إشكاليّة الانتماء لـ الإمام علي (ع )

د. رلى حطيط_ عربي برس

2019.08.16 - 08:08
Facebook Share
طباعة

 لقد تركت حادثة الغدير «ولاية الامام علي (ع)»؛ آثارها العميقة في الإسلام، واستطاعت اختصار التاريخ الإسلامي بتنوّعه واختلافاته وصراعه؛ لذا لا نستطيع تهميشها ، فهي تفرض نفسها ككل قضايا التاريخ التي تلقي بظلالها على الحاضر والمستقبل،  فهي محطّة تاريخيَّة مفصليَّة مذهبيَّة من تاريخ الإسلام الّذي لا بدَّ من كشف النّقاب عنه، بطريقة  موضوعيّة علميّة، بعيدًا عن العصبيَّة المذهبيَّة أو الطائفيَّة.

وعندما نريد أن نؤكّد مسألة الولاية للإمام علي بن أبي طالب (ع)، وللأئمّة من أهل البيت (ع)، فإنّنا لا ننطلق في المسألة على أساس الطائفيّة، بل ننطلق من الأسس الفكريّة الموضوعيّة التي يركزها القرآن في قوله تعالى:{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، وذلك على أساس العلم والحجّة والبرهان من خلال الثوابت التي نلتقي عليها.

ومسألة الخلافة في عمقها وحركيّتها- في واقعنا الحالي- هي في المصدر الذي نأخذ عنه معالم الدين، وعلى المسلم البحث عن هذه المسألة، على أساس الحوار العلميّ الهادىء، ورفض كلّ أسلوب يمكن أن ينطلق في عمليّة فتنة أو تفرقة بين المسلمين، التزامًا بالولاية للإمام علي (ع)، من حيث عقله وهدفه الكبير، وأسلوبه ومنهجه في الحرب والسلم.

إنّ العلاقة بين الإنسان الملتزم بخطّ أهل البيت (ع) والإمام علي بن أبي طالب (ع)  ليست علاقة عاطفيّة في حدود الحبّ والمودّة فقط، بل هي أكبر من ذلك بكثير، إنّها علاقة المأموم بالإمام، علاقة الرعيّة بالقائد. وهذه العلاقة لا تكتفي بالشّعائر والشّعارات والمظاهر فقط التي تشكّل قشرتها الظاهريّة، بل تتخطاها إلى الجوهر الذي هو السّير على خطى الإمام (ع) في الفكر والعقيدة، في العبادة والتقرّب إلى الله، في العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة، في السّوق والاقتصاد، وفي السياسة والإعلام  .

فهل إنّ الذين يلتزمون عليًّا في الولاية يلتزمونه عنوانًا، أم تعلّموا منه واقتربوا من عقله وروحه؟ هل تعلّموا من قلبه الذي اتسع للإنسان كلّه، أم بقيت قلوبهم مغلقة عن كلّ محبة؟ ولم يتعلّموا من حركته في علمه وآفاقه الواسعة، وبقوا يعيشون الأفق الضيّق؟ 

إنّ منهج الإمام علي(ع) يسير على مراعاة مصلحة الإسلام العليا على حساب خصوصيّة الإنسان  فيما يلتزمه، دون أن يتخلّى عن مبادئه وقناعاته فيما تفرضه مسألة الحجّة أمام الله (عزّ وجلّ)، حيث يؤكّد الحقّ في الغدير تزامنًا مع منهج الإمام علي (ع) في الوحدة الإسلاميّة، وفي الحوار مع الذين اختلفوا معه.

إنّ مشكلتنا في هذا العصر ليست مشكلة الذين يحاربون الإسلام فحسب، إنّما مشكلة الذين يتحرّكون في خطّ التخلّف الذي يفرضونه على الإسلام، فيعيشون على هامش الإسلام بدلاً من السّير إليه، ما يجعل الجيل المعاصر أمام تحديّات كبرى للاستقامة والسلوك القويم.

من هنا نبدأ لنأخذ بأسباب الثقافة، ولنعرف كيف تصاغ المفاهيم وتحدّد على أساس الإسلام، وأن نعرف كيف ننفتح على الحياة من خلال الإسلام في الإطار الذي قدّمه الإمام علي بن أبي طالب (ع) بكلّ ما تركه  من تراث فكره وروحه وحركته في الحياة، فحقيقة الانتماء ليست عنوانًا أو شعارًا إنّما هي خط يسير عليه الملتزم بمدرسة أهل البيت (ع)، وحركة ينفتح عليها، فالانتماء هو انتماء الرسالة والإيمان والمسيرة وليس انتماء قرابة أو نسب.

وهذا ما يجعل دراسة الموضوع بحاجة إلى شموليّة واستيعاب لكلّ المواقف، وكذلك بحاجة إلى دقّة في استخلاص النتائج، وليس يسيرًا أن نصير إلى استنتاج سريع من خلال هذا المقال  التمهيديّ الذي  قد يسهم في وضع خطوط عريضة لهذه المسألة، بانتظار من يتقدّم لدراسات أخرى حول الموضوع ذاته ربما تكون أكثر شموليّة وسعةً.

واذ نشدّد على أهميّة اتُّخاذ الخطوات والإجراءات وإعادة قراءة معمّقة  لتؤكّد الانتماء الصحيح، وتبعد كلّ الخرافات التي ألصقت به، بحيث تكون قراءتنا منطلقةً من روح العصر الَّذي نعيشه، بعيدًا عن القوالب الجامدة، ولأجل ذلك، ينبغي لنا أن نلمَّ بشؤون عصرنا وزماننا، وبمشاكله وتحدّياته، حتى نستطيع مواجهة هذه التحدّيات، وخصوصاً التحدّي الثقافي، الَّذي يحمّلنا مسؤوليّة مواجهة التشويه الَّذي يلحقه بعضهم بصورة الانتماء السّليم.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 6