعش"، أي أن تحطمّ الإرهابيين والأكراد معاً، وإنْ أمكن الجيش السوري وحلفائه الروس. "هي لك، خذها الآن "؟ قد يبدو هذا هو فحوى المكالمة الهاتفية بين ترامب وأردوغان، كما تخيّله المُحللون في كل الفضائيات العربية تقريباً. لا أعرف بالضبط، ولكنني أفترض- جدلاً- أن مضمون عبارة ترامب، قد يكون كذلك. لكن، هل حدث مثل هذا النقاش حقاً حول بلد ما، بين زعيمين في التاريخ القريب؟ 

أرغب بالعودة إلى التاريخ لأنه تكرار للأحداث نفسها في صورتين، وكما ارتأى ماركس ذات يوم، فقد تكون المرة الأولى في صورة مأساة؛ بينما المرة الثانية في صورة مسخرة. ثمة جانب ساخر في هذه الصورة قد يعيدنا إلى التاريخ دفعة واحدة. إنه مشهد شبيه تماماً وقع عام 1917، أي قبل نحو 100 عام من الآن. في هذا الوقت كان الفرنسيون يحتلون دمشق عملياً. منافسوهم الإنجليز نفذوا هجوماً مفاجئاً وتمكنوا من إنزال قواتهم في حلب. وكان ذلك كافياً ليجلس كليمنصو رئيس وزراء فرنسا مع جورج لويد رئيس وزراء بريطانيا. البلدان أصبحا في وسط وشمال سورية. وحسب محاضر اللقاء التي ترجمها محمد حسنين هيكل بنفسه- ونشرها في أحد كتبه الأخيرة- فقد بادر كليمنصو بالقول لنظيره وزميله البريطاني لويد:

- مستر لويد. لماذا انت منزعج؟ نحن الآن في حلب. ماذا تريد؟ خذ الموصل. إنها لك

لكن لويد ظل منزعجاً ورافضاً " للهدية ". ولذا بادر كليمنصو ثانية:

- حسناً خذ فلسطين. إنها لك. 

وحين لاحظ أن شريكه الإنجليزي لا يزال مُتجهماً قال له:

- أمم. يبدو أنك لا تزال غير راضٍ عن تنازلاتي. إذن خذ العراق.

هكذا، ببساطة، كما في ترجمة هيكل لمحاضر اللقاء السريّ بين لويد وكليمنصو، فيما يعرف بوثائق " سايكس – بيكو "جرى توزيع "بلدان العرب" بين البريطانيين والفرنسيين عام 1917.

وفي هذا الوقت جرى نقل فيصل الأول ملك سورية "الحجازي" من دمشق إلى بغداد في موكب مهيب ليصبح ملكاً على العراق وحينئذ ترك البريطانيون حلب نهائيا. سحبوا قواتهم واتجهوا صوب العراق، تماماً كما يفعل ترامب اليوم. لقد قال أحدهما للآخر " خذ العراق. خذ فلسطين، خذ الموصل، إنها لك". هكذا ببساطة. إنه سلوك استعماري قديم وعقلية كولونيالية كلاسيكية/ تقليدية. الفارق الجوهري بين ما جرى في الماضي، وما يجري اليوم، أن ترامب ليس جورج لويد، وأردوغان ليس كليمنصو. وليس ثمة أي تفاهم مع بوتين الروسي. ولذا لا معنى " للهدية" ولا معنى، لعبارة " خذ سورية. إنها لك". إنها جملة حمقاء، قد تبدو أشبه بزلة لسان من شخص يائس. هناك لاعبون آخرون أكثر قوة ومهارة وذكاء منه، وهم يسيطرون بالفعل على مسرح المعركة. لا أحد في العالم يمكنه أن " يهب" سورية. ولا أحد في العالم يمكنه أن " يأخذها". سورية هي سورية. لقد أرغمها الغرب على أن ترقص لثماني سنوات على إيقاع رقصة “موت" مروعة لكنها "رقصت" في نهاية المطاف على إيقاع موسيقاها هي.

