الماسونيّة وحقوق الإنسان

د. رلى حطيط

2019.08.06 - 09:03
Facebook Share
طباعة

 أثار مصطلح «الماسونيّة» إشكاليّات اجتماعيّة وسياسيّة نظرًا إلى ما يكتنفه من الغموض والشبهات، والنشاطات الخفيّة؛ فهي تخفي تنظيماتها تارةً وتعلن عنها تارةً أخرى، بحسب ظروف الزمان والمكان، ولكن مبادئها الحقيقيّة التي تقوم عليها سريّة في جميع الأحوال، محجوبة حتى عن أعضائها، إلّا خواص الخواص الذين يصلون بالتجارب العديدة إلى مراتب عليا فيها .

 

إنّ التوراة في الاعتقاد الدّيني اليهوديّ رسالة عادلة، أخلاقيّة، لا تقبل أيّ انتقاد؛ لأنّها نتاج الله مصدر العدالة، والرحمة، والحقّ المطلق، أنزلها على النبيّ موسى «ع» مكتوبة بالألواح، غير أنّ الفهم الخاطئ في التفسير فرض إيديولوجيا أخرى، لا تعبّر عن فكرها الأصيل، إنّما  كانت مصدر لحركات فكريّة مشبوهة عبر التاريخ، تخدم من صاغها ومن نظّمها، فنجد من نسب  «الماسونيّة» إلى هذه الحركات واعتبرها  يهوديّة الإدارة العليا والعالميّة السريّة وصهيونيّة النشاط، من الناحية الفكريّة ومن حيث الأهداف والوسائل وفلسفة التفكير. كما وجدها بعضهم وراء الحركات المناهضة للأديان والأخلاق، ولها أهداف سياسيّة وأصابع ظاهرة أو خفيّة في معظم الانقلابات السياسيّة والعسكريّة والتغييرات الخطرة، فكثرت الأبحاث التي تبيّن معاداة الماسونيّة للأديان، وسعيها إلى تفكيك الروابط الدينيّة، وهزّ أركان المجتمعات الإنسانيّة، وتشجيعها على التفلّت من كلّ الشرائع والنُظم والقوانين، وعرّفها آخرون بطابعها المُلتوي والخفي وراء الشّعارات البرّاقة، بحيث أوجدها حكماء صهيون لتحقيق أغراض التلمود وبروتوكولاتهم، فبيّنوا أنّها تختفي تارة تحت اسم «اتّحاد وترقٍّ»، وطورًا تحت اسم «بناي برث»،  وآنًا تحت اسم «البهائيّة» و«شهود يهوة»، و«السبتيين»، و«الليونز والروتاري» وغيرها من الحركات والتنظيمات؛ لتنفّذ اليهوديّة المحرّفة مهمّاتها تحت هذا الضباب على يد بعض من لقبوا بـ«فرسان حكماء» و«فرسان قدّوسين» من أقطاب عظماء.
 
