الدّين وتحدّيات العصر

رلى حطيط

2019.07.29 - 01:21
Facebook Share
طباعة

 مقدّمة 

يطرح بحث «الدّين وتحدّيات العصر» إشكاليّة تتّصل بنظرة شباب اليوم إلى الدّين الذي يُعتبر من القضايا التي شغلت الإنسان منذ فجر التاريخ ممارسةً واعتقادًا، وأخيرًا: دراسةً؛ فالدّين يشكّل حدثًا إنسانيًّا فريدًا، فثمّة حضارات في التاريخ بلا فنون، وحضارات بلا تقدّم ماديّ، لكن لا يوجد حضارة بلا دين . 
وفي هذا السياق بدأت الدّراسات تبحث عن بذور فكرة الدّين في التاريخ الإنسانيّ، كيف بدأ؟ وما هي أولى دوافع ظهوره؟ وكيف استطاع الإنسان الإيمان بمنظومات عقديّة صلبة؟
 وإذ تسعى هذة الورقة إﻟﻰ ﻣﻘﺎرﺑﺔ جدليّة منتشرة، وهي أنّ الدّين هو سبب التخلّف والانحطاط الذي تعيشه المجتمعات العربيّة، وهذا الاعتقاد تتداوله مجموعة من الأيديولوجيّات المعادية للدّين كالإلحاد والعَلمانيّة ، فالثانية تدعو إلى فصله عن الدّولة وجعله حبيسًا في دور العبادة، والأولى تُريد استئصاله، وثمّة فئة من الشباب المثقّف في دول العالم العربيّ يقرأ حول الغرب، ويتأثّر بمناهجهم في التعامل مع الحياة، حيث يرى تقدّمه العلميّ والعمليّ ويطالع ما صدر عنهم من موثوقات في حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والمساواة بين البشر، واحترامهم القوانين في دولهم، وبُعدهم عن الكذب والخداع في التعامل فيما بينهم، إضافة إلى تمتّع الفرد بحريّة التعبير من دون الخوف من المحاكمة أو القمع بسبب آرائه التي يعبّر عنها وإن كانت مخالفة لما يعتقده الأغلبيّة. وحينما تقترن هذه المبادئ برفض المجتمع والفرد الغربيّ للدين وإنكارهما لوجود الله الخالق ومدبّر الكون، يبدأ التساؤل: هل هناك بالفعل ارتباط بين التقدّم والازدهار الحضاريّ وترك الإيمان بوجود الله؟ هل يشكّل الدّين عائقًا يحول دون التقدّم البشريّ والتطوّر الحضاريّ؟ وهل الأفراد الأكثر التزامًا بدينهم هم الأكثر تخلّفًا وبُعدًا عن الحضارة؟ في مقابل هذه التساؤلات نجد أنّ هناك من يعتبر الدّين عاملًا مهمًّا من عوامل بناء الحضارات وتقدّم الأمم، فيراه يحثّ الفرد على العمل والإبداع، ويحرّره من الخضوع لسلطة العباد، وهذا يعزّز طاقات البشر ويؤدّي إلى الإنتاج والإبداع الخلّاق في مختلف مجالات الحياة الإنسانيّة؛ باعتبار أنّ الانسان، خليفة الله على الأرض، يسعى إلى الإصلاح لا إلى الخراب.
إزاء هذا التجاذب تسعى هذه الورقة إلى محاولة مقاربة هذا الموضوع بشكل علميّ لجهة كيفيّة فهم الشباب للدين؛ فمن يقول إنّ الأفكار التي يحملها هؤلاء الشباب عن الدّين صحيحة كلّها؟ لعلّها ترتبط بالتراث أكثر، أي هي نتيجة العادات والتقاليد، بحيث يتّبعون مجموعة من المكرّرات والمرتكزات التقليديّة الموروثة التي قد لا تكون صحيحة، وقد تكون مختلطة بأفكار منحرفة وأفكار رجعيّة لا تتناسب مع متطلّبات عصرنا ومقتضياته التي تختلف بالتأكيد عن تلك التي كانت‏ سائدة في العصور السابقة، فيعيش مظهر الدّين، ولا يتّخذ منه ثقافة كاملة تعبّر عن الرؤية للعالم، للطّبيعة والوجود والإنسان، فالدّين يقدّم تصوّرًا لبناء الاجتماع الإنسانيّ على نحو يغطّي أحيانًا أدقّ تفاصيل هذا الاجتماع اقتصاديًّا وسياسيًّا وأخلاقيًّا وأحوالًا شخصيّة، فهو نمط من القيَم والعادات والطّقوس والشعائِر، وطريقة ثابتة الملامِح في ممارسة الحياة وفي بناء الاجتماع وإعادة إنتاجه؛ بحيث نجد أنّ الدّين أصبح عند فئة أخرى من الشباب آليّة من آليّات النضال كما هو آليّة من آليّات التكيّف، كمقاومة الاحتلال الإسرائيليّ، ومقاومة التيّار التكفيريّ، وآليّة من آليّات الدّفع  باتجاه العمل والإنتاج، والانضمام إلى صفوف المقاومة، فالمقاومة سلوك، والسلوك من نتاج  القيم، كما أنّ الدّين آليّة من آليّات الاستمتاع بالحياة، فنجد القيَم الدّينيّة وقد شكلّت المرجعيّة الأساسيّة عند بعضهم كالقوّة، والثبات، والصبر، والشجاعة، والاطمئنان، واليقين، وغيرها من القيم التي تعزّز الالتزام بالقضيّة والعقيدة، بحيث لعبت دورًا مهمًّا في الجهاد.
