تحقيق:العنف في مصر، المخدرات والجريمة

خاص مراسل عربي برس - القاهرة

2019.08.18 - 03:38
Facebook Share
طباعة

 

المخدرات والجريمة والتطرف في الشوارع الخلفية
 
إذا كنت لم تزر القاهرة من قبل، فلعلك كونت صورة ذهنية عن كونها مدينة كبرى مزدحمة بالسكان، لكن هذه الصورة لا تتعدى حدود المعرفة السطحية، وغذا كنت قد زرتها كسائح ففي الغالب أنت رأيت القاهرة بعيني زائر يبحث عن الراحة والاستجمام، وبالتأكيد انبهرت بشوارع وسط البلد ومبانيها العتيقية إطالية وفرنسة الطراز، وكورنيش النيل الممتد من حلوان جنوبا وحتى شبرا الخيمة شمالا، ومررت بأهرامات الجيزة بشموخها الذي لم تقهره سنواتها التي تقترب من نحو الأربعة الأف عام، هي القاهرة الساحرة التي كتب عنها ألاف الكتاب ووقف أمامها المؤرخون بأنبهار.
 
لكننا اليوم لسنا أمام مدينة أو هاصمة كبيرة من أكثر عواصم العالم ازدحاما وتكدسا بالسكان، لكننا وباطمئان يمكن أن نقول أننا أمام دولة مترامية الاطراف، يفوق عدد سكانها تعداد دول بأكمالها، فقد انضمت للقاهرة التاريحية مدينتي الجيزة وبنها عاصمة محافظة القليوبية ليشكل هذا الثلاثي ما يعرف الآن باسم القاهرة الكبرى، ويسكن هذا الحيز السكني نحو 22 مليون نسمة، فيبلغ عدد سكان القاهرة نحو 10 ملايين نسمة، ويبلغ سكان مدينة الجيزة 7 ملايين و 817 ألف نسمة ، فيما يبلغ سكان مدينة بنها 5 ملايين و 295 ألف نسمة، وذلك بحسب بيانات المركز القومي للتعبئة والإحصاء، وهذا العدد يزيد بنحو 5 ملايين يدخلون إلي العاصمة ويخرجون منها يوميا.
ويمكن أن نتخيل هذا العدد الهائل من البشر في تلك المساحة المحدودة من الجغرافيا، وما يمكن أن ينتج عن تكدسهم وسعيهم لقضاء حوائجهم وتوفير أسباب الحياة، والخدمات التي يحتاجون إليها من مواصلات عامة ومدارس ومستشفيات وطرق وغيرها من الخدمات الأساسية.
 
هذا التكدس الرهيب بالسكان خلق حول القاهرة الكبرى ما يمكن تسميته ببؤر العشوائيات، بدأت هذه البؤر تتشكل في عقد الثمانينيات من الألفية الماضية في البداية تشكلت تلك التجمعات السكانية على أطراف الأحياء القديمة كامتداد طبيعي، وكان هذا الامتداد السكاني يتكون من عمال مهرة وتجار صغار وبعض مقدمي الخدمات المعاونة ولم يكن يشكل خطرا أمنيا أو مجتمعيا.
 
