كتب مصطفى السعيد: انتقال المعركة المصيريّة من إدلب إلى شرق الفرات

خاص _ عربي برس

2019.01.19 - 09:50
Facebook Share
طباعة

لمْ تَعد تركيا متحمّسةً لتنفيذِ الاتّفاق مع روسيا وإيران بشأنِ إدلب، والذي يقضي بتوسيعِ المناطقِ منزوعة السلاح بتدخّلٍ وإشرافٍ تركيّ وإعادة فتحِ الطرقِ الدوليّة، إذ سحبت تركيا معظمَ المسلّحين الموالين لها من إدلب، وضمّت وحداتِهم إلى الجيشِ التركيّ المنتشرِ على الحدودِ التركيّة مع شرق الفرات، حيث تستعدُّ القوّات الأمريكيّة للانسحاب، ويرى الرئيسُ التركيّ أردوغان أنَّ شرقَ الفرات أكثرُ أهميّةً وإغراء من إدلب، فدخولُ شرق الفرات له ما يبرّره لدى الأتراك وهو محاربةُ حزبِ العمّال الكردستانيّ الذي تقول إنّه يتخفّى تحت قناعِ قوّات سورية الديمقراطيّة، وهي فرصةٌ ربّما لا تُتكرّر لوضعِ اليدِ على كلِّ تلك المساحة الواسعةِ من شمالِ وشرق سورية بذريعةِ مطاردةِ الجماعاتِ الإرهابيّة المُهدِّدةِ لأمنِ تركيا، فبعدَ الانسحابِ الأمريكيّ لن تكون هناك قوّاتٌ مناوئةٌ إلّا الجماعات الكرديّة قليلة العدد والكفاءة والتسليح، وستكونُ صيداً سهلاً للقوّاتِ التركيّة التي تتقدّمها وحداتٌ من المسلّحين الإخوان، الذين تمَّ تجنيدُهم من بين أمهرِ المقاتلينَ في جماعاتِ إدلب المسلّحة، وجرى منحُ معظمهم الجنسيّة التركيّة؛ لأنّهم يتميّزونَ بالولاءِ الشديدِ والأعمى للرئيسِ التركيّ، ويعتقدونَ أنّه باعثُ الخلافةِ وقائدُها العثمانيّ الجديد، لهذا سقطت جماعاتُ نور الدين الزنكي والسلطان مراد وغيرها أمامَ تقدّمِ جبهةِ النصرة في إدلب، بعدما انتزعِ أردوغان أفضل مسلّحيها تدريباً وتسليحاً، لهذا لم تستغرق سيطرةُ جبهة النصرة على مواقع تلك المجموعات المسلّحة إلّا أيّاماً قليلةً، وهو ما أدهشَ الرئيسَ الروسيّ بوتين وقادة الجيش الروسيّ الذين توقّعوا تدخّلاً تركيّاً فعّالاً لنزعِ الأسلحةِ الثقيلة والمتوسّطة من شرق وجنوب إدلب، وفتح الطرقِ الدوليّة تنفيذاً لاتّفاقِ سوتشي، لكن عند النظرِ من الزاويةِ التركيّة للوضعِ في منطقةِ إدلب وطرقها الدوليّة سنجدُ أنّها فقدت الكثير من أهمّيّتها وقيمتها لدى الأتراك، فالمنطقةُ مُهدّمةٌ تماماً، وعبارةٌ عن مخزنٍ كبيرٍ لبقايا الجماعات المسلّحةِ الأكثر تطرّفاً وتنافراً، ومن الصعبِ السيطرة عليها وتطويعها لخدمةِ الأهدافِ التركيّة، كما أنّها عبءٌ اقتصاديٌّ كبير، وتحتاجُ إلى الكثيرِ من المساعداتِ الإنسانيّة، ولم تَعُد الطرقُ الدوليّةُ مغريةً للشاحناتِ التي تحملُ المنتجات التركيّة، فلا سورية ستفتحُ أسواقها للسلعِ التركيّة مثلما كان الوضع في الماضي، ولا العلاقات مع السعوديّة والإمارات بقيت على حالِها، فقد اتّسعَ الخِلافُ مع السعوديّة والإمارات على خلفيّةِ الموقفِ من قطر، حتّى السوق القطريّة لم يَعُد بالإمكانِ الوصول إليها بسببِ غلقِ السعوديّة لحدودِها البريّة مع قطر، وكذلك لم يَعُد الطريق إلى مصرَ خالياً من العراقيلِ السياسيّة والاقتصاديّة، وبهذا تكونُ الطرقُ الدوليّة السوريّة الممتدّة إلى الأردن ومنها إلى دولِ الخليج ومصر قد تراجعت أهمّيّتها للأتراكِ عمّا كانت عليه قبلَ عام 2011، ولهذا لم يكن الحماسُ التركيّ كبيراً لتطهيرِ إدلب من الجماعاتِ المسلّحة الكثيرة والمزعجة، ورأت أنْ يبقى الأمرُ على ما هو عليه، وأنْ تكتفي بالإبقاءِ على نفوذِها وتحكّمها في تلك الجماعات، وإدارة المعارك أو الانقسامات والاندماجات فيما بينها، وإعادة فرزها، وأخذ ما يصلحُ منها للعملِ تحتَ إمرةِ الجيشِ التركيّ.