 كما أنّ الدّين نظام رموز يعمَل بحيث يثير لدى البشر حوافز قويّة وعميقة ومُستديمة، عبر صياغة مفاهيم عامّة حول الوجود، وإعطائها مظهرًا حقيقيًّا، بحيثُ تبدو تِلك الدّوافع وكأنّها لا تستند إلّا إلى الحقيقة. ولكن هذا لا يُلغي ملاحظة ضعف الوسائل والأساليب المستخدمة في تربية الأجيال وتنشئتهم دينيًّا، وغلبة النمط التقليديّ فيها، وقلّة نماذج القدوة الصالحة للمستويات المختلفة، ما يجعل الجيل المعاصر أمام تحدّيات كبرى للاستقامة والسلوك القويم، فَما زالت غالبيّة الأُسَر تتمسّك بالمظاهر العباديّة والطُقوس الدّينيّة، كالصلاة، وإحياء المناسبات الدّينيّة، وزيارة الأماكن المقدّسة، والاعتماد على الدّين في التوريث وعقد الزواج، وغيرها من الأمور الّتي يُمكن وضعها في خانة العبادات، في حين أنّ الابتعاد عن الدّين يتجلّى في العلاقات والأدوار الأُسريّة والمجتمعيّة القائمة أساسًا على القيَم الدّينيّة كاحترام صغارهم كبارهم، وصلة الأرحام، وغيرها من الممارسات والتطبيقات. وإذا كانت الاتّهامات تُرمى جزافًا دائمًا على التطوّر التكنولوجيّ، ووسائل التواصل الاجتماعيّ المنتشرة بأنّها المسبّب الأوّل لتغيّر القيَم، فإنّ هذه الوسائل بقدر ما تُسهم في تغيّر القيَم تُثْبِت الهويّة الدّينيّة إذا ما أمكن استخدامها بطريقة واعية وفعّالة، لتعمل على إبراز الوجه الحضاريّ لمجتمعاتنا، بحيثُ تقدّم الأنموذج الأرْقى فيما يتعلّق بالقيَم الدّينيّة القائمة على المحبّة والعفو والتراحُم بين البشر. 
وتسعى هذه الورقة إلى التركيز على مفهوم جيل اليوم للدّين، وأهميّة دوره في حياة الشباب الثقافيّة والاجتماعيّة في ظلّ تحدّيات العصر، وتخلص إلى ضرورة اتّخاذ الخطوات والإجراءات وإعادة قراءة للنّصّ الدّيني لتأكّيد الدّين الصحيح ، وإبعاد كلّ الخرافات التي أُلصقت به، بحيث تكون قراءتنا للنصّ منطلقةً من روح العصر الَّذي نعيشه، بعيدًا عن القوالب الجامدة، حتى نعيد إلى الدّين قدرته على قيادة الحياة؛ ولأجل ذلك، ينبغي لنا أن نلمَّ بشؤون عصرنا وزماننا، وبمشاكله وتحدّياته، حتى نستطيع مواجهة هذه التحدّيات، وخصوصًا التحدّي الثقافيّ الَّذي يحمّلنا مسؤوليّة مواجهة التشويه الَّذي يُلحقه بعضهم بصورة الدّين.