استمرت هذه البؤر في الامتداد والاتساع خلال العقود التالية، وأسهمت الأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية في تفاقمها وتنامي خطرها، بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 عاد ملايين من العمال المصريين إلي مدنهم وقراهم خاويي الوفاض يبحثون عن لقمة العيش، وزادت الأزمة حدة بعد الغزو الأمريكي البريطاني للعراق اوحتلاله عام 2004 فعادت البقية الباقية من المصريين يحملون على أكتافهم عبئ الحاضر والخوف من المستقبل، أما الكارثة الكبرى فكانت مع احداث الربيع العربي عام 2011 والتي انتهت بسقوط عدد من الدول العربية في فخ الفوضى والحروب، وكان من أهم تلك الدول تأثيرا على مصر - التي تأثرت هي نفسها داخليا - ليبيا التي كان يعمل ويعيش بها نحو 3 ملايين مواطن مصري يعولون أسرهم ويوفرون لهم اسباب الحياة.
ولأن مصر مثلها مثل أغلب الدول العربية يتركز نشاطها الاقتصادي في العاصمة، فقد شهدت القاهرة موجات متتالية من الهجرة الداخلية من أبناء الريف ومحافظات الصعيد بحثا عن فرصة عمل حتى لو كانت مؤقنة، وبحث هؤلاء بالتالي عن مأوى وخدمات توفر لهم سبل العيش في تلك الغابة الكبيرة، ولم تجد الأغلبية الكاسحة من هؤلاء النازحين سوى أطراف المدينة وأحشائها الضيقة للاستيطان فيها وبناء منازل عشوائية تستمد خدماتها الأساسية من الأحياء المجاورة وبشكل غير قانوني كسرقة خطوط التيار الكهربائي وخطوط المياه، حتى تضطر الدولة إلي تقنين تلك الاوضاع خضوعا للأمر الواقع.
 ارتفاع غير مسبوق لمعدلات الجريمة:
 
خلال العامين الماضيين يمكن أن تشكل صورة الجريمة والعنف مشهدا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي انتجت ملايين من الذين يعملون فيما يمكن تسميته باللامهنة، مثل سائقي التوكتوك والباعة الجائلين والسماسرة وغيرها، ففي تقرير صادر عن موسوعة قاعدة البيانات نامبيو، تحتل مصر المركز الثالث عربيا في معدلات النف والجرائم بعد ليبيا والجزائر، ويشير التقرير إلي أن جرائم القتل ارتفعت بنسبة 130% ، بينما ارتفعت جرائم السرقة بالإكراه بنسبة 350 %، ويقول التقرير أن عدد البلطجية في مصر يبلغ 92 ألف بلطجي، بينا ارتفع عدد المسجلين خطر في دوائر الأمن العام بنسبة 55% .
كما كشف تقرير لقطاع مصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية المصرية حول معدلات الجريمة فى مصر عن ارتفاع معدلات الجرائم بشكل عام فى العام الماضي، خاصة القتل والسرقة بالإكراه وسرقة السيارات، إذ سجلت ٥٨١٤ كما تصاعدت حوادث الجنح بصفة عامة وسجلت ٤٠٢٢٢ حادثة.
واشار تقرير وزارة الداخلية إلي ن نسبة الزيادة فى معدل جرائم القتل العمد بلغت ١٣٠٪، أما معدلات السرقة بالإكراه فقد زادت بنسبة ٣٥٠٪؛ إذ سجلت ٢٦١١ جريمة، أما سرقة السيارات فقد زادت بنسبة ٥٠٠٪، وأكدت إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية أن فى مصر أكثر من ٩٢ ألف بلطجى ومسجل خطر، ارتكبوا جرائم قتل واغتصاب وخطف.
كما أكد تقرير صدر مؤخرا عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية‏، ارتفاع نسبة المسجلين‏ ليزيد على ‏٥٥٪‏ من إجمالى المسجلين البالغ عددهم رسميا ٩٢ ألفا و‏٦٨٠‏ شخصا، بحسب البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية، بخلاف غير المسجلين فى الأوراق الرسمية.
المخدرات .. من الأوكار السرية إلي الدليفري:
 