الوضعُ في شرق الفرات مختلفٌ كثيراً، فهو من أغنى الأراضي السوريّة بالأراضي الزراعيّة الخصبة المُنتِجةِ للقمحِ والقطن، وفيها نحو 90 في المئة من الثروةِ النفطيّة بالإضافةِ إلى 45 في المئة من إنتاجِ الغاز، بالإضافةِ إلى الثرواتِ المعدنيّة الأُخرى، ولا تسيطرُ القوّاتُ السوريّةُ إلّا على مواقعَ محدودةٍ في شرقِ الفرات، ويمكنُ أنْ تتجنّبَ تركيا الصِّدامَ معها، حتّى تفرض أمراً واقعاً يمنحها التحكّمُ والسيطرةُ على كلِّ تلكَ المساحة الشاسعة والغنيّة، وسوف تحظى بدعمٍ أمريكيٍّ قويّ حتّى تضمنَ الولاياتُ المتّحدةُ وإسرائيل عدم سيطرةِ القوّات السوريّة وحلفائها على تلك المناطقِ المهمّة، والتي يمكنُ أنْ تنسّقَ مع القوّاتِ الأمريكيّة في العراقِ للحدِّ من التحرّكاتِ الإيرانيّة في المنطقة، لهذا جاء انسحابُ القوّاتِ الأمريكيّة من سورية إلى العراق، رغم عدم حاجةِ العراق لتلك القوّات.

تغييرُ وجهةِ القوّاتِ التركيّة من إدلب إلى شرق الفرات رافقته مفاوضاتٌ طويلةٌ ومعقّدةٌ بين تركيا والولايات المتّحدة، شارك فيه جون بولتون مستشارُ الأمنِ القوميّ الأمريكيّ ووزيرُ الخارجيّةِ الأمريكيّ مايك بومبيو، إلى جانبِ الاتّصالاتِ المباشرة بين أردوغان وترامب، وهذا ما يُفسّرُ سرعةَ القرارِ الأمريكيّ بالانسحابِ من شرق الفرات من خلال اتّصالاتٍ بين الرئيسين، فالانسحابُ السريعُ والمُفاجِئ يمكنُ أنْ يؤدّي إلى ارتباكٍ شديدٍ داخلَ التحالفِ الروسيّ، قد يصلُ إلى التضاربِ، وهو ما ترمي إليه الولاياتُ المتّحدة، وتُراهنُ على أطماعِ أردوغان التي يخفيها وراء قناعِ مُطاردةِ حزب العمّال الكرديّ، لكنّها تعرفُ جيّداً ماذا يريدُ أردوغان من سورية، وتغريه بقدرتِها على تسهيلِ مهمّته، التي تتقاطعُ مع الأهدافِ الأمريكيّة الجديدة، والتي تُركّزُ على إضعافِ النفوذِ الإيرانيّ في المنطقة، وهو هدفٌ مشتركٌ يجمعُ أردوغان وإسرائيل والولاياتِ المتّحدة ودولاً خليجيّةً عديدة، أصبحت تضعُ العِداءَ مع إيران على رأسِ أولويّاتها.