أوّلًا: الدّين: مفهومه وأنواعه 
1- مفهوم الدين:
من أبرز المفاهيم التي شكّلت جدلًا كبيرًا بين الفلاسفة، والعلماء، والمؤرّخين، وعلماء الاجتماع، والتربويّين، وكافة أصحاب العقول المبدعة مفهوم الدّين؛ حيث يوجد هذا المفهوم في العقول بشكل مستمرّ سواءً كانت متحيّزة له أو ضدّه، ولقد عُرّف الدّين على «أنّه مجموعة من المعتقدات والأفكار التي يُسلم الإنسان بها، والتي تجيبه عن مختلف الأسئلة المهمّة التي أرّقته منذ الأزل، ولا تزال تؤرق فئةً كبيرة من الناس إلى يومنا هذا»؛ فالدّين يُعطي الإنسان تفسيرًا  للغاية من وجوده على هذه الأرض، كما أنّه يتمحور حول فكرة الإله المعبود، ويتعامل بشكل كبير مع الأخلاق، ويضع الأطر التي تنظّم بعض جوانب الحياة، أو كلّها.
الدّين لغةً: الدّين لغةً مشتقّ من فعل دان ومعناه اعتنق أو التزم، ويشتقّ من هذا الفعل كثيرٌ من المعاني منها الدّين وهو الذمّة المستحقّة على الإنسان، والإدانة وهي حكم القاضي الذي يصدر في حقّ شخصٍ ارتكب جرمًا معيّنًا، يكون هذا الحكم لازمًا له مستحقّ التّنفيذ.
 أمّا اصطلاحًا فالدّين له عدّة تعريفات، منها إنّه منظومة الأفكار والمبادىء والمعتقدات التي تشكّل مرجعيّة للإنسان في حياته، وتعطيه تفسيرًا للكون والحياة، وتلزمه باتّباع منهج معيّن وممارسة طقوس أو شعائر معيّنة تؤشّر على صدقيّة انتمائه إلى الدّين الذي يؤمن به. كما أنّه الأوامر والنواهي المبثوثة في القرآن والسنّة الصحيحة، ويذكر الإمام النورسي «إنّه امتحان، وإنّ التكاليف الإلهيّة تجربة واختبار من أجل تسابق الأرواح العالية والأرواح السافلة، ويتميّز بعضها عن بعض في حلبة السباق، وبمعنى آخر: هو الشعور بواجباتنا كونها  قائمة على أوامر إلهيّة، أو هو محاولة تصوّر ما لا يمكن تصوّره، والتعبير عمّا لا يمكن التعبير عنه، وهو التطلّع إلى اللاائي وهو حبّ الله» .
وشهد الدّين تطوّرًا على مرّ العصور، فظهرت الدّيانات المتعدّدة؛ حيث انتشرت بعضها وطُمست أخرى، وتنوّعت مضامين هذه الدّيانات؛ بعضها ركّز على المفاهيم الأخلاقيّة، في حين كانت الأخرى تركّز على الجانب الواقعي من حياة الإنسان، وثمّة ديانات اهتمّت بتجربة الإنسان الروحيّة الفرديّة، وسعت لتطويرها، وفي المقابل هناك ديانات اهتمّت بالتجربة الدّينية الجماعيّة، وقد سعت ديانات معيّنة إلى المزج بين مختلف الجوانب السابقة.
2- أنواع الدّين  
تنوّعت الأديان التي اعتنقها الإنسان على مرّ العصور، حيث كانت:
أ‌- أديان سماويّة منزلة على رسل، وهي اليهوديّة، والمسيحيّة، والإسلام، ومعنى الأديان السّماويّة يدلّ على الشّرائع، التي تختلف بحسب الزّمان والمكان، والشّريعة الخاتمة التي نزلت على النّبي (ص) نسخت جميع الشّرائع قبلها. وتُعتبر الدّيانات السماويّة الثلاث أوسع الدّيانات انتشارًا حول العالم، خاصّةً الدّيانتين: الإسلاميّة، والمسيحيّة، حيث يزيد عدد معتنقيهما على نصف سكّان العالم تقريبًا، تنقسم هاتان الدّيانتان العظيمتان إلى العديد من الفرق والطوائف والمذاهب، فمن أبرز مذاهب الدّيانة المسيحيّة: البروتستانت، والأرثوذكس، والكاثوليك، في حين يعتبر المذهبان السنّي، والشيعي أبرز مذاهب الدّيانة الإسلاميّة التي تنتشر بشكل رئيس في مناطق شمال القارّة الإفريقيّة، وفي مساحات واسعة من القارة الآسيويّة، أمّا الدّيانة المسيحيّة فتُلاقي انتشارًا هائلًا في كلٍّ من: أوروبا، والأمريكيّتين، وجنوب إفريقيا، وأوقيانيا.