وإذا كنت تتحدث عن الجريمة والعنف فسيقودك الحديث على الفور إلي تجارة المخدرات التي تنوعت أشكالها ومصادرها بشكل غير مسبوق خلال الأعوام الماضية، فلم تعد منطقة "الباطنية" في القاهرة هي المنطقة الوحيدة المشتهرة بتلك التجارة، ولم يعد الحشيش والأفيون والهيروين، هي كل أنواع المواد المخدرة، فقد دخلت السوق وبقوة العقاقير المخدرة التي اصبحت تباع علنا في شوارع المانطق العشوائية وسرا في بعض الصيدليات، ويأتي على راسها أقراص الترمادول ومخدر الأستروكس.
وتعد مناطق شبرا الخيمة والمثلث الذهبي بالقليوبية والخانكة أحد معاقل تجارة المخدرات في مصر حاليا، وتدار هذه التجارة عبر عصابات منظمة يملكون السلاح ويتاجرون فيه أيضا، كما أنهم يعتبرون تلك المناطق مناطق مغلقة لا يستطيع أحد الدخول إليها إلا أهلها.
ومؤخرا كشف المسح القومى للصحة النفسية وسوء استعمال المواد المخدرة بين طلاب المدارس الثانوية لعام 2017 / 2018 الصادر عن وزارة الصحة والسكان، إن معدل انتشار إدمان المواد المخدرة بلغ 0.86% بين طلاب المدارس الثانويةأي ما دون السابعة عشر عاما.
وكشف التقرير عن انخفاض سن التعاطي للمخدرات ليصل إلى مرحلتي الطفولة والمراهقة و تدني سن بدء تعاطي المخدرات ليبدأ في عمر 11 عاما, وسن بداية التدخين إلى 9 سنوات بينما كان في السابق يتراوح بين 30 إلى 40 عاماً
 
وأوضح التقرير أن 58% من المدمنين يعيشون مع الوالدين، مشيرا إلى الغياب الواضح لدور الأسرة في رعاية الأطفال، 
وأشار إلى الصلة الوثيقة بين التدخين وبين إدمان المخدرات، لافتا إلى أن 99% من المدمنين يدخنون السجائر من بينهم 18,9% يدخنون أكثر من 40 سيجارة يوميا.
وعن أسباب اللجوء إلى المخدرات، فإن 30,6% من المتعاطين يعتقدون أنها تساعدهم في زيادة القدرة البدنية والعمل لفترات أطول، فيما يعتقد 36,6% أنها تؤدي إلى نسيان الهموم، طبقا للتقرير.
 
ويرى 34,8% أنها تساعدهم على التغلب على حالات الاكتئاب، بينما يرى 36,4% أن المخدرات تؤدي إلى "خفة الظل"، ويعتقد 7.29% أنها تساعدهم على الجرأة، ويرى 26,2% من المدمنين أن تناول المخدرات هو أحد أسباب الإبداع في العمل.
 
وكشف التقرير أن 29,45% لا توجد لديهم موانع من تجربة المخدرات من دون الدخول في دائرة الإدمان، في حين يعتقد 37,8% أن التجربة لا تسبب ضررا، بينما رأى 33% أنه لا مانع من مصادقة أحد المدمنين.
 
وأشار التقرير إلى إحصائيات وزارة الصحة والسكان المصرية التي كشفت عن أن نسبة تعاطي المخدرات في القاهرة تصل إلى 7% من عدد سكانها
 
وفي العام الماضي أكد النائب في البرلمان المصري عمرو وطني أن حجم تجارة المخدرات في مصر بلغ 400 مليار جنيه سنويا، وأن 80% من الجرائم غير المبررة تقع تحت تأثير تعاطي المخدرات مثل جرائم الاغتصاب ومحاولات الأبناء التعدى على آبائهم، وتعتبر هذه النسبة عالية للغاية وتشكل خطرا كبيرا على المجتمع المصرى، بحسب النائب.
أما خطورة الظاهرة فتتخذ بعدا آخر عند الحديث عما يسمى بـ "دواليب المخدرات" التي اشتهرت بها عدة مناطق في جنوب القاهرة، منطقة "بير أم سلطان" ومقابر "ترب اليهود" بالبساتين و"عزبة خير الله" بدار السلام والعزبة البحرية وعرب غنيم ومنطقة المثلث ومنطقة عرب أبو ساعد والمشروع بحلوان وشارع محمد يوسف بالمعصرة البلد وغيرها الكثير، بالإضافة إلى توزيع المخدرات بمناطق المعادى و15 مايو وباقى المدن والكومباوندات بجنوب القاهرة.
 
