سياسات "الحمدين".. تناقضات لا تنتهي

جميل العوضي

2019.07.24 - 11:18
Facebook Share
طباعة

 تناقض ليس بغريب على سياسات "الحمدين"، أظهره انتقاد حمد بن جاسم، رئيس وزراء قطر السابق، وأحد أقطاب تنظيم "الحمدين" الحاكم في البلاد، للاستعانة بقوات أمريكية لحماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، بعد العبث الإيراني المتواصل بأمنه. 


جاء ذلك في وقت تسعى فيه قطر حثيثا لتوسيع الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، وزيادة التغلغل العسكري التركي بها، وتقديم تنازل تلو الآخر لتحقيقه. 

تصريح بن جاسم، والذي سبقه بيان هزيل من خارجية الدوحة أعربت خلاله عن قلقها من التطورات الخطيرة في مضيق هرمز، دون الإشارة لما تقوم به إيران، يحمل 3 دلالات هامة. 

أولها: تناقضات السياسة الخارجية القطرية، والتي لم تعد بمستغربة على سياسات تنظيم "الحمدين"، وثانيها: وجود حالة فزع قطري من تحرك دولي جاد يستهدف النظام بطهران الحليف لهم، الأمر الثالث هو محاولة تنظيم الحمدين استغلال الأمر وإلباس الحق بالباطل، لتبرير موقفه في الاستعانة بقوات أمريكية وتركية على أراضيه. 

وتتصاعد حدة التوتر في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة ومن ورائها القوى الغربية، إثر قيام إيران بتهديد أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي، وارتفعت موجة التصعيد مع احتجاز الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط بريطانية في المضيق يوم الجمعة الماضي، وهو ما اعتبرته لندن "قرصنة دولة". 

و تشهد الفترة الحالية مساعي تشكيل مبادرة أمنية متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة، بهدف زيادة المراقبة والأمن في الممرات المائية المهمة في الشرق الأوسط. 

وغرد حمد بن جاسم عبر حسابه بموقع "تويتر" منتقدا الدول الكبرى في المنطقة -في إشارة للسعودية- للاستعانة بالدول الكبرى لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، مشيرا في هذا الصدد إلى القوات الأمريكية. 

يأتي هذا التصريح في حين تسعى قطر جاهدة لتوسيع الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، وزيادة التغلغل العسكري التركي بها- مع الفارق الكبير بين الأمرين- الأمر الذي يكشف تناقضات تنظيم الحمدين. 

فقبل أيام تعرض أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني لحرج بالغ عندما كشف ترامب عن قيامه بإنفاق تميم 8 مليارات دولار لتوسيع قاعدة العديد الأمريكية على حساب بلاده، في خطوة تستهدف منها قطر توسيع الوجود الأمريكي على أراضيها. 

ورغم تأكيد خبراء وسياسيين أن وجود قاعدة أمريكية لا يعني حماية نظام الحكم في الدوحة، بل هي قاعدة للاستخدام الأمريكي لا القطري، فإن تنظيم "الحمدين" يتصور أن وجود القاعدة ضمانة لاستمرار حكمه، ويقاتل من أجل ديمومتها وتوسيعها. 

ويتمركز في قاعدة العديد الجوية نحو 11 ألف عسكري أمريكي، غالبيتهم من سلاح الجو، وتضم القاعدة المقرات الرئيسية لكل من القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية والمركز المشترك للعمليات الجوية والفضائية والجناح الـ379 للبعثات الجوية. 

وإضافة إلى القاعدة الأمريكية، توجد قاعدة عسكرية تركية بقطر، ضمن اتفاقية تعاون عسكري وقعها البلدان في 19 ديسمبر/كانون الأول 2014، وصادق البرلمان التركي عليها في 7 يونيو/حزيران 2017، بعد يومين فقط من مقاطعة الدول الداعية لمكافحة الإرهاب للنظام القطري. 

