لماذا تتكون أغلب الحركات الإرهابية الدولية من تونسيين؟

احمد نظيف - باريس

2019.08.18 - 03:52
Facebook Share
طباعة

 لماذا يتكون أغلب الارهابيين في سورية والعراق من "تونسيين؟؟

 
على الرغم من طبيعة الصراع التي حكمت علاقة نظام الرئيس السوري الراحل، حافظ الأسد، بجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن بعض الحركات الإسلامية الإخوانية خارج سورية احتفظت بعلاقات عادية، بل وجيدة في كثير من الأحيان مع الدولة السورية. فبعد وصول الترابي إلى حكم السودان سعى لتشكيل مؤتمر يضم قيادات إسلامية وقومية عربية وطالب بمصالحة داخلية بين النظام السوري والإخوان ودعمه في تلك المساعي، زعيم حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي. وفي منتصف تسعينات القرن الماضي استقبلت سورية العشرات من عناصر الحركة الهاربة من الملاحقة الأمنية بعد أن أمهل النظام السوداني الجماعات الإسلامية التي لجأت إليه مهلة قصيرة للخروج من البلاد، في إطار صفقة لتطبيع علاقاته مع الغرب وجرت في ذلك السياق العملية الشهيرة لاصطياد المناضل الأممي كارلوس، العضو السابق في الجهاز الخاص للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
استقبلت سوريا عناصر الحركة الإسلامية التونسية وبينهم عدد من ضباط الجيش التونسي المورطين في ما يعرف «بالمجموعة الأمنية – الجهاز العسكري والأمني للحركة». لم تُسلم سوريا أي لاجئ اخواني للسلطات التونسية يومها ولم تساوم بالقضية أبداً، كما فعلت أنظمة عربية أخرى. وإلى حدود نهاية العام 2010 كانت العلاقات بين حركة النهضة وسوريا علاقات جيدة، فقد كانت النهضة مساندة لما عُرف بمعسكر الممانعة والذي ضم إلى جانب سوريا دولاً وحركات ذات خلفية إسلامية كإيران وحزب الله وحركة حماس الإخوانية وتمتع بدعم قطري وتركي ملحوظ. جاءت موجة الانتفاضات العربية مغيرةً خارطة التحالفات بشكل جذري وانحازت حركة النهضة إلى المعسكر القطري التركي المدعوم أمريكياً وحصلت القطيعة.
مع نهاية العام 2011 استقرت مقاليد حكم تونس في يد النهضة وحليفها منصف المرزوقي، والذي كان أقرب منها للحلف القطري التركي وأكثر تحمساً للسير في المسار العدائي ضد سوريا والذي توجهُ بقرار قطع العلاقات الديبلوماسية مع الدولة السورية في بداية فيفري 2012. لاحقاً وفي 24 فبراير/ شباط من العام نفسه، نظمت تونس وبدعم تركي فرنسي وتمويل قطري، المؤتمر الأول لمجموعة أصدقاء سوريا والذي ضم مجموعة من الدول والهيئات في محاولة لدعم المعارضة السورية السياسية والمسلحة، بعيداً عن مجلس الأمن الذي استخدمت فيه روسيا والصين حق النقض ضد مشروع قرار خاص بسوريا. وقد حضره قادة مما يعرف بالجيش السوري الحر، دخلوا البلاد بجوازات مزورة، واستقبلهم المرزوقي في قصر الحُكم بقرطاج.
كان الموقف السياسي الرسمي في تونس يومها مشجعاً بطرق مباشرة وغير مباشرة لأي عمل عسكري ضد النظام الحاكم في دمشق حتى وإن كلف الأمر ذهاب شباب تونسي للقتال هناك. وكان أنصار السلطة الجديدة يدعون إلى الجهاد ضد الجيش السوري جهاراً في الشوارع وعلى منابر المساجد وكانت شعارات القاعدة والجهاديين تزين الشوارع الكبيرة في العاصمة تونس وبحذوها صناديق جمع التبرعات «للمجاهدين» في سوريا وكانت المساجد التونسية قد أضافت إلى نفسها دوراً جديداً إلى جانب العبادة، بعد أن تحولت إلى مكاتب تنسيق ووكالات أسفار وجهتها الوحيدة سوريا. تواصل هذا الزخم الجهادي حتى بدأت أخبار الشباب التونسي المقتول تصل إلى العائلات وشيئاً فشيئاً تغير الحال إلى الضد رسمياً وشعيباً.