ب‌- أديان وضعيّة اختلقها الناس من أنفسهم، ومن اجتهاداتهم البشريّة، ورؤيتهم، وهي عبارة  عن أفكار ومعتقدات حاولت الوصول إلى الحقّ والحقيقة، وقد ركّز بعض على تهذيب أخلاق الإنسان والسّمو بها مثل البوذيّة، بينما ركّزت أديان أخرى على الشّرائع والأحكام مثل الهندوسيّة وغيرها.
3- أهميّة الدّين في حياة الإنسان 
لا شكّ في أنّ مفهوم الدّين في حياة النّاس يدلّ على جزءٍ كبير من هويّتهم وحضارتهم الإنسانيّة، ويطبع شخصيّاتهم وطريقة تعاملهم وسلوكيّاتهم في الحياة، وقد تطوّر مفهوم الدّين لدى الإنسان وأخذ أشكالًا مختلفة ركّزت على الاعتقاد والسّلوك والأخلاق في الحياة، كما تبدّت أهميّته في حياة الإنسان بتنظيم علاقته بربّه جلّ وعلا حينما وضعت الأديان السماويّة منهجًا في العبادة وممارسة الشعائر التي تُقرّب إليه تعالى، كما أنّ الشرائع التي أتت بها كانت دستورًا شاملًا لكلّ جوانب الحياة الإنسانّية، وبما يجنّب الناس التيه والزلل أو اتباع الأهواء.
يمثّل الدّين المؤسّسة الاجتماعيّة الوحيدة التي تهتم بالجانب الروحيّ والأخلاقيّ في الإنسان، فهو يؤدّي جملة من الوظائف التي لا غنى عنها لكلّ فرد أو جماعة، إذ يشكّل عنصرًا أساسيًّا في نموّ الإنسان وتكوين شخصيّته، حيث يوفر له قاعدة وجدانيّة تحقّق الأمن والاطمئنان النفسي والاتزان الانفعالي، والتفاؤل مع الحياة، وعدم النظرة إليها نظرة تشاؤميّة؛ كما يوفر له الإحساس بالسعادة الدّنيويّة والرضا والقناعة والإيمان بالقضاء والقدر، وأيضًا يخفّف من وطأة الكوارث والأزمات التي تعترض وجود الفرد؛ فيشعر بالاطمئنان وعدم التشاؤم من المستقبل المنظور، كلّ تلك الإيجابيّات تتمّ من خلال علاقة الإنسان بخالقه التي تعدّ موجّهًا لسلوكه في شتى منـاحي الحياة، وفي كلّ مرحلة عمريّة من حياته . 
والدين يوجد مع الإنسان منذ طفولته، إذ يوجد في كلّ طفل ينبوع من اليقظة والنضج الدّيني، إضافة إلى الحاجة إلى الدّين في ممارسة الشعائر العباديّة، وهذا ما يعرف: بعلم النفس الدّيني Psychology) (Religious، وعلم الاجتماع الدّيني (Religious Sociology)، فالدّين هو الانقياد لأعلى طموحات الإنسان باعتباره حصنًا للأخلاق، ومصدرًا من مصادر الأمن والأمان والاستقرار . وقد أظهرت الكثير من البحوث والدّراسات أنّ الدّين يؤدّي هذا الدّور الإيجابيّ للوقاية من الاضطرابات النفسيّة التي تحدث لدى الفرد ولا سيّما المراهقين؛ نظرًا إلى أنّ الشباب في هذا السنّ المبكر يتميّزون بارتفاع مستوى التديّن فالاهتمام بالصحّة النفسيّة تساعد على مجابهة الأمراض والتغلّب على آثارها السلبيّة .
وثمّة من يرى  وجود علاقة ترابطيّة موجبة بين التوجّهات الدّينيّة وتقدير الذات، ووجود علاقة ترابطيّة سلبيّة بين عوامل القلق والاكتئاب؛ فالأفراد الأكثر تديّنًا هم أقلّ قلقًا واكتئابًا وأكثر تأكيدًا لذواتهم ، فالإحساس الروحيّ (الدّيني) يؤدّي إلى الشعور بالرضا والسعادة والإيمان بقدرة الله «عزّ وجلّ» الذي يُعين الشخص ويجعله قويًّا لمواجهة الضغوط الدّاخليّة والخارجيّة، والوقوف بالقوّة لمواجهة الأزمات  والتحدّيات التي تعترض سبيل الحياة.
