الدّين وتحدّيات العصر (2)

رلى حطيط

2019.07.29 - 01:29
Facebook Share
طباعة

 ثانيًا: إنجازات الحضارة الإسلاميّة   

تمثّل الحضارة الإسلاميّة حلقة مهمّة في سلسلة الحضارة الإنسانيّة (Civilization Humanities)، حيث أسهمت في الحضارات الحديثة (Modern civilization) ، وقد اعترف بذلك كثير من المفكّرين الأوروبيّين المنصفين. لقد شهدت هذه الحضارة الكثير من العصور، حيث بدأت بالنهوض منذ عصر النبيّ محمد (ص)، ثمّ عصر الخلفاء الراشدين، وبدأت أوج ازدهارها في العصر الأمويّ أي في عهد الدّولة الأمويّة، حتى انتهت مع عصر آخر حكّام العصر العباسيّ الذي شهدَ الكثير من الانقسامات بين أمراء العرب، والحروب الصليبيّة، والغزوات المغوليّة، وسقوط الأندلس في يد الأسبان.
وتميّزت هذه الحضارة الإسلاميّة بالعديد من الإنجازات، وكذلك الآثار التاريخيّة والعلوم التي تركها المسلمون، حيث تأثّر بها الغرب من خلال ترجمة الكتب والمؤلّفات الإسلاميّة، إذ قدّم العلماء العرب والمسلمون إضافات في العلوم التي بحثوا فيها عملت على تطوّرها وتقدّمها، وأثّرت في الحضارة اللاحقة، وكذلك الإرث الذي تركه المسلمون في الأندلس إحدى مدن أسبانيا اليوم، مثال كاتدرائيّة جامع قرطبة التي تعتبر نموذجًا لانسجام الفنّين الإسلاميّ والمسيحيّ وامتزاجهما فيها، وقصر الحمراء في غرناطة، حيث تظهر اللمسة الإسلاميّة بشكل جليّ بالزخارف والكتابات القرآنيّة والأدعية على الجدران. ومسجد الأندلس في مالقا، ويدرج ضمن قائمة أكبر المساجد على مستوى أوروبا. إضافة إلى القصبات الأندلسيّة، وهي عبارة عن ثكنات للعسكر من الأصول الأمازيغيّة، وجنّة العريف في غرناطة التي كانت مرتعًا للاستجمام والتنزّه من للملوك، كما كانت الكثير من المدن مراكز للعلوم، ومنها بغداد ودمشق والقيروان وغيرها.
ولقد مرّت الحضارة الإسلاميّة ما بين حالات من الضعف، والقوّة، وما بين ازدهار وتخبّط، وترك العديد من العلماء المسلمين إنجازات متنوّعة، كالإنجازات الطبيّة التي أسهم فيها ابن سينا وابن النفيس، وأبو بكر الرازي الذي يعدّ أوّل عالِم في العالم تطرّق لبحث مرض الجدري والحصبة واكتشافهما ودراستهما، فدخلت دراسته في صميم علم الأحياء المجهريّة الحديث، وغيرهم من العلماء، حيث استخدموا الأدوات الجراحيّة، وخيوط الجراحة، واكتُشِفت الدّورة الدّمويّة الصغرى على يد العالم ابن النفيس، كما قاموا بإجراء العمليّات الجراحيّة مثل استئصال الغدة الدّرقيّة، وقد أسهم المسلمون في طبّ العيون ودرسوه بصورةٍ عميقة، وذلك لانتشار أمراض العين في المناطق الحارة، وقد ألّفوا العديد من الكتب التي تحتوي على معلوماتٍ دقيقة في هذا المجال؛ الأمر الذي ساعد في تقدّمه بشكلٍ كبير، وكان طبيب العيون يُسمى كحّالًا، ويعتبر القاسم بن عمار بن علي الموصلي من أشهر الكحّالين ابتكارًا حيث كان من الخبراء في إجراء العمليّات الجراحيّة التي تخدم هذا المجال، كما ألّف كتاب «المنتخب في علاج أمراض العين» الذي يهتم بأمراض العيون وطرق علاجها ومداواتها.
