الدّين وتحدّيات العصر (3)

رلى حطيط

2019.07.29 - 01:30
Facebook Share
طباعة

 رابعًا: المغريات المعاصرة ومخاطرها

إنّ عصرنا يختلف اختلافًا جذريًّا عمّا سبقه من حقب تاريخيّة، ولعلّه لا مجال هنا للمقارنة نظرًا إلى ما طرأ عليه من تطوّرات، وما جدّ فيه من متغيّرات متسارعة، وما ظهر فيه من اختراعات باهرة، فنحن نعيش عصر الثورة العلميّة والتكنولوجيّة وثورة المعلومات والاتصالات والاستنتساخ، وكلّ يوم يشهد عالمنا مزيدًا من الاكتشافات والاختراعات والمفاجآت، ويخلق ما لا تعلمون. أين عالمنا الإسلاميّ من ذلك كلّه؟ ألا يعدّ جزءًا من هذا العالم الذي نعيش فيه، والذي أصبح، كما يقال كثيرًا، مثل قرية كونيّة صغيرة؟ ألا يتأثّر بكلّ ما يحدث من متغيّرات؟ وهل يستطيع أن يعزل نفسه عن ذلك كلّه؟ 
لا جدال في أنّ هناك تحدّيات تقف في مواجهة الدّين في العصر الحديث، أفقدت الكثير من قوّته الحجاجيّة التي كانت له في الماضي، ولعلّ هذه التحدّيات تقف أمام الفكر الدّيني لا أمام الدّين نفسه. فهل عجز الفكر الدّيني عن تقديم الدّين بوصفه ظاهرة ديناميكيّة متجدّدة؟ كما عجز عن تأصيل مقولاته تأصيلًا فلسفيًّا وتاريخيًّا كافيًا؟ بحيث تحمّل الدّين وحده تبعات هذا العجز. فهناك تجاهل للظروف التاريخيّة التي أسهمت في إعطاء الدّين زخمًا قويًّا لا بل انحسرت تمامًا في العصر الحديث وتحوّلت إلى النقيض، ولربّما تجاهل الفكر الإسلامي أنّ قوة الخطاب الإسلامي في الماضي لم تأت دائمًا من ذاته، بل من الظروف التي أحاطت به عند ظهوره وانحسرت اليوم.
لقد جاء الإسلام وكانت المجتمعات الإنسانيّة تعاني أشكالًا من الظلم لا حصر لها، في ظلّ حالة من الضعف والانحلال عاشته الدّول والمجتمعات. كما أنّ مستوى التحدّيات العقليّة للدين آنذاك كانت محدودة للغاية، ما ساعد على انتشاره تلازمًا مع ما قدّمه الخطاب الإسلاميّ فيما خصّ العدل والإحسان، ووعود بالمجتمع المثالي النظيف، وبالحيوية العالية التي بدت في اتباعه آنذاك، حيث اعتبرته المجتمعات لاهوتًا لتحرير النفس من أوهامها، وتحرير الإنسان من طغيان السلطة السياسيّة، إضافة إلى تحرير الأرض من المستعمر الأجنبيّ.
والجدير بالذكر آنذاك عدم وجود أيديولوجيا أو فكرة تنافس الإسلام في هذا المضمار، وهذه العوامل الخارجيّة والذاتيّة مجتمعة ساعدت على انتشار الإسلام، وبنظرة سريعة يمكننا معرفة أنّ هذه العوامل الخارجيّة لم تعد متوفرة اليوم، بل إنّ المتوفر هو نقيضها تمامًا؛ فالدّيمقراطيّة نظريّة حديثة لها جاذبيّتها، وهي تنافس الإسلام في الوعد بمجتمع العدالة والحريّة، وتتفوّق عليه من وجهة نظر بعضهم في مجال الحقوق والحريّات على الأقلّ. 