تلك المناطق بمجرد دخولها يتهافت عليك الموزعون لسؤالك عن طلبك فى شراء المخدرات، ويبدأون فى عرض منتجاتهم المختلفة، حتى تنتقى ما تريد، بل ويقومون بتقديم العروض المختلفة لجذب الزبون ولمنافسة بعضهم البعض.
 
كشف أحد المتعاملين فى المجال، أن بعضا من عاملى الدليفرى، يقومون بدور الوسيط بين التجار والمتعاطين، حيث يجعلون من توصيل الطلبات المعتادة من أطعمة وغيرها غطاء لنشاطهم، خاصة فى التجمعات والكومباوندات.
في هذه المناطق أو "الدواليب" يمكن أن تشتري المخدرات الخام، ويمكن أن تشتري السجائر المجهزة الملفوفة، كما تباع الانواع المختلفة من المخدرات مثل الفودو والإستروكس والهيروين، حيث يبلغ سعر كيس الإستروكس 250 جنيها، ويباع فى شكل سجائر بـ 25 إلى 40 جنيها الواحدة أمام مخدر الهيروين الذى لا يباع إلا بطلب خاص، فبلغ سعر الجرام منه من 160 إلى 200 جنيها مصريا.
ويقول اللواء محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق، إن انتشار المخدرات في الفترة الأخيرة، في المناطق العشوائية يرجع إلي انشغال رجال الداخلية في مواجهة الإرهاب.
 
وأكد نور الدين أن الحشيش والبانجو بدأ يلقي تراجعا في الأسواق وبدأ ينتشر بدلا منها الترمادول والهيروين مما زاد الأمر خطورة لافتا إلي أن هناك حملات مكثفة في المناطق العشوائية للتصدي لتجار المخدرات، وتابع الخبير الأمني أن هناك ضرورة لشن حملات بشكل يومي على البؤر الإجرامية، وضبط الخارجين على القانون مشيرا إلي ضرورة تغليظ العقوبات على تجار المخدرات.
وعلى الرغم من ذلك فقد وجهت لإدارة العامة لمكافحة المخدرات، والأجهزة الأمنية بمديرية القاهرة، عدة ضربات موجعة لعدد كبير من البؤر الإجرامية، وضبط العديد من مروجى المواد المخدرة، حيث تم ضبط كميات كبيرة من الأقراص المخدرة، قبل دخولها إلى القاهرة وترويجها، كما تم ضبط أيضا كميات كبيرة من مخدر الحشيش والفودو والإستيروكس، فضلا عن باقى أنواع المواد المخدرة، لكن ما زالت هناك كميات كبيرة من المخدرات فى السوق والبؤر الإجرامية.
الطريق إلي الإرهاب يبدأ من الشوارع الخلفية:
منذ نحو ثلاث سنوات انفجرت عبوة ناسفة داخل إحدي الشقق السكنية بمنطقة المريوطية التابعة لحي الهرم، وقتها كان الذهول يعتري الوجوه، وكان السؤال كيف تمكنت خلية إرهابية من التواجد في منطقة كثيفة السكان بهذا الشكل وكيف تمكنوا من استئجار شقة والتردد عليها وصناعة المتفجرات دون أن ينتبه إليهم سكان المنطقة.
بعد تلك الحادثة سقطت عدة خلايا أخرى منها خلية بشارع العشرين المتفرع من شارع الملك فيصل والموازي لشارع الأهرام، وخلية أخرى بحي أرض اللواء الموازي لشارع السودان، وخلية بمنطقة حلوان فيما عرف إعلاميا باسم كتائب حلوان.
 