منذ وصولها إلى السلطة، ظهرت العديد من المؤشرات التي تربط بين حركة النهضة وتجنيد الشباب التونسي للقتال في سوريا، مؤشرات تدل على تورط مباشر، وذلك دون التأكيد على التورط غير المباشر من خلال المسؤولية السياسية والأمنية لها باعتبارها الحزب الحاكم وصاحبة الأغلبية في الحكومة والبرلمان. في المقابل، دائماً ما كانت الحركة تنفي أي صلة لها بالملف، بالرغم من التصريحات المثيرة لمسؤوليها حول الموضوع، فرئيس الحكومة التونسية وقتها، حمادي الجبالي، والذي كان في نفس الوقت أميناً عاماً للنهضة، علق على الموضوع بلامبالاة كبيرة قائلاً: «هذا ليس جديداً، الشباب التونسي تحول إلى كل مكان (للقتال) كالعراق وأفغانستان والصومال». أما مستشاره وعضو البرلمان عن كتلة حركة النهضة، الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي، فقد صرح بأنه «يخجل ممن يعتبر جهاد الشباب التونسي في سوريا جرما». وذهب الفيلسوف الكبير في دفاعه عن المقاتلين التونسيين في سوريا بعيداً حين كتب في مقالة نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» بتاريخ 15 يونيو/حزيران 2013: «لن أقبل السكوت أمام النذالات التي أراها تنصب على رؤوس أبطال المستقبل الذين سيعيدون للأمة مجدها ليس بالجهاد المباشر فحسب بل وكذلك بالاجتهاد العلمي الطبيعي والإنساني الشارطين لتحقيق شروط الكرامة والحرية. وأخجل ممن يعتبر ذلك جرماً (. . .)، كذلك فهمت شعاري الثورة وبهما أعلل ضرورة الجهاد وأفخر بوجود شباب تونسي يجاهد في كل أصقاع الدنيا من أجل ما يؤمن به من قيم الكرامة والحرية. ولو كنت شاباً لكنت منهم. وعلى كل فأنا أجاهد بما يناسب سني، باليراع». الغريب في الأمر أن أبا يعرب المرزوقي كان طيلة السنوات التي سبقت الأزمة السورية، وقبل أن يتحول عنده النظام السوري إلى «طاغوت» يجب الجهاد ضده، كان يسافر إلى سوريا بدعوة من السفارة السورية بتونس لإلقاء محاضرات حول الممانعة. بل ذهب الأمر بالقيادي في الحركة ونائبها في البرلمان، الحبيب اللوز، إلى التحسر على سنوات شبابه التي ضاعت دون قتال، حين صرخ في إحدى الإذاعات المحلية قائلاً: «لو كنت أصغر سنّاً لذهبت للجهاد في سوريا».
هجوم السفارة الأمريكية وما بعده
«ماذا يريد هؤلاء الجهاديون؟ يريدون الموت والذهاب إلى الجنة. لماذا يدخلون الجنة على حسابنا؟ فلنعد لهم الأرض كي يستريحوا، ويذهبوا بعيداً عنا. إلى الموت والجنة.» هكذا تفتق ذهن الفريق الأمني الموجه لوزارة الداخلية حينذاك عن خطة للتخلص من التيار السلفي الجهادي، الذي تحول إلى عبئ ثقيل يهدد وجود حركة النهضة في السلطة.
في أعقاب هجوم السفارة الأمريكية في سبتمبر/ أيلول 2012، أدركت حركة النهضة، أن وجود التيار السلفي الجهادي في الساحة المحلية سيكون وبالاً عليها. وحرجاً لها أمام الداخل المعارض والخارج الراعي. وأدركت أن القضاء على التيار داخلياً أصبحت مسألة صعبة، وبقائه ناشطاً كما الحال في 2011 وخلال النصف الأول من 2012، ستكون مسألة أكثر صعوبة، ستدفع فيها أثماناً باهضةً، وسيكون أقلها خروجها من السلطة. فانتهجت نهجاً وسطاً، من خلال محاولة إفراغ الساحة التونسية من العدد الأكبر من شباب هذا التيار، وحتى عن بقي منهم جزء، استطاعت لاحقاً السيطرة عليه بالاستمالة أو بالضرب.