وحال المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة في مقابل المجتمعات الدّيمقراطيّة إنّما هو دليل على حالة التشرذم، فالإسلام اليوم تتوجّه له أصابع الاتهام فيما خصّ الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان، ولا سيّما ما يقدّمه الفكر التقليدي ويقوم بتفسيرات خاطئة تجعل منه دينًا جامدًا منغلقًا متقوقعًا لا يقوى على مسايرة الزمن، ولا يراعي متغيّرات الحياة، وبذلك يشدّونه إلى فهمهم السقيم، فنجد أنّ من يدافع عن الإسلام  يواجه صعوبة أمام من يدافع عن الدّيمقراطيّة بمفهومها الليبرالي، فكيف إذا ما دخل في جدال مع الفلسفة الحديثة وأسئلة العلم؟!
لقد أحدثت ثورة المناهج والمعلومات والاتصالات انفجارًا للأسئلة في أذهان الشباب، أسئلة ذات طبيعة فلسفيّة عميقة لم تعد تجدي نفعًا معها تلك المعالجات القديمة، أو حتى تلك الإجابات الذكية المحدودة، فأسئلة هؤلاء الشباب تغوص عميقًا حتى تصل إلى مستوى نظريّة المعرفة وفلسفة الأخلاق في الإسلام، انطلاقًا من هنا نجد أنّ ثمّة حاجة لمواجهة التحدّيات التي تواجه عقول المسلمين وقدرتهم على استيعاب تطوّرات العصر، والوعي بالزمن، والوعي بالتطوّر التاريخيّ، والوعي بالزمن يعني وعيًا بحركة الزمن من ماضٍ إلى حاضر إلى مستقبل، وأنّها دائمًا في صعود، فالتاريخ يسير إلى الأمام ولا يتراجع إلى الوراء، أمّا الوعي بالتطوّر التاريخيّ، فإنّه يعني نقلة نوعيّة تشتمل على إضافة حضاريّة يسجّلها التاريخ، وحتى يكون هذا الوعي حاضرًا في الأذهان، لا بدّ من التغلّب على العقبات التي تعترض طريق هذا الوعي وتحجب عنه الرؤية الصحيحة والإدراك السليم؛ لذلك لا بدّ من مراجعة التراث الإسلامي مراجعة نقديّة لحماية الإسلام من التشويه المتعمّد من قبل دوائر دولّية محترفة في التشويه، في ظلّ انتشار الخوف منه في الغرب بوصفه العدوّ البديل أو الخطر القادم الذي يهدّد الحضارة العالميّة، وترويج نظريّة صدام الحضارات ونهاية التاريخ، والتطوّرات العلميّة الجديدة ، ناهيك عن انتشار ظاهرة الإرهاب التي تعدّ من أخطر التحدّيات الدّاخلية التي تواجه العالم الإسلامي حيث أسهمت في زعزعة المعتقد الدّيني في عالم القرن الواحد والعشرين، والتي كانت عواقبه مدمّرة لقدرات الشعوب الإسلاميّة اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، كما تمثل عقبة أمام تنفيذ الخطط التنموية في البلاد الإسلاميّة، ولا شكّ في أنّ الإرهاب في العالم الإسلاميّ يتلقى الدّعم والتخطيط من رؤوس الإرهاب في الخارج التي وفّرت لهم على مدى عقود الملاذ وحرّية الحركة، تحت مظلة الحماية المزعومة لحقوق الإنسان ولا سيّما أنّ مسؤولية الذات ثابتة في القرآن: ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾ ، فإذا تعافى العالم الإسلاميّ من أمراضه الدّاخلية وتغلّب على تحدّيات الدّاخل، فإنّه يكون حينئذ في وضع يؤهّله للتغلّب على التحدّيات الخارجيّة.