في المقابل، ثمّة من دافع عنها بشراسة، أمثال جرجي زيدان في كتابه «تاريخ الماسونيّة» الصادر في العام 1889، رغم التاريخ القديم المتشعّب للحركةِ، يرجع زيدان أصول الماسونية إلى الكهنة في مصر القديمة، مشيراً إلى وثائق من أوراق البردى تتحدث عن جمعية «إيزيس السرية»  حينما كانت أشبه بنقَابةِ مهنيّة تَضم مهندسين وعمّال بناء يتداولون أسرار العمارة والبناء في سريّة، مثل أصحاب أيّ مهنة أو حرفة في ذلك الزمان، وأخذ تعقيد العَالم الداخلي للماسونيّة يتزايد منذ القرن الثامن عشر، فلم تعد تقتصر على حركة «البنّائين الأحرار» الذين كان ملك روما يرسلهم للخليفة الأمويّ ليبنوا له مسَاجد دمشق؛ فبسبب الرموز والطقوس التي، كما يصرّ زيدان على ذكرها، كان الغرض منها أن يتعرّف بعضهم إلى بعض ويحافظوا على أسرار الصنعة، أصبحت حركة باطنيّة عمليّة. ومنذ القرن التاسع عشر، بدأ التنظيم يتقبّل في عضويّته عُلمَاء وفلاسفة، بل أحيانًا كُتَابًا وشعراء، ليتحوّل إلى كيان سريّ نخبويّ، يضمّ في عضويّته الأطباء، والفلاسفة، وأساتذة التاريخ وكلّ المشتغلين بالنشاط العلميّ والأدبيّ والصناعيّ والسياسيّ، لتجمع بين الإيمان بالعلم وقدرته على تحسين حياة الإنسان، والإيمان المطلق بعالم غيبيّ له طقوسه التي يواظبون عليها ويأملون من خلالها في كشفِ المزيد من الأسرار، حيث كلّ سر يُرفع حجابه يساعد الفرد الماسونيّ على الترقّي داخل المنظّمة وتحصيل المزيد من المعرفة.
واللّافت انتشار الأفلام والكتب التي تخلط الحقّ بالباطل عن الماسونيّة ؛ ما يؤدّي إلى نتيجة سطحيّة في التحليل، وأنّ الأمر هو مجرّد اتهامات باطلة وأكاذيب ملفّقة تُصنّف عالميًّا تحت مسمّى «نظريّات المؤامرة»، ولعلّ توالي حركات الانشقاق وانكشاف الكثير من الأسرار دفع بالماسونيّين في النهاية إلى فتح بعض الملفّات لنفي هذه التهم، والظهور في مظهر الانفتاح، إذ عندما يُطرح مصطلح الماسونيّة تتباين المواقف، فثمّة من ينتابه الرّهبة والارتياب أو الشّعور بأنّها عدوّ خفيّ، وآخرون يرونها حركة حازت اهتمامًا أكثر من اللازم، ولا سيّما أنّ ثمّة الكثير من الاتهامات الباطلة فعلًا في وسائل الإعلام والكثير من المؤلفات، غير أنّ وجودها لا ينفي الحقيقة عن الأبحاث الجادة، فالبحث الموضوعي ما زال قادرًا على كشف الكثير من حقائق هذه الحركة السريّة، وهو ما يسلتزم عدم الانشغال بالكميّات الهائلة من الشائعات التي قد تكون مفتعلة وتشجّع الماسونيّة على نشرها للتغطية على الحقيقة.
 
لقد طرحت أسئلة إشكاليّة متنوّعة عن الذي أسّس الماسونيّة؟ وأهدافها المعلنة وأهدافها الحقيقيّة؟ ومن يقف وراءها؟ وما الجذور الفكريّة المنشئة لها؟ وكيف ترتبط الماسونيّة مع الثقافات الأخرى؟  ولماذا لا تخضع لأنظمة الدولة كبقيّة الجمعيّات؟ لندخل منها إلى  طرح إشكاليّة العلاقة بين الماسونيّة وشعاراتها والشعارات التي تطلقها بعض المنظّمات العالميّة المنضوية تحت شعار حقوق الإنسان؟
نبدأ بما صرّح به مؤسس الصهيونيّة الماسوني من الرتبة العليا «هرتزل» في بيان له: «لنجعل الرياء شعارنا، كي لا يبقى في العالم إلا إسرائيل واحدة، وسوف نقسّم الشعوب، أي كلّ شعب ينقسم ويصبح في حوزتنا، قد ردّد العميان كلمات (حريّة- مساواة- إخاء) غير عالمين أنّنا نقصد بها الفوضى والهدم والشجار بين الجماعات» .
 