إنّ التديّن ظاهرة إنسانيّة وهو يحتلّ مكانة بارزة في تحقيق حاجات الفرد والجماعة، بكونه دافعًا فطريًّا وقد اعتبر غوردون ويلارد ألبورتAllport) ) في دراسة له أنّ هنالك حاجة نفسيّة موروثة في نفس الإنسانيّة، فمعظم النّاس عبر تاريخ البشريّة يمارسون شكلًا من أشكال التديّن يشكل الهويّة الثقافيّة والفكريّ ، فالحاجة إلى التديّن هي استعداد فطريّ عند الإنسان، يستطيع الفرد أن يتعلّم كيف يشبع حاجاته من خلال عمليّات التنشئة الاجتماعيّة سواء في البيت أم في المدرسة .
لذلك يرى بعض علماء الأديان أنّ التديّن الباطني أفضل من التديّن الظاهري في إشباع الحاجات، ومن هنا ينادي بعض علماء الطبّ النفسيّ والصحّة النفسيّة بضرورة تنمية الالتزامات الدّينيّة للوقاية من الاضطرابات النفسيّة التي تحدث للإنسان عندما يكون قلقًا، على الرغم من أنّ بعض الجهات لم تتقبّل وجود الدّين وحاولت تهميشه، فإنّها لم تفلح في ذلك على مرّ التاريخ، لأنّ الدّين واقع طبيعيّ ومؤثّر في حياة الإنسان ولا ينفكّ عنها؛ ففضلًا عن دوره باعتباره منظّمًا لحياة الفرد والمجتمع من خلال مبادئ وقوانين أخلاقيّة، يتضح جليًا -بمرور الأيام وبالدّراسات العلميّة التي تُجرى- أنّ له جوانب مفيدة على الصّحة البدنيّة والنفسيّة. فهناك دول عدّة -وعلى رأسها الدّول التي وصلت إلى أوج النموّ الاقتصاديّ والعلميّ والتكنولوجيّ- أخذت تطبّق أساليب بديلة عن الطبّ الحديث، كان للدّين موقع مهمّ منها؛ فالدّين بما يضعه من أسس عقديّة وعمليّة يقدّم أسلوب حياة صحيّة، وعن طريق الدّعم الاجتماعي يشجّع الوحدة والسعادة الاجتماعيّة، ومن خلال الدّعاء يحدّ من القلق والضغوط النفسيّة، وبفتحه للناس أبواب الأمل والرجاء يضفي على الحياة المعنى والهدف.
والحاصل أنّ معظم العلماء [الغربيّين] -ناهيك عن إنكارهم ما للدين من الأثر الإيجابيّ على الصحّة النفسيّة- يتناقشون لزوم اهتمام علماء الطبّ الحديث بهذه الظاهرة، ويرون أنّه ينبغي للأطبّاء أن يأخذوا بالحسبان تأدية مرضاهم بعباداتهم الدّينيّة.
 يذكر هارلود كوينغ (Koenig) الذي هو من أهمّ المتخصّصين في مجال العلاقة بين الدّين والصحّة النفسية أنّ (500) من أصل (700) من البحوث التي أجريت قبل عامِ (2000) في هذا المجال (71%) أظهرت أنّ هناك علاقة بين الدّين والصحّة النفسيّة، وبحسب هذا التحليل:
أثبتت 60 تجربة من أصل 93 أنّ الذين يتحلّون بمستوى عالٍ من التديّن هم أقلّ تعرّضًا للاكتئاب، والذين يتعرّضون له يشفون في مدّة أقلّ. وأثبتت 57 من أصل 68 أنّ هؤلاء أقلّ محاولة للانتحار. وأظهرت 35 من أصل 69 أنّ نسبة القلق لدى هؤلاء أقلّ، و98 من أصل 120 يتعاطون المخدرات أقلّ من غيرهم، وأظهرت 94 من أصل 114 أنّهم كانوا في وضع أفضل من الناحية النفسيّة والشعور بالأمل والتفاؤل، و15 من أصل 16 يرون في حياتهم ما يضفي عليها المعنى ويحقّق أهدافهم وطموحاتهم أكثر، وأثبت 35 بحثًا من أصل 38 أنّهم أسعد في حياتهم الزوجيّة وأحسن في تعاملهم مع أزواجهم، وأنّ 19 من أصل 20 منهم تلقّى دعمًا اجتماعيًّا أكثر .
صحيح أنّه لا بدّ لمن يقرأ هذه المعطيات من أن يأخذ بالحسبان خصوصيّات ديانة المجتمع الغربيّ، غير أنّه يمكن القول في نهاية المطاف إنّ الأثر الإيجابيّ للدين على الصحّة النفسيّة في الجملة أكثر من السلبيّة.
 
يتبع...
 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4