كانت هذه الخلايا مؤشرا لما جرى خلال العقود الماضية من تغلغل للجماعات المتطرفة في المناطق الشعبية والعشوائية مستغلة الظروق الاقتصادية الصغبة وتدهور الخدمات والأحوال المعيشية بتلك المناطق، ولعل النتائج التي أسفرت عنها انتخابات البرلمان عام 2011 والذي عرف بـ "برلمان الإخوان" تشير بشكل واضح عن مدى قوة ونفوذ تلك الجماعات في هذه المناطق، فقد اكتسح مرشحوا جماع الإخوان والجماعات السلفية الانتخابات وحصلوا تقريبا على كافة مقاعد هذه الدوائر.
الجماعات المتطرفة بدأت العمل في هذه المناطق مبكرا جدا، وانتبهت إليضرورة غياب الدولة لمد أصابعها في تلك المناطق، خاصة مع تدني المستوى التعليمي والثقافي لقاطنيها وهو ما يسهل من انتشار الخطاب الديني، بالإضافة إلي تقديم الخدمات الطبية والاجتماعية من خلال لافتات لجمعيات خيرية حملت كلها أسماء إسلامية.
يعد عام 2011 وصعود جماعة الإخوان إلي السلطة ومواقع صنع القرار في الدولة، تم إطلاق يد الجماعات السلفية والجهادية في العمل بكل حرية، وهو ما ساهم في تجنيد العديد من الشباب إلي صفوف تلك الجماعات، بل ورأينا بعضهم فيما بعد يقاتل في صفوف تنظيم داعش الإرهابي سواء في مصر أو في سوريا أو ليبيا.
 
 
من جانبه أكد اللواء أشرف أمين، مساعد وزير الداخلية السابق، إن المناطق العشوائية بعد أحداث ثورة 25 يناير، والانفلات الأمني في تلك اللحظات، نتج عنه امتلاء تلك المناطق بالأسلحة ودخول كميات كبيرة من المواد المخدرة لتلك البلاد..
 
وأضاف أمين أنه من الصعب الوصول إلي تلك المناطق العشوائية نظرا لضيق الطرق بداخلها لافتا إلي أنه على الداخلية أن تعمل على توجيه ضربات قاسمة لتجار المخدرات في تلك المناطق.
 
الجامعة العربية تدق ناقوس الخطر:
 
في أغسطس الماضي أكدت دراسة للمنظمة العربية للتنمية الإدارية التابعة لجامعة الدول العربية، وجود علاقة وطيدة بين انتشار البطالة والمناطق العشوائية، وبين التطرف والإرهاب، إذ شددت على أن قاطني العشوائيات ويمثلون نحو خمس المجتمع المصري و46 في المئة من سكان محور العاصمة، يتسمون بـ "السلوك الاجتماعي المتدني وتدهور الحالة الصحية والتعليم والثقافة والحالة الاقتصادية، لذا فهي بؤر تهدد المجتمع كله".
 
 
وطرحت دراسة "تأثير البطالة على الأمن في مصر... المشكلة وآليات المواجهة" تساؤلاً عن الأسباب التي تدفع بالإرهابيين للاستعانة بالعنصر البشري الذي يقطن في المناطق العشوائية.
 
وأوضحت الدراسة، التي اعتمدت المنهج الوصفي التحليلي، الصلة بين البطالة وانتشار المناطق العشوائية. وأفادت بأن تفاقم مشكلة البطالة يأتي متفقاً مع سلوك الظاهرة الديموغرافية، إذ تبدو الزيادة السكانية خلال ربع القرن الأخير متعارضة تماماً مع ما تعرضه سياسة الدولة من أهداف تتعلق بالمتغير السكاني والحد من نموه، علماً أن نسبة البطالة تراجعت في آخر إحصاء للجهاز المركزي للتعبئة العامة إلى 10.6 في المئة مقابل نسبة 12 في المئة في الربع الأول من العام الماضي.
 