كانت الجبهات الجهادية الملتبهة شرقاً، هدية من السماء بالنسبة لحركة النهضة. والظروف الدولية مشجعة، والشركاء الدوليون متحمسون لأكبر عملية نقل مقاتلين في تاريخ المنطقة. ومنذ خريف العام 2012 أصبحت الأجهزة الأمنية تغض الطرف عن عمليات الخروج المنظمة التي كانت بعض الخلايا السلفية تقوم بها نحو سوريا والعراق مروراً بليبيا أو مباشرةً عبر تركيا.
تاريخياً كان الجهاديون التونسيون تقريباً الأقل عدداً في التجارب الجهادية السابقة في أفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق والجزائر مقارنةً بالشباب القادم من السعودية واليمن ومصر وليبيا والجزائر. لكن الأمر تغير جذرياً بعد سقوط نظام بن علي في العام 2011. إذ تشير أغلب التقديرات إلى أن الجنسية التونسية هي الأكثر حضوراً في الساحة السورية والليبية. ففي التجارب السابقة كانت عمليات التسفير تحدث في ظروف أمنية صعبة وكانت الدولة المركزية في أوج قوتها حتى أنها نجحت في الفترة بين 2003 و2010 في تفكيك العشرات من شبكات تسفير الشباب التونسي إلى العراق وفي تفكيك البنية التنظيمية للتيار الجهادي. لكن الأمر لم يعد يتعلق فقط بضعف سلطة الدولة، بل بحياد أجهزتها أمام نشاط خلايا التسفير. فلم يكن من المنطقي أن يخرج أكثر من أربعة ألاف شاب تونسي نحو جبهات الحرب دون أن تدرك الأجهزة الأمنية أن خرقاً كبيراً قد حدث ومازال يحدث.
بدأت المجموعات الجهادية في العمل على تسفير الشباب إلى الجبهة السورية منذ نهاية العام 2011. وأول دفعة من القتلى التونسيين في سوريا كانت من مدينة بنقردان، سقطوا في صفوف كتيبة الفاروق التابعة للجيش السوري الحر في حمص، بداية العام 2012، وهم محمد لافي (26 عاماً) ووليد هلال (21 عاماً) وبولبابة بوكلش، ومحمد الجراي. ثم أصبحت أخبار القتلى في الصراع تصل بين الحين والأخر. لكن مع نهاية العام 2012 قفز عدد المهاجريين إلى الشرق بنسبة كبيرة جداً. إذ تشير أرقام نشرها المركز التونسي لدراسات الإرهاب في دراسة له سنة 2016 إلى أن نسبة خروج الشباب التونسي للقتال والانضمام لتنظيمات إرهابية في الخارج ارتفاع بحوالي 50 في المئة.
