كتب مصطفى السّعيد: موازين قوى جديدة بعد الانتصار السّوري

خاص عربي برس

2019.01.05 - 06:55
Facebook Share
طباعة

 

سباقٌ بين دولِ الرّباعيّة "السّعودية والإمارات والبحرين ومصر" ودول التّحالف التّركي القطري الإخوانيّ على تطبيع العلاقات مع سوريا، سواء من خلال تكثيف المباحثات أو إعادة افتتاح السّفارات أو تسيير الرّحلات الجويّة، وهو ما قلّل من حرجِ دولٍ أخرى بالمشاركة في سباق التّطبيع، بينما تتواصل المباحثات حول شكل وموعد عودة سوريا إلى الجامعة العربيّة، في ظلِّ التّمسك السّوريّ بأنْ يأتي القرار ممنْ اتّخذوا قرار المقاطعة وليس من الجانب السّوري.

 

السّبب وراء السّباق هو سعي كلا التّحالفين إلى خفضِ الخسائرِ الناجمة عن انتصار التّحالف السّوريّ الإيرانيّ الرّوسيّ، وإعادة تدوير الزّوايا للتّعامل مع الأوضاع الجديدة، ولم ينجح الإعلان الأمريكيّ المتكرّر عن إبطاء الانسحاب من شرق الفرات في كبح الاندفاع نحو سوريا، فالإبطاء الأمريكيّ تحصيل حاصل، وهو ما اعترفَ به الرّئيس الأمريكيّ ترامب بقوله "إنَّ الفشل في سوريا حدثَ قبل سنواتٍ، ولهذا لم يعدْ هناك مبرّر لتواجد القوات الأمريكيّة في صحراءٍ لن نجني منها سوى الدّم"، ويعني ترامب أنَّ هزيمة التّحالف الأمريكيّ جرت في عهد الرّئيس الأمريكيّ السّابق أوباما، وأنَّه ليس المسؤول عن النّتائج، وأنَّ سحبَ القوات يجنّبها مخاطر جسيمة، فهي لم تعدْ قادرة على تحقيق أيّ إنجاز. ورغم صدق ودقّة ما ذكره ترامب، وأنَّ القوات الأمريكيّة في سوريا قد فشلت عدّة مرّات في تحقيق أيّ إنجاز على الأرض، ولم تتمكّن من منع القوات السّوريّة وحلفائها من فرض السّيطرة على دير الزور والبوكمال، وفتح الحدود مع العراق، واستكمال تحرير الجنوب السّوريّ، والوصول إلى الجولان، وأصبحت القوات الأمريكيّة القليلة العدد شبه محاصرة في شرق الفرات وقاعدة التّنف، وستصبح رهينة عند اندلاع أيّ قتال واسع، ولهذا كان الرأي الصّائب هو انسحابها، مع محاولة إثارة الأزمات بين الفرقاء، خصوصاً تركيا وكلّ من روسيا وإيران، لكن ترامب يبدو أنَّه لم يحقّق نجاحاً ملموساً في محاولة احتواء الرّئيس التّركي أردوغان، رغم ما قدّمه له من خدماتٍ، بإتاحةِ الفرصة أمامه للقضاء على الجماعات المسلّحة الكرديّة في شمال سوريا، مع اتفاقٍ على تسليم طائرات إف 35 الأكثر تطوراً في التّرسانة الجويّة الأمريكيّة، ومنظومات الدّفاع الجويّ باتريوت، التي أراد بها ترامب عرقلة شراء تركيا لمنظومات إس 400 الروسيّة، لكن مطالب أردوغان كانت أكبر ممّا يمكن أنْ يمنحه ترامب، إلى جانب أنَّ الثّقة قد اهتزّت تماماً بين أردوغان والإدارة الأمريكيّة التي يعتقد أنَّها ضالعة بدرجةٍ ما في محاولة الانقلاب العسكريّ الفاشلة عام 2016، ورغم وعد ترامب ببحث إعادة تسليم المعارض القوي لأردوغان فتح الله كولن، والمقيم في الولايات المتّحدة، والمتّهم بتدبير الانقلاب، فإنَّ أردوغان يشكُّ في جديّة مثل هذا الوعد.