وإذا كانت الحضارة لا تقوم إلّا بالعلم، فإنّ الإسلام قد جعل العلم فريضة لا تقلّ شأنًا عن فرائض الصلاة والصوم والزكاة، فكيف وصل الحال بالمسلمين إلى أن تكون نسبة الأُمّية لديهم 46.5% طبقًا لبيانات المنظّمة الإسلاميّة للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، وأن تصل هذه النسبة في أوساط النساء في بعض البلاد الإسلاميّة إلى 60% ، فالأمّية لا تزال تشكّل تحدّيًا حقيقيًّا للعالم الإسلامي يعرقل النهوض بمجتمعاته من النواحي كافة.
أمّا على صعيد التجارة والاقتصاد، يوجد محاولة لتكوين التكتلات الاقتصادية الكبرى إضافة إلى الشركات العملاقة المتعدّدة الجنسيّات، وذلك في الوقت الذي نجد فيه أنّ حجم التجارة البينيّة في العالم الإسلاميّ والعربيّ لا يتجاوز نسبة 8% من مجموع تجارته مع بقيّة دول العالم، وذلك طبقًا للتقارير الرسميّة للبنك الإسلاميّ للتنمية، وهذا واقع يشير إلى استمرار اعتماد العالم الإسلاميّ في كلّ شيء – حتى في غذائه – على العالم الخارجيّ، في حين نجد أنّ المسلمين لديهم ثروات بشريّة كبيرة وثروات ماديّة هائلة تتمثّل في البترول والمعادن المختلفة، إنّما لا يزال الكثير منها مطمورًا في باطن الأرض، ويعيش المسلمون في مناطق استراتيجيّة في العالم ولا ينقصهم إلّا الإرادة القويّة والعزيمة الصادقة، فلم يعد بوسعنا أن نتجاهل ذلك كلّه ونقول نحن نعيش في أحسن حال.
ولمّا كان الإسلام هو دين للحياة، فهو صالح  لكلّ زمان ومكان، ومتوائم مع طبيعة الإنسان. من هنا لا يسعنا إلّا أن نؤكِّد مرّة أخرى أنّ هذه التحدّيات ليست في حقيقة الأمر تحدّيات للإسلام كدين، وإنّما هي تحدّيات لفكر المسلمين، فإذا ارتفعت هذه الأفكار إلى مستوى الأحداث وأدركت مقتضيات العصر، فسنجد أنّ الإسلام من أفضل المساعدين على التغلّب عليها كلّها بكلّ ما للكلمة من معنى، أمّا إذا قصرت همم المسلمين وأفكارهم عن استيعاب تطوّرات العصر ومتغيّرات الحياة، فإنّها ستكون أيضًا قاصرة عن فهم طبيعة التعاليم الإسلاميّة، وغير مدركة لما تشتمل عليه من مرونة. ما يسهم في تجمّد الإسلام، وتريد أن تشدّه إلى تخلّفها الفكري وتحجرها العقلي وجمودها الدّيني، ومن ثمّ تكون أخطر على الإسلام من أيّ تحدّيات خارجيّة.
وفي القرن الحادي والعشرين لا خيار آخر غير خيار العلم والتقدّم والحضارة، وأيّ طريق آخر سيستمر في جذب المسلمين إلى التخلّف والجمود، وينتهي بهم إلى أن تتجاوزهم الأحداث وينساهم التاريخ. فالقضيّة – إذن – قضيّة مصير: «إمّا أن يكونوا أو لا يكونوا».
وخلاصة القول: إنّ الإسلام، بمبادئه السامية وتعاليمه الواضحة وقوّته الذاتية، قادر على تلبية متطلبات الحياة المعاصرة ومواجهة التحدّيات الحاضرة والمستقبلية. ولم يكن الإسلام – ولن يكون – سببًا في تعطيل مسيرة التقدّم في العالم الإسلاميّ على جميع المستويات.