سورية اليوم تعزف قطعة موسيقية أخرى. لكن الآخرين، ترامب وأردوغان وماكرون الفرنسي وإنجيلا الألمانية وكل جوقة الراقصين الأوروبيين، يصغون إلى أغنية من سماعات الإذن الموصولة بجهاز الآيفون. إنهم لا يصغون إلى "الموسيقى السورية " بل لموسيقى الآيفون.

بكلامٍ آخر: إنتهت قطعة موسيقية أمريكية مزعجة، وبدأت قطعة موسيقية سورية مختلفة. 

الأمريكيون بالطبع، يطمحون لجعل العراق "عراقاً أمريكياً". سيحاولون بكل وسائل التحايل الدولي، فرض أنفسهم كقوة عسكرية قادرة، أو يمكنها أن تعيد "شراء الإحتلال"، لكنهم يدركون مع ذلك، أن ثمة قوى "محليّة " شعبيّة ومنُظمّة ومُسلحة تكبر وتتضخم كل يوم، يمكنها أن تشكل أكبر عائق أمام بقائهم. قد تكون إيران وراء نموّ هذه القوة. حسناً، ليكن ذلك، لكنها في النهاية تلعب دور " قوة إحباط" أو " قوة إعاقة" للتغلغل الأمريكي، يستحيل التخلص منها بسهولة. هذا هو مأزق الأمريكيين في العراق، فهم لا يملكون فرصة التفاهم مع الروس على " قسمة " شبيهة بقسمة كليمنصو مع لويد، كما أن حليفهم الأطلسي أردوغان ليس في وضع يؤهله ليصبح شبيهاً بكلينصو، فحلب اليوم في حضن سورية ولا يمكنه أن يكون هناك. ببساطة ليس ثمة كلينصو يهبط بالباراشوت في حلب السورية، ليفرض على بوتين أي تسوية لا تتوافق مع رغبة الأسد. إنسحاب الأمريكيين من شرق الفرات السوري، محاولة يائسة لفرض معادلة جديدة على الروس مُستوحاة من سايكس بيكو. ولذا يمكن إفتراض الحوار التالي:

- سيّد بوتين. خذ سورية.. وإعطنا العراق

السيّد بوتين سيقول للسيّد ترامب ببساطة وتهذيب :

- مستر ترامب. سورية لن تكون إلا سورية. لا يمكنني أن أكون فيها سيّداً. إنها ملكٌ للسوريين. ليفعلوا بها ما يشاؤون.

- العراق. اعطني العراق؟

- العراق؟ لا أعرف. يمكنك أن تجرب الذهاب إلى هناك، لكن حذار، هناك إيران. إذهب يا ترامب " أنت وربك فقاتلا. إنّا هنا قاعدون ".

أوهام ترامب تتجلىّ الآن في اسطع صورها بوصفها أوهام أمريكا التي غربت الشمس عن إمبراطوريتها، وهي اليوم تنسحب من المنطقة العربية كما إنسحبت بريطانيا. في العام 1970 إنسحبت بريطانيا كليّا من المنطقة وسلمت الرايّة للأمريكين. الآن حانت اللحظة التي ينسحب فيها الأمريكيون من المنطقة ويسلمّوا الراية للروس. الفارق الجوهري بين حالتي الإنسحاب من المنطقة، أن البريطانيين في الماضي القريب، فكرّوا بواقعية أكثر، أن " الموسيقى انتهت " وأن ثمة " معزوفة أخرى"؛ بينما يفكرّ الأمريكيون بعنجهية أكبر وأكثر مما هو متوقع؛ بأن " العالم لا يزال كما هو " وأن بوسعهم مقاومة القدر، وسماع " أغنيتهم" الوحيدة " العالم لنا ".ما يفزع الولايات المتحدة الأمريكية " فكرة" أن " الشمس سوف تغرب " عن إمبراطوريتها كما أفلت من قبل مع الإنجليز، وأن عليهم تسليم الراية لقوة دولية اخرى. بيد أن أكثر ما يفزع الأمريكيين هو أن العراق لن يصبح أمريكياً. وسورية بكل تأكيد لن تكون إلا سورية.

سورية تغني أغنية أخرى. اسمعوا الأغنية.. وارقصوا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9