وعندما نقرأ الأنظمة والدساتير المطبوعة المنشورة للماسونيّة، نرى احترام أديان الأمم وقوميّاتها وقوانينها، فنجد ما كتب للتصدير والاستهلاك وما مورس للتغطية، فدساتير الماسونيّة توجب الولاء للعروش، لكنّها تردّد كلمة «نقام نقام» ، وفيها ثورة على الأديان التي تخلفت عن السير في ركب إسرائيل ، ونجد أيضًا تناقضًا بين حديث أقطاب الماسونيّة عن تحظير التداخل بالسياسة حتى المحاكمة وترداد «من الواجب أن تكون الماسونيّة زعيمة الأحزاب السياسيّة التي تقودها ولا تنقاد لها إذ الماسونيّة مشروع سياسي»   .
 
فهل الحركة الماسونيّة ذات نشاط سريّ، وما يبدو من نشاطها الخيريّ والاجتماعيّ ليس إلا تمويهًا يخفي وراءه العمل الحقيقي؟ فهل يوجد علاقة بين الماسونية والمجتمع المدني؟ وعندما نقول المجتمع المدنيّ فإنّنا نعني تلك الهيئات والجمعيّات التي انتشرت منذ سنوات في أكثر من بلد من بلدان العالم العربيّ والإسلاميّ وفي أوروبا الشرقيّة السابقة، مثل جمعيات الدفاع عن المرأة وحقوق الإنسان، والمواطنة، ومناهضة العنف، ومراقبة الانتخابات ونشر الديمقراطيّة، والتربية على التسامح ونبذ العنف، وحقوق المثليّين، والدفاع عن عاملات المنازل وغيرها من القضايا. بعض من هذه الجمعيات - ولن نقول كلّها- يتلقّى تمويلًا من الخارج، من هيئات حكوميّة وغير حكوميّة (الأمم المتحدة، وبعضها للاتحاد الأوروبي، وبعضها جمعيّات أمريكيّة للتنمية أو للمحافظة على البيئة، وحتى من البنك الدولي) وجزء كبير من هذا الدعم المالي ينفق على عقد الندوات والمؤتمرات حول قضايا محدّدة.
 