خاتمة
تشهد فيه الأمّة الإسلاميّة تغييرًا جذريًّا، ومنعطفًا تاريخيًّا فاصلًا، وذلك نتاج صحوة الشعوب ورغبتها في يقظة الأمّة من سباتها والعودة إلى طريق ريادتها، وتأدية دورها الحضاري الذي صنعه المسلمون الأوائل وضحوا في سبيل تشييده بالنفس والنفيس، ولكن الأهم هو تفهّمنا أمرين: 
الأوّل: يجب تكثيف البحوث والدّراسات في الجانب الحضاري، والتنقيب عن الأسس والمرتكزات التي تسهم في النهوض والتقدم، وإيجاد تفسير لتراجع الأمّة حضاريًا، حتى يمكننا من خلال هذه الدّراسات استخلاص رؤى المفكّرين والمصلحين الذين أفنوا حياتهم من أجل رفعة الأمّة، خاصّة أنّني وجدت خلال إعداد بحثي أنّ أغلب من عكفوا على مثل هذه الدّراسات تناولوها من منظور مفكّرين غربيّين، وهو عكوف يطابق التوجّه لغير القبلة في الصلاة، ولعلّ نظرة على ما كتبه العلّامة محمد إقبال، وأبو الحسن الندوي، وأبو الأعلى المودودي، ومالك بن نبي، وسعيد النورسي، ومحمد الغزالي، والقرضاوي وغيرهم، كفيل بمعالجة الخلل الحضاريّ للأمّة.
الثاني: أنّه لا بدّ من توجيه أنظار الشباب إلى التعامل مع القرآن والسنّة أثناء سعيهم للتقدّم والنهوض؛ لأنّهما يحتويان على كلّ ما يعين الإنسان على ذلك، ولأنّهما تضمّنا مبادئ حضاريّة كليّة ومطلقة، وأسسًا ونُظمًا لا تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، ومهّدا لحريّة الإنسان واختياره في كيفية صياغة تلك المبادئ والأسس وتطبيقها حسب حاجات العصر ومعطيات الواقع، فالقرآن والسنّة منحا المبادئ والأسس للنظام السياسيّ، ولكنّهما لم يمنحا شكله، وتركا كيفية اختياره حسب ما يتطلّبه كلّ زمان ومكان.
إنّ المشكلة ليست بين الإسلام والتطوّرات العلميّة، ولا يمكن أن تشكّل هذه التطوّرات تحدّيًا للإسلام، إنّما المشكلة في مدى انسجام المسلمين مع تعاليم الإسلام المشار إليها ومدى ملاحقتهم التطوّرات العلميّة، ومشاركتهم في البحث العلمي مشاركة جادة يستطيعون من خلالها أن يعبروا إلى المستقبل في ثبات وثقة، فالمسلمون لا تنقصهم الإمكانات الماديّة أو البشريّة، وهم ليسوا أقلّ ذكاء من غيرهم، فالله قد أعطى كلّ الناس العقلَ، وكما قال الفيلسوف الفرنسيّ الشهير ديكارت: «إنّ العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس»، فهل يقبل المسلمون التحدّي ويتحرّكون بخطى سريعة نحو آفاق العلم الواسعة ليثبتوا وجودهم وإسهامهم في مسيرة التقدم العلمي ليكونوا مؤهلين وجديرين بالدّخول إلى عالم المستقبل لكي يحتلوا فيه مكانهم اللائق بهم ويثبتوا وجودهم عن طريق الأفعال وليس فقط عن طريق الأقوال؟ إنّ هذا ما سوف تكشف عنه السنوات القادمة إن شاء الله، وإنّ غدًا لناظره قريب.
من هنا يمكن القول إنّ الإسلام مؤهّل بكلّ المقاييس لمواجهة تحدّيات العصر الحديث، ومؤهّل للتعاون باستمرار مع كلّ القوى المحبّة للسلام والتقدّم في العالم من أجل خير الإنسان وسعادته في كلّ زمان ومكان.
 
 
 
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 10