وكان للعلماء المسلمين دور في الطبّ النفسيّ، فتصدّوا لمعالجة الأمراض النفسيّة، وقدّموا لها ما ساعد على شفائها، فكان الرازي أوّل طبيب فكّر في معالجة المرضى الذين لا أمل في شفائهم، فعالج الأمراض التي اعتبرها سابقوه مستحيلة البرء، كالصرع والمنخوليا، كما عالج جبرائيل بن بختشيوع الفصام التشنجي، أو الفصام التصلبي الذي يتميّز سلوك صاحبه بالتيّبس النفسيّ والجسميّ، وكان ابن سينا أوّل من ربط وظائف الإحساسات والخيال والذاكرة بشروطها الفسيولوجيّة، وبهذا لم يسبقه أحد في إلقاء الضوء الساطع على علم النفس التجريبيّ، وعالج مرض الوعي بالذات، إلى غير ذلك من الأمراض النفسيّة التي اكتشفها وعالجها الأطبّاء العرب الإسلاميّون، وكان لها أكبر الأثر في قيام علم النفس الحديث وتطّوره.
ومن أهمّ مبتكراتهم في الكيمياء والفيزياء والميكانيك النظّارات، والكاميرا (القمرة)، والأنسجة المعدّلة كيميائيًّا التي لا تتأثّر بالماء، واكتشاف حمض الكبريتيك والنيتريك، وعمليّة التقطير وفصل السّوائل، وصناعة العطور وغيرها من الصناعات الكيميائيّة، وأشهر العلماء في الكيمياء جابر بن حيان، وفي الفيزياء ابن الهيثم، وابن الرزاز الجزري الذي برع في علم الميكانيكا، وقام باختراع الصمامات والطواحين الهوائيّة، وأول من اخترع الساعة الميكانيكيّة والقفل الرقمي، أمّا البيروني فاعتبر أوّل من فكّر في علم الجاذبيّة، واكتشف دوران الأرض حول الشمس، وشهد علم الفلك ظهور الإسطرلاب العربي الذي أوجده العلماء المسلمون لتحديد أوقات الفجر والمغرب والصوم، ثمّ طوروه فاكتشفوا خطوط الطول والعرض وسرعة الصوت والضوء، حتى أصبح ذلك مرجعًا لعلماء الغرب، إضافة إلى إنجازاتهم في الهندسة والرياضيات على يد الخوارزمي، للترقيم والأرقام التي يستخدمها الأوروبيّون في يومنا هذا، حيث ابتكروا الجذر التربيعي، والرقم العشري، وعلم الجبر، والخوارزميّات. وكان للعرب تأثيراتهم في الملاحة والجغرافيا حيث عملوا على تطوير البوصلة، وأسهمت رحلات ابن بطوطة وتدويناته في التعرّف إلى مناطق جغرافيّة عدّة.
كما اهتمّت الحضارة الإسلاميّة بالعلوم الفلسفيّة التي تعتبر من أعقد العلوم وأكثرها أهميّة لما تعكسه من دراسة الإنسان وحالته النفسيّة، حيث نقل العرب أهمّ مصادر الفلسفة المشرقيّة واليونانيّة القديمة ترجمة وتطويرًا، فاشتهر الكندي بتطوير فلسفة أفلاطون وأرسطو، والفارابي بفكرة المدينة الفاضلة، وابن سينا بفلسفته العقليّة، وابن رشد الذي ما زال منارة للعالم حتى اليوم. وقد أخذ الغرب جماليّة الخط العربي متأثّرين باللغة العربيّة نفسها، كذلك دخلت كلمات وعبارات عربية كثيرة إلى عدة لغات أوروبيّة، ولا تزال حتى اليوم في نسيج هذه اللغات (الإنكليزيّة، الفرنسيّة، الأسبانيّة، الإيطاليّة، الألمانيّة). وقد أثّرت مؤلّفات عربيّة مثل حي بن يقظان لابن الطفيل، وألف ليلة وليلة، ومقدّمة ابن خلدون، وغيرهم في الفكر الغربيّ.
هكذا نجد أنّ المسلمين أسهموا في الحضارة العالميّة وتقدّمها وتطوّرها، بفضل أعلامهم في مختلف المجالات التشريعيّة والفلسفيّة والعلميّة، إضافة الى الابتكارات الصناعيّة إلى جانب أنشطة الشعر والنثر، كما برز أدب السيرة والروايّة والتصنيف الأدبي وفقه اللغة والمعاجم والنحو والعلوم الدّينيّة.
ثالثًا: جدليّة التديّن 
يعدّ موضوع الالتزام الدّيني من أبرز الشواخص الاجتماعيّة التي تحاول التنشئة الاجتماعيّة استهدافها؛ تمهيدًا لسلوك ومعرفة وقيم يتشرّبها الفرد بما يحاكي مبادئها وأهدافها. هذا التديّن الذي تتشعّب درجاته بين المستوى السلوكيّ والمستوى المعرفيّ والمستوى الشعائريّ وصولًا إلى التعصّب الدّيني، تتناوله مؤسّسات التنشئة كلّها وتؤثّر فيه بدرجات متفاوتة. وإن كان ذلك من اختصاص المؤسّسات الدّينيّة فإنّ دور باقي المؤسّسات لا يزال فاعلًا وأساسًا، ومنها الأسرة، والمؤسّسة التعليميّة، والأحزاب.