ونشرت أنقرة في يونيو/حزيران 2017 مئات من جنودها في قطر بطلب من الدوحة، وسط غضب شعبي بسبب تجاوزات الجنود الأتراك بحق القطريين. 

وكشف موقع "نورديك مونيتور" السويدي، في يناير الماضي، عن البنود السرية للاتفاقية العسكرية التركية القطرية التي تنازلت فيها الدوحة عن سيادتها لتركيا، الأمر الذي أثبت حكمة الرباعي العربي في مطلبهم المبكر بشأن إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر. 

وجاء موقف الرباعي العربي كمحاولة لإصلاح ما أفسده تنظيم الحمدين من جانب وإدراكهم مطامع وأهداف تركيا في المنطقة من جانب آخر، ولتلاقي أهداف قطر وتركيا في رعاية ودعم تنظيم الإخوان الإرهابي بما يحمله ذلك من مخاطر على المنطقة من جانب ثالث. 

وبحسب البنود السرية التي كشفها الموقع السويدي، والتي بموجبها نشرت أنقرة آلاف الجنود الأتراك في قطر، فإنه يمنع ملاحقة أي جندي تركي موجود في قطر، ولا تجوز محاكمته في حال ارتكابه أي انتهاكات قانونية، وأنه في حال ارتكب أي منهم مخالفة أو جريمة فإن القضاء التركي هو الذي يختص بالنظر فيها، كما منعت السلطات القطرية من اعتقال أي جندي تركي ينتهك القوانين أو المعتقدات الدينية. 

وحسب الموقع السويدي، فإن الاتفاقية العسكرية السرية بين تركيا وقطر "تنطوي على مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى تصعيد مشاركة تركيا في صراعات محتملة قد لا تكون لها علاقة بحماية المصالح القومية التركية"، وهو ما يؤكد أن البنود الغامضة في الاتفاقية تم وضعها بشكل متعمد من أجل تمكين الرئيس أرودغان من الاستفادة منها وبشكل ممنهج. 

ومن بين الشروط والأحكام التي تتضمنها الاتفاقية "تمكين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من استخدام الأجواء والأراضي والقطع البحرية القطرية في عملية الترويج لأيديولوجيته وأفكاره في منطقة الخليج"، إضافة إلى "تحقيق مصالحه وأهدافه الشخصية، بجانب استخدام جيشه في المنطقة". 

أيضاً كشفت البنود السرية في الاتفاق العسكري بين قطر وتركيا الذي نشره الموقع السويدي "نورديك مونيتور" أن الاتفاق يُلزم قطر بتقديم قائمة طويلة جداً من الخدمات المجانية للجنود الأتراك مما لم يسبق أن وافقت عليه أي دولة. 

كما تنص على عدم سداد أي فواتير مستحقة على الجيش التركي لصالح الشركات القطرية إلا بموافقة الجانب التركي وبموجب تقارير خاصة مكتوبة توضح ماهية هذه الفواتير. 

والأخطر في هذا المجال هو ما أوردته الفقرة الثانية من المادة السادسة بالاتفاقية، والتي تفرض على الجانب القطري أن يتكفل بتكاليف العقود التي يبرمها الأتراك مع أي طرف أو شركة، من أجل الحصول على الخدمات التي لا تستطيع الدوحة أن تقدمها بشكل مباشر، ما يعني أن الجيش التركي قد يبرم عقوداً بملايين الدولارات مع شركات محلية أو أجنبية أو ربما تركية، ومن ثم تقوم الحكومة القطرية بسدادها من خزينتها. 

ولا تتضمن الاتفاقية ما يشير إلى تاريخ انتهاء وجود القوات التركية، كما لا يوجد ما ينص على إطار زمني لخروجهم، وهو ما يعني أنه استغلال طويل الأمد. 