وأضافت الدراسة أن من أهم أسباب انتشار البطالة والمناطق العشوائية هجرة السكان من المحافظات الطاردة للسكان، مثل المنوفية، الغربية، البحيرة، ومحافظات الصعيد، إلى محافظات الجذب السكاني القاهرة والجيزة والإسكندرية والقليوبية، ما أدى إلى إقامة التجمعات العشوائية على أطراف المدن في هذه المحافظات وزيادة النمو العشوائي والبطالة.
 
ولفتت الدراسة إلى أن عملية الهجرة الداخلية في مصر كانت مقترنة بصفة أساسية باعتبارات اقتصادية من انخفاض الدخول وانتشار البطالة، ورغبة من الأفراد في تحسين أوضاعهم المعيشية، لافتة إلى أن الاهتمام الحكومي خلال الفترة الممتدة من العام 1960 إلى 1986 بضخ الاستثمارات في المدن الحضرية، ساهم في ارتفاع معدلات الهجرة إليها. ولفتت إلى أن مجموعة كبيرة من المحافظات الريفية عانت من انخفاض نصيب الفرد فيها من الاستثمار منها: دمياط، بني سويف، الشرقية، المنيا، أسيوط، ما اقترن بارتقاع معدلات البطالة والهجرة خارجها، ومن ثم انتشار العشوائيات.
 
إلى ذلك، قسمت الدراسة قاطني العشوائيات إلى ثمانية أنواع وهي: الإسكان العشوائي أو الفوضوي الذي تم بناؤه بطريقة جيدة داخل الحدود الإدارية للمدن لكن دون ترخيص وبطريقة عشوائية لم يراع فيها تقسيمات المنطقة، ويكون محروماً من المرافق الأساسية والخدمات العامة، والإسكان المشوه (العشش والأكواخ) وتنتشر غالباً على طول خطوط السكك الحديد والقنوات المائية، والإسكان المجازي أو الهامشي مثل مأرب السيارات إضافة إلى إسكان الغرفة المستقلة وهو أن تقطن عائلة بأكملها في غرفة واحدة، وإسكان المقابر وأحواشها، وإسكان القوارب وهو السكن في قوارب على امتداد نهر النيل أو فروعه وتنتشر بين الصيادين، وإسكان الإيواء، وإسكان جامعي القمامة بجوار ما يجمعونه في مناطق وعرة محرومة من المياه والصرف الصحي.
 
وتقول الدراسة: "لا تعتبر هذه القضية (العشوائيات) فقط مسألة نمو سكني غير صالح فيزيقياً ومعمارياً وبيئياً وسكنياً، وإنما هي قضية نوعية حياة لقطاع كبير من المجتمع المصري، يمثل ما يقرب من الخمس، ويبلغ نحو 46 في المئة من سكان محور العاصمة. وتفرز عدداً من المشكلات منها المخدرات والإدمان، تدهور الحالة الصحية، انخفاض مستوى التعليم وتفشي الأمية وانتشار البطالة، وانهيار الانتماء والولاء والقيم والأخلاق، وارتباط البطالة والعشوائيات بالعنف الإجتماعي، إذ تعتبر العشوائيات من الأماكن التي يجد رجال الأمن فيها صعوبات لضيق شوارعها وعدم قدرة رجال الشرطة على دخولها".
 
وحول ارتباط البطالة والعشوائيات بالعنف والإرهاب، أكدت الدراسة أن المناطق العشوائية مكمن الخطورة لتهديد الأمن القومي، لأنها من أهم بؤر أصحاب الفكر المتطرف والإرهاب، وينبع الخطر من أن قاطنيها يعيشون حياة اجتماعية متدنية ويسهل التأثير عليهم، في وقت يتأثر دور الأسرة في تلك المناطق، فيصعب تربية الأبناء تربية سوية من دون غلو أو إسراف، فيخضع الأبناء لنزوات خارجية، ويحاول أفراد الأسرة الحصول على المال بأي وسيلة ما يجعلهم صيداً سهلاً للإرهاب.
     
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 3