والتديّن أو الالتزام الدّيني من القضايا المهمّة التي بحثها علم الاجتماع وحلّلها، انطلاقًا من جذورها، وأسبابها ودوافعها، وسبب انحسارها، ونهوضها وتقدّمها، ودورها في قضايا أخرى، وقد برزت عدّة آراء نظريّة وفلسفيّة لتفسير الدّين أو التديّن لدى الإنسان، فعُرف «بأنّه عبادة الأسلاف، أو أُرجِع إلى أصول سحريّة، بينما اعتُبر أحيانًا أخرى أنّه ناتج عن ضعف الإنسان وعجزه أمام القوّة الطبيعيّة الخارقة، فبدأ بعبادة هذه الظواهر الطبيعيّة خوفًا منها وتجنّبًا لشرّها» .
وثمّة من يزعم أنّ سبب تخلّف الأفراد هو تمسّكهم بدينهم، وأنّ إشراك الدّين في كلّ شيء وفي حياة الإنسان هو السبب في عودتنا إلى القرون السّالفة، بزعمهم عدم الالتقاء يبن الفكر الدّينيّ والفكر التكنولوجي المتطوّر، فبعض الناس يفكّرون في أن الدّين تعليم جامد، والأسوأ من ذلك فكر الفيلسوف الفرنسيّ أوغست كونت  الذي يعتبر أنّ المجتمعات المتطوّرة هم الذين «ترقّوا» من سيطرة الدّيانات إلى سيادة العقل والعلم الحديث. 
وانبنى علم التاريخ الاجتماعيّ الغربيّ على فكرة أنّ المجتمعات الإنسانيّة تبدأ بدايتها من المجتمعات المؤمنة بالقوى الطبيعيّة الخارقة، فتعبد الأصنام وتقدّس الأساطير، ثمّ تطوّرت إلى الإيمان بإله واحد وديانة التوحيد، ثمّ تطوّر العقل البشري فنشأت به المجتمعات المتطوّرة التي لا تؤمن إلا بالمحسوسات والماديّات ولا تصدّق إلّا ما توصّل إليه العلم والتجربة، فاعتُبر الدّين -حسب هذه النظرية- جزءًا من تخلّف الماضي، وقد نشأت هذه الفكرة في العالم الغربيّ الذي تصارعت فيه سلطة الكنيسة -التي تتمسك بالتعاليم الخرافيّة القديمة بصفتها دينًا مقدّسًا والخروج عنها كفر- مع تيّار التحرّر الذي قاده علماء متحرّرون من تبعيّة الكنيسة، وانتصر التيار العلميّ على التيّار الكنسيّ؛ بسبب إصرار الكنائس على المعتقدات الباطلة مثل سطحيّة الأرض واعتبار أنّ كلّ الأمراض سببها تسلّط الشياطين والجنّ على جسد الإنسان، وأنّ الأرض هي مركز الكون... إلى آخر هذه المعتقدات التي فرضتها الكنيسة على الناس وحاربتهم عليها، فظنّ هؤلاء العلماء الغربيّون أنّ الأديان كلّها على هذه الشاكلة، ولم يعرفوا أنّ الدّين الإسلاميّ قد سبقهم إلى تلك الحقائق العلميّة وأوصلهم إليها، وأنّ العلم الحديث ومبادئه ومناهجه كانت أصولها من تعاليم هذا الدّين.
وهذا خلق فجـوة أدّت إلى ما يسمّى بالقلق الذي يعاني منه الإنسان في هذا العصر، فلا بدّ والحالة هذه، من الالتقاء العقلانيّ بين الدّين والتطوّر العلميّ والتكنولوجيّ لتخفيف حدّة التوتر والانفصام، فحالة الانفصام أو الانفصال بين الدّين المشوّه في الحضارات الغربيّة والتكنولوجيا الحديثـة هـو الذي يشكّل مشكلة الإنسان المعاصر ؛ لأنّ الإنسانيّة غدت تعيش صورًا متناقضة في الحياة، بين التطوّر العلميّ والتقنيّ من جانب، وازدياد الاضطراب النفسي والشقاء الماديّ من جانب آخر، وهذا الأخير يتطابق مع ما يشهده الغرب من تقدّم مادي لم يصاحبه تقدّم روحي، وهو ما شهد به علماء الغرب أنفسهم كشبنجلر ، واشفيتسر ، وتوينبي  وغيرهم، وفي هذا المجـال طرح الباحثون بعض قواعد السلوك الاجتمـاعيّ التـي وضـعها الدّين الإسلاميّ وتعمل على التخفيض من تأثير القلق لدى الأفراد : قاعدة العلو والوصول إلى المعلومـة الاجتماعيّـة التي تؤثّر في بناء العلاقات الصحيحة بين الأفراد، وقاعدة التعاون والمشاركة، وقاعدة الإيثار والمـسامحة، وقاعدة القدوة الحسنة، وقاعدة العدالة الاجتماعيّة، وقاعدة التناصح والمشورة، وهذه القواعد الـسلوكيّة كفيلـة بإيجاد المجتمع الفاضل الذي ينتج الفرد الصالح الذي يؤدّي دوره بفاعليّة في المجتمع.