ويعد الاتفاق بمثابة وثيقة تنازل من الدوحة عن سيادتها بالسماح للقوات التركية التصرف بحرية دون استئذانها، ما يتنافى مع مفهوم "سيادة الدول" وهو أمر يعرض أمن المنطقة للخطر، وبالتالي فإن ما يقوم به تنظيم الحمدين أمر يتناقض تماما مع محاولات دول المنطقة لتكوين تحالفات من شأنها حماية أمن الملاحة الدولية بما ينعكس على أمن واستقرار المنطقة. 

ومن الأهمية إبراز الفرق بين تكوين تحالفات بين الدول الكبرى في المنطقة والدول الكبرى في العالم من أجل مصلحة أمن المنطقة والعالم، وتوقيع اتفاقيات إذعان بين طرف ضعيف وآخر قوي يبتزه كما هو الحال في العلاقة بين قطر وتركيا. 

وفي محاولة لإلباس الحق بالباطل، وعبر عقد مقارنة في غير محلها، حاول بين جاسم اعتبار الاستعانة بقوات دولية لحماية الممرات الملاحة الدولية، مبررا لقطر لإنشاء قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، لافتا إلى القاعدة الأمريكية والقاعدة التركية. 

وهي مقارنة في غير محلها شكلا وموضوعا، تعكس محاولة واضحة من قبل بن جاسم لقلب الحقائق، فضمان سلامة وحرية الملاحة في المياه الدولية هي مسؤولية جماعية تتقاسمها جميع دول العالم، وبالتالي فإن مشاركة القوات الأمريكية إلى جانب قوات من دول أخرى لحماية أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز هو أمر يأتي بمقتضى القانون الدولي. 

وخصوصا أن مسؤولية حماية الملاحة البحرية وضمان حرية تنقل السفن هي مسؤولية المجتمع الدولي على اعتبار أن الممرات البحرية الدولية التي تسير عبرها هذه السفن لا تخضع لسيادة دولة معينة وبالتالي فإن جميع دول العالم مطالبة بالتحرك في حال وقوع أي حادث يهدد سلامة هذه السفن. 

وقد باتت إيران تهدد حركة الملاحة الدولية في أهم ممر مائي في العالم، بعد اختطاف الحرس الثوري الإيراني، مساء الجمعة، ناقلتي نفط بريطانيتين. 

واختطفت مليشيا الحرس الثوري الناقلتين وإحداهما تسمى "ستينا إمبيرو" لدى عبورهما مضيق هرمز، ليصبح ثامن اعتداء تتعرض له ناقلات النفط في هذه المنطقة منذ شهر مايو/أيار الماضي. 

ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم وأكثرها حركة للسفن، حيث يمر عبره خُمس إنتاج العالم من النفط، وعبر هذا المضيق تصدر السعودية 88% من إنتاجها النفطي، والعراق 98%، والإمارات 99%، علاوة على صادرات الكويت والبحرين، وجميعها دول أعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). 

ويعبر المضيق يومياً ما بين 20 و30 ناقلة، بحمولة تتراوح بين 16.5 و17 مليون طن، بمعدل ناقلة نفط كل 6 دقائق في ساعات الذروة. 

وإضافة إلى النفط الخام، فإن 22% من السلع الأساسية في العالم (الحبوب وخام الحديد والأسمنت) تمر عبر مضيق هرمز، وإغلاقه سيشكل كارثة اقتصادية وغذائية عالمية، بالتأكيد لن تقف عند حدود الشرق الأوسط. 

وبالتالي لا يمكن بحال من الأحوال عقد تلك المقارنة، التي يحاول بن جاسم تبريرها بخبث، شتان بين الاستعانة بدول بموجب القانون الدولي لحماية أمن واقتصاد العالم، وبين دولة تعقد اتفاقية إذعان لدولة أخرى تتنازل بموجبها عن سيادتها بما يهدد أمن وسلامة المنطقة. 

دفاع بن جاسم عن تحالف قطر مع ثلاثي الشر الذي يضم إلى جانب الدوحة كلا من تركيا وإيران فضح تناقضاته بشأن التوترات في مضيق هرمز. 
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 1