يراهنُ أردوغان على أنَّ جميعَ الأطرافِ المُتصارِعة يمكنُ أنْ تدعمَ دخوله إلى شرقِ الفرات، فهو سيحاولُ إقناعَ روسيا وإيران وسورية بأنَّ دخولَ القوّاتِ التركيّة مؤقّتٌ، وأنّها سرعان ما تنسحبُ وتسلّم الأرضَ إلى القوّاتِ السوريّة عبر روسيا وإيران، بعد أنْ تقضي على القوّاتِ الكرديّة المُناوِئةِ وتنسحبُ القوّاتُ الأمريكيّة، فتتسلّمها القوّاتُ السوريّة خاليةً من أيّةِ شوائبَ ومن دونِ قتال، وإذا نجحَ أردوغان في ترويجِ هذا الطّرح، سيكونُ قد عزّزَ سيطرته بموافقةِ جميعِ الأطراف؛ بل ربّما يتلقّى الدَّعمَ منها مقابلَ تلك الخطوة.

يحتاجُ أردوغان إلى غطاءٍ قانونيٍّ دوليّ لدخولِه إلى شرق الفرات، سواءً عن طريقِ الأُممِ المتّحدة أو موافقةٍ أمريكيّةٍ روسيّةٍ إيرانيّة يمكنُ أنْ تُقنعَ دمشقَ بسلامةِ النوايا التركيّة، وهو ما قد يفشلُ فيه أردوغان؛ لأنَّ شكوكاً سوريّةً تُحيطُ بكلِّ ممارساتِ أردوغان منذُ بدايةِ الحربِ السوريّة، ولا يمكن لسورية أنْ ترى في تحرّكاتِ أردوغان العسكريّة إلّا خطراً عليها، خصوصاً بعد تهرّبه من تعهّداتِهِ في إدلب، وفي ظلِّ هذا الالتباسِ جاءَ التفجيرُ الانتحاريّ في منبج يومَ الأربعاء، والذي سقطَ فيه أربعةُ قتلى في صفوفِ القوّاتِ الأمريكيّة، ليكونَ الحادثُ دافعاً لاتّخاذِ خطواتٍ متسرّعةٍ من جانبِ الولايات المتّحدة لتسليمِ الرايةِ إلى القوّاتِ التركيّة، خشيةَ مزيدٍ من التعقيداتِ على المشهدِ الميدانيّ في شرقِ الفرات، الذي يزدادُ تعقيداً بمضي الوقتِ، وتأهّب مختلفِ القوّات للقفزِ نحو المنطقةِ عندَ انسحابِ القوّاتِ الأمريكيّة منها.

لا يبدو أنَّ أردوغان يمكنُ أنْ ينجحَ في تمريرِ خطّته لدى التحالفِ الروسيّ السوريّ الإيرانيّ الذي لا يمكنُ أنْ يصمتَ على أيّ تدخّلٍ تركيٍّ في شرقِ الفرات، وقد وصفت سورية القوّاتِ التركيّة بالمعاديّة والمحتلّة، وتوعّدت بمقاومتِها في حالِ دخولِها شرق الفرات، تمكّنت من دخولِ منبج ورفع الأعلام السوريّة على المباني الحكوميّة رغماً عن إرادةِ تركيا والولاياتِ المتّحدة، وجاءَ الموقفُ الروسيُّ على لسانِ وزيرِ الخارجيّة سيرجي لافروف واضحاً وحادّاً عندما قال إنَّ للقواتِ السوريّة وحدها الحقّ في السيطرةِ على أراضيها وفرضِ سيادتها، لتقف القوّاتُ التركيّة على الحدودِ السوريّة مترقّبةً أيّ فرصةٍ للانقضاضِ على شرقِ الفرات، وتظلُّ القواتُ الأمريكيّة مرتبكةً بين البقاءِ وتدعيمِ قوّاتها ومواجهةِ مخاطرَ أكبر، أو تسريع وتيرة الانسحابِ لتتجنّبَ هجماتٍ جديدة تزيدُ من حرجِها وتنالُ من هيبتِها، وتكون معركةُ شرقَ الفراتِ هي الفصلُ الأكثر أهميّةً في حربِ الـ8 سنوات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 10