 فالرسالة الإسلاميّة تؤمن بوحدة الأصل الإنسانيّ والتساوي بين البشر في الكرامة وفي الحقّ في الحياة، في ظلّ الأمن والسلام والوئام والتفاهم والاحترام، هذا بالإضافة إلى أنّ الإيمان الإسلامي يبدأ بالأمر بالقراءة التي تكشف للإنسان حقائق الكون وهي منطلقات إيمانه بالله، فهذا الدّين ليس معتقدًا تقليديًّا يتلقاه الإنسان دون وعي أو دليل علميّ، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ، كما أكّد القرآن أنّ الدّعوى لا تُقبل بغير دليل أو برهان ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، بل يحاربها، فالله أعطى الناس عقولًا، فلا بدّ من استخدامها في البحث عن الحقّ والحقيقة، وأكثر من ذلك القرآن ينكر مَن بنَى إيمانه على مجرد التّقليد بدون إعمال نظر ولا جهد فكريّ، قال تعالى: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ . 
إنّ العقيدة لا يجوز أن تبنى على الظنون بل لا بدّ من علم يقينيّ على مبدأ التبيّن والتثبت حتى لا يضيع الحقّ بالأقاويل الكاذبة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ، ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، وقد نشأ عن هذه المبادئ العلميّة الحياة الثقافية الزاخرة بالنتاج الفكريّ المتحرّر والمنضبط بقواعد علميّة رصينة، سادت العالم لأكثر من عشرة قرون.
كما حثّ القرآن على ملاحظة الكون لكشف الحقائق الكامنة، والتوصّل إلى المعلومات الغائبة، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ* أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا* ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا*. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ . واكتسب المسلمون من هذه الآية منهجيّة العلم التجريبي، وقد أقرّ رسول الله (ص) بهذا المبدأ، مبدأ التجربة في الأمور الدّنيويّة الفنيّة، فما أثبتت التجربة نفعه في هذا فهو مطلوب شرعًا، وما أثبتت ضرره فهو مرفوض شرعًا، ولكن يبقى السؤال الجدل: «ما هو نمط الخبرة الدّينيّة التي يمارسها الإنسان في هذا العصر؟!».
لطالما برزت أنماط من الخبرات الدّينيّة التي نلحظها في حياة الأفراد أبرزها : التديّن المعرفي الفكري، حيث يعرف الفرد الكثير من أحكام الدّين ومفاهيمه على مستوى المعرفة والفكر، ولكنّه غير ملتزم بهذه الأحكام في حياته اليوميّة، ونجد التديّن العاطفي الحماسي، فتظهر العاطفة الوجدانيّة الجارفة نحو التعاليم الدّينية، لكن دون امتلاك الأحكام المعرفيّة حولها، ما يجعله غير قادر على الحوار والمناقشة المرنة فيوصله ذلك إلى حالة من التطرّف، فيبرز التديّن المتطرّف، حيث يظهر الفرد المتديّن حالة من المبالغة والغلوّ في بعض جوانب الدّين والتزمّت في تطبيقها، ما يخرجه عن الحدود المقبولة التي يُقرّها الشرع ويُجمع عليها العامّة، والتطرّف الدّيني ينقسم إلى أنواع ثلاثة: التطرّف الفكريّ، والتطرّف العاطفيّ، والتطرّف السلوكيّ، أمّا التديّن السلوكي (العبادة) حيث ينحصر الفرد المتديّن ضمن دائرة ممارسة الطقـوس وأداء العبادات الدّينيّة، ولكن دون معرفة كافية للأحكام ودون امتلاك العاطفة الدّينيّة، ويأتي التديّن النفعي فيلتزم الفرد بالكثير من الممارسات والمظـاهر الدّينيـة للوصـول إلـى مصالحه الخاصّة، مستغلًّا بذلك احترام الناس للدين وهذا له تأثيرات سلبيّة جدًّا على سمعة الدّين، أمّا التديّن التفاعلي فهو ناتج عن ردّ الفعل لدى بعض الأفراد لقضاء وقت طويل من حياتهم بعيـدًا عـن الدّين، ولكن نتيجة لحالة مفاجئة في حياتهم تنقلب إلى النقيض، فيصبحون من الملتزمين في الكثيـر من المظاهر الدّينيّة، ويغلب على هذه الفئة التديّن العاطفي الحماسي لكنّه يتميّز بالسطحيّة، كما نجد التدين الدّفاعي حيث يتميّز المتديّن في هذا النمط بأنّه عصابي دفاعي لحالة من الخوف أو القلق أو الـشعور بالذنب أو تأنيب الضمير، أو ضدّ القهر والإحباط لظروف اجتماعيّة أو اقتصاديّة يمرّ بها الفـرد، فيلجـأ إلى الدّين للتخفيف من حدّة هذه المشاعر أو هروبًا من الصعوبات التي يعجز الفرد عن مواجهتها.