فمن يحدّد هذه القضايا وأولويّتها وأهميّتها؟ الذي يحدّد هذه القضايا هي الجهة المانحة، أي أن الجهة المانحة تنفق المال لعقد ندوات تجذب إليها الباحثين والمثقّفين، أو تكلّف هؤلاء بأبحاث وفقًا لتصوّراتها، وإذا ما أمعنّا النظر في بعض النقاط نجد أنّ  الماسونيّة كما راجت عند بعضهم لا تمنع من انضمام أيّ عضو لها مهما كان عرقه أو ديانته أو جنسه، وهذا ما نجده في المنظّمات والجمعيّات الحقوقيّة ذات الطابع العالميّ، حيث ينضم لها جميع الأعراق والأديان والأجناس ويكون لها انتشار على مستوى العالم، ولا سيّما في دول الشرق الأوسط، ساحة الصراع الإسرائيليّ- الفلسطينيّ. هذا ونجد أنّ الماسونيّة تنادي بالإنسانيّة والحريّة والعدالة والمساواة، كما تنادي به المنظّمات والجمعيّات الحقوقيّة العالميّة حيث تتبنّى المعايير الإنسانيّة والحريّة والعدالة والمساواة، ولكنّها تغضّ الطرف عمّا تقوم به إسرائيل من تعسّف بحقّ الشعب الفلسطينيّ، فهذه المنظّمات لطالما نادت بحقوق الإنسان ولا سيّما الحقوق النسويّة والمثليّة الجنسيّة والعاملات في المنازل تحت عنوان الاتجار بالبشر، وتطرّقت إلى القوانين وعملت على استقطاب الحقوقيّين والمحامين والناشطين الاجتماعيّين للدفاع عن هذه القضايا، إضافة إلى شريحة  من النساء اللواتي يواجهن أزمات نفسيّة واجتماعيّة، ولكنّها  تغضّ الطرف عمّا تقوم به الصهيونية في فلسطين، فهل هذا صدفة؟ ومن أوجه التشابه أيضا صفة «اللادينيّة» التي هي من السمات الواضحة والبارزة والتي تعزز عن طريق تقويض الأديان بإباحة الجنس واللواط والسحاق واستعمال المرأة كوسيلة لبثّ مفاهيمها التي تتعارض مع بعض المفاهيم الدينيّة، واستغلال العادات والتقاليد إن لجهة إستغلال أخطائها، فيقوم هؤلاء باستغلال هذا الوضع ويهاجمون الدين هجومًا شديدًا متّهمين إيّاه بأنّه سبب ما جرى، ومن ثم تشويه صورته في أعين الناس، وإمّا عن طريق الحرص على تصوير التعاليم الدينيّة مجرّد عادات وتقاليد ما يهون من شأنها ويسهل مهاجمتها ويهون على الناس التخلي عنها، والعمل على تحوير عقول الجماهير، من خلال اعتماد تكتيك استراتيجيّ ومعركة تبدأ من العقل الباطن، وذلك باستخدام سياسة المصطلحات كمصطلح التطرّف والتشدّد والتزمّت في مقابل الحريّة والانفتاح والحوار والوسطيّة، كما نجد أنّ الخمر يطلق عليه «مشروب روحي»، والربا «فوائد ومرابحة»، والشذوذ الجنسي «مثليّة وإنسانيّة»، وفي هذا الطار نلاحظ انتشارًا واسعًا لورش التدريب المجانيّ والندوات مع الضيافة المترفة وإقامة المؤتمرات التي يرافقها ظاهرة الترفيه عن النفس التي تقام في أفخم الفنادق، واللافت أنّ بعض هذه الفنادق  تضمّ في أروقتها  بعضًا من الإشارات والرموز الماسونيّة رمز «المثلث أو الهرم» وفوقه «العين» إضافة الى قرون الشيطان، والجمجمة والعظمتين فهل هذا مصادفة أيضًا؟ ناهيك عن السعي لشرذمة شرائح المجتمع  (المرأة- الرجل، المثلي- الطبيعي، الخادمات- أرباب العمل) لتتصارع بشكل دائم، والعمل على تهديم المبادئ الأخلاقيّة والفكريّة والدينيّة ونشر الفوضى، وتفتيت العالم العربي إلى دويلات وكانتونات، وذلك بمحاولة إحداث تجزئة داخلية في كلّ بلد عربي، حتى ينشغلوا بأنفسهم وينسوا تمامًا أنّهم أمة واحدة. 
وبالمقابل ماذا نرى من ردّة فعل هذه المنظّمات ضدّ إجرام اليهود الصهاينة في فلسطين مع إثارة الفوضى في جميع دول العالم بما فيها الشرق الأوسط ؟!
 
إنّ الاختراق الذي نلاحظه من قبل المجتمع المدني لا ينحصر بتبنّي الموضوعات التي تريد الجهة المانحة توجيه الاهتمام إليها، وإهمال موضوعات أخرى قد تكون أكثر إلحاحًا وأهميّة من وجهة نظر مجتمعاتنا، بل تكمن الخطورة أيضًا في النتائج التي يفترض أن تتوصل إليها تلك الندوات والمؤتمرات، والتي لا ينبغي لها أن تتعارض مع توجّهات الجهة المانحة ورؤيتها السياسيّة أو الاجتماعيّة أو الثقافيّة لقضيّة المرأة، أو لقضيّة العائلة، أو للعنف، أو للنظرة إلى الآخر، أو للتسامح وللدين... وغير ذلك. هكذا تحوّلت كثير من الجمعيات والهيئات إلى واجهات تعرض ما يطلبه «السوق» أي البضائع التي تحقّق الربح المباشر، فهل يسجّل هذا الربح لصالح الماسونيّة العالميّة؟ سؤال يطرح للبحثّ!!!!
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 8