 

الخشية الأمريكيّة الخليجيّة من زيادة التّقارب بين التّحالف الرّوسي الإيرانيّ السّوريّ وكل من تركيا وقطر وجماعة الإخوان له ما يبرّره، فقد قطعتْ تركيا شوطاً طويلاً في التّقارب مع روسيا، ونسجتْ معها علاقات اقتصاديّة وسياسيّة وعسكريّة قويّة، رغم وجودها في حلف الناتو، وأهمها مشروع نقل الغاز الرّوسيّ إلى أوروبا عبر تركيا بدلاً من أوكرانيا، واتفاقيات إنشاء محطات للطّاقة النّووية في تركيا وعقد صفقات أسلحة، أهمها منظومة إس 400، وهناك مساعي مشتركة لتوسيع هذا التّعاون، لكنَّ الأخطرَ هو تشكّل تحالف لمصدريّ الغاز يضمُّ روسيا وإيران وقطر وهي الدّول المتصدّرة لإنتاج الغاز في العالم، ويمكن لمثل هذا التّحالف أنْ يكون أقوى من أوبك، لزيادة اعتماد العالم على الغاز أكثر من النفط، ويكون لمثل هذا التّحالف القرار المؤثّر على سعر الطاقة عموماً، والغاز خصوصاً، بما يتبعه من نتائج اقتصاديّة وسياسيّة، ولهذا كان سعي الولايات المتّحدة لإبعاد تركيا بضع خطوات عن روسيا وإيران، وسعي دول الخليج للتّقارب مع سوريا بضع خطوات، بما يَحول دون تلاقي المجموعتين، لأنَّ من شأن تقارب هاتين المجموعتين أنْ تغيّرا موازين القوى بدرجةٍ كبيرةٍ في المنطقة في غير صالح دول الخليج وكلّ من الولايات المتّحدة وإسرائيل وحلفائهما، وقد صدرتْ مواقف للأحزاب المقربة من جماعة الإخوان تشيرُ إلى الاستعداد للتّطبيع مع سوريا وإيران، وتدوير الزوايا مثلما فعلت تركيا، ومن المؤكّد أنَّ قطر ستأخذُ نفس التّوجهات، فهي في صدامٍ معلنٍ وواضحٍ مع كلٍّ من السّعوديّة والإمارات والبحرين ومصر.

 

الخطوات التّركيّة القطريّة الإخوانيّة تسبق الرّباعيّة العربيّة في قُربها مع كلٍّ من روسيا وإيران، وإنْ كان تطبيع العلاقات مع سوريا هو الأصعب، نظراً للخلفيّات الدّامية وإرث العداء، لكنَّه لا يقلّ كثيراً عن الإرث مع كلٍّ من السّعودية والإمارات، ولهذا فإنَّ النّجاح على إعادة تشكيل التّحالفات يتوقف على مدى ديناميكيّة الدّبلوماسية في دول الرّباعيّة، وعدم تقيّدها بالحسابات الأمريكيّة، خصوصاً في ظلِّ التّراجع الملحوظ في النّفوذ الأمريكيّ، والذي سيزداد ضعفاً في الفترة المقبلة بعد الانسحاب من سوريا ومن بعدها العراق، وتفاقم الصراع الدّاخلي في الولايات المتّحدة بين الرّئيس ترامب والحزب الدّيمقراطيّ الذي تولى قيادة مجلس النّواب.

 

لا يبدو أنَّ ترامب قادر على إطلاق صفقة القرن التي كان قد وعدَ بطرحها مطلع العام الجاري، فالمشكلات المحيطة بهِ، وحجم النّزاعات في المنطقة، والتّراجع الأمريكيّ لا يسمح بطرحِ أيّ مبادرة أو صفقة أمريكيّة، بل يمكن أن نشهد دوراً روسيّاً أكبر لحلِّ العديد من مشكلات المنطقة، سواء في ليبيا أو اليمن مع العمل على تقريب وجهات النظر لخفض مستوى التّوتر في المنطقة، بل إنَّ إسرائيل يمكن أنْ ترضخ للأمر الواقع، والذي يعني أنَّ روسيا ومن خلفها الصّين سيكون لها دور سياسيّ أكبر في المنطقة على حساب الولايات المتّحدة، وأنَّها مضطرّة إلى الرّضوخ لمعادلات القوى الجديدة التي ستفرض نفسها على المنطقة وربما العالم، ولهذا لنْ تراهن بكلِّ أوراقها على الرّئيس الأمريكيّ ترامب، رغم كلّ ما فعله لإسرائيل. لكنَّ ذلك يعني الإذعان بأنَّ موازين القوى في المنطقة قد تغيّرت، وأنَّ زمن الهيمنة الأمريكيّة الإسرائيليّة قد انتهى.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 7