ما يهمّ في هذا البحث هو تحديد نمط الشباب اليوم من التديّن، خاصّة في ظلّ رؤية الغرب التي تؤمن بأنّ معظم ما حقّقه الغرب من تقدّم يرجع إلى فصل الدّين عن الدّولة، كما يربط التخلّف بالدّين، والإشكاليّة تكمن في أنّ الكثير من المتديّنين يعتقدون بالخرافات ويؤمنون بها، ويمارسون طقوسًا غير منطقيّة، كما أنّ ثقافة التقليد مترسّخة لدى الكثير من المسلمين خاصّة، تزامنًا مع الظروف الاقتصاديّة والسياسيّة المتأزّمة وحالة التشرذم المسيطرة على العالم الإسلاميّ التي أدخلته في متاهات التخلّف عن ركب الحضارة في ظلّ غياب الوعي المطلوب لتحديد الأسباب الفعليّة لهذه الظاهرة. 
لكنّ الرجوع إلى أصالة الدّين وقراءة تاريخ المسلمين الأوائل يطلعنا على حقيقة واضحة، وهي أنّ نور القرآن والرسالة النبويّة هما منطلق التقدّم قديمًا وحديثًا، ما يوصلنا إلى معرفة أنّ التقدّم الإنسانيّ مرهون باتباع هذا الدّين، وذلك بتمييز ما هو دين منزل من عند الله عمّا ألحق به من الآراء الخاطئة التي لا تتوافق مع روح الإسلام، مثل ثقافة التقليد والإيمان بالخرافات والسحر، فهذه ليست من الدّين في شيء. ويُعبِّر مالك بن نبي عن بطلان هذا الاتهام بقوله: «إنّ التخلّف الذي تعاني منه الأُمّة الإسلاميّة اليوم ليس سببه الإسلام، وإنّما هو بالأحرى عقوبة مستحقّة من الإسلام على المسلمين لتخلّيهم عنه لا لتمسّكهم به كما يظنّ بعض الجاهلين»  .
إنّ المراهنة في هذا العصر على تنمية الوعي الذاتيّ في نفوس الشباب، لخلق المناعة الذاتيّة تجاه الإغراءات السائدة والمفاهيم الخاطئة؛ لأنّ جوهر الدّين يركز على تنمية الإرادة لدى الإنسان، لكي يلتزم أخلاقيًّا وقيميًّا، وهو ما يعبّر عنه دينيًّا بالورع، فالاتزام الدّيني المفروض نتيجة عوامل خارجيّة لا يضاهي الالتزام النابع من وعي ذاتيّ واندفاع داخليّ محض.
فكيف يمارس شباب اليوم التزامه الدّيني؟ وهل يقتصر نمطه على تطبيق الطقوس والشعارات، بحيث يتمّ اختراق معتقداته بسهولة دون أن يتسنّى له الحوار والمجادلة والدّفاع عن قضيّتهم، وذلك لأنّه لا يمتلك الأحكام المعرفيّة؟ فيعيش صراعًا أمام الانتقادات التي توجّه له حول ارتباط الدّين بالتخلّف والبعد عن الحضارة حائرًا بين الرفض والقبول بهذا الحكم دون أن يمتلك الحجج الفاصلة والمنطقيّة للدفاع عن الدّين، ولا سيّما أنّه يواجه إهمالًا كبيرًا في مجال الدّراسة، والغلاء المبالغ فيه، والبحث عن فرص عمل، وحالة اللايقين التي يعيشها.
 
يتبع... 
 
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 1