في أواخر العام 2012 قرر شاب سلفي يسمى، محمد السويسي، التوجه للقتال في سوريا ولم يجد أي صعوبات في السفر نحو تركيا، ثم دخل إلى الجبهة السورية الملتهبة وقتل هناك. وخلال فترة غيابه توجه والده، الضابط المتقاعد في الجيش التونسي، أمين السوسي، إلى مكتب زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، برفقة عائلة أخرى غادر ابنها أيضاً، قال له الغنوشي: «أن يموت ابنك في سورية أفضل من أن يموت هنا. سيكون شهيداً وسيشفع لكم يوم القيامة. قتال بشار الأسد أفضل من البقاء هنا». يؤكد السوسي أن ما قاله الغنوشي للعائلتين اللتين قصدتاه للمساعدة في استعادة ابنيهما، يكشف قضية مسؤولية حركة النهضة عن تضخم هذه الظاهرة في ظل نفوذها وفي ظل حكومتيها في تونس.  (عن جريدة الحياة)
كانت سياسة الحركة الأمنية ومواقفها السياسية تشيع جواً من تشجيع الظاهرة. والتسامح معها من خلال غض النظر على شبكات التجنيد والاستقطاب التي كانت تعمل بنشاط في المساجد وفي الأحياء وكذلك من خلال تسهيل إجراءات استخراج وثائق السفر لفائدة العناصر الجهادية المشتبه بها. حتى أن عائلات كثيرة قد أبلغت أجهزة الأمن عن نوايا أبنائها بالتوجه نحو سوريا وليبيا والعراق، لكن الأجهزة لم تمانع في منح هؤلاء لجوزات سفر جديدة ولم تصدر في حقهم قرارت بمنع السفر. كان الموقف السياسي الرسمي في تونس يومها مشجعاً بطرق مباشرة وغير مباشرة لأي عمل عسكري ضد النظام الحاكم في دمشق حتى وإن كلف الأمر ذهاب شباب تونسي للقتال هناك. وكان أنصار السلطة الجديدة يدعون إلى الجهاد ضد الجيش السوري جهاراً في الشوارع وعلى منابر المساجد وكانت شعارات القاعدة والجهاديين تزين الشوارع الكبيرة في العاصمة تونس وبحذوها صناديق جمع التبرعات «للمجاهدين» في سوريا وكانت المساجد التونسية قد أضافت إلى نفسها دوراً جديداً إلى جانب العبادة، بعد أن تحولت إلى مكاتب تنسيق ووكالات أسفار وجهتها الوحيدة سوريا. تواصل هذا الزخم الجهادي حتى بدأت أخبار الشباب التونسي المقتول تصل تباعاً.
حاولت حركة النهضة اللعب على التناقضات التي تشق التيار السلفي الجهادي، فهي تدرك جيداً معارضة الشيخ الخطيب الإدريسي لمسألة التنظيم في تنظيم هرمي، وكانت مقتنعةً أن تنظيم أنصار الشريعة لم يكن تنظيماً دعوياً واجتماعياً فقط، بل يملك جهازاً سرياً يعد نفسه وعناصره للعمل العسكري. فمصالح الاستخبارات في وزارة الداخلية كانت ترفع للوزير عليّ العريض التقارير المؤكدة لهذه الحقيقة. لكن قيادة حركة النهضة كانت تصر أمام الرأي العام على أن العنف السلفي ليس إلا صنيعة قوى داخل الدولة موالية للنظام السابق كما صرح بذلك بوضوح في أفريل/ أبريل 2013، زعيمها راشد الغنوشي عندما قال: «بعض الأطراف السياسية تحاول دفع أبناء التيار السلفي لمواجهة حركة النهضة فتجار الحروب، يعتقدون أنه بمجرد دفع السلفيين الى مواجهة حركة النهضة سيتم القضاء عليها وافشال المشاريع الحكومية، لذلك فهم يحاولون صنع المشاكل الوهمية بدل عن المعارك التنموية والاقتصادية الأصلية».
وفي الكواليس أصبحت العلاقة بين الحركة وجماعة أنصار الشريعة متوترة إلى أبعد الحدود. فيما توجهت قيادة الحركة إلى الخطيب الإدريسي كي يقوم بدور في إقناع الشباب السلفي بضرورة الالتزام بالشعار الذي أطلقه التيار منذ البداية لاعتبار أن تونس أرض دعوة وليست أرضاً للجهاد. في الوقت نفسه كانت العلاقة بين الخطيب الإدريسي وقيادة تنظيم أنصار الشريعة قد أخذت في التدهور، وأصبح التنظيم، الذي قدم بيعته لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وللشيخ أيمن الظواهري أمير قاعدة الجهاد، لا يلتفت إلى ما يصدره الإدريسي من توجيهات. وانقطعت اللقاءات بين الطرفيين، مع دخول سيف الله بن حسين – أبو عياض -في حالة السرية، في أعقاب هجوم السفارة الأمريكية.
وخلال هذه الفترة فوض الإدريسي مجموعة من شيوخ التيار السلفي، للتفاوض مع السلطة، خاصة بعد حادثة وفاة الشابان السلفيان في السجن، التي أوشكت أن تتسبب في اندلاع انتفاضة سلفية ضد حكومة حركة النهضة، ليجد الشيخ الإدريسي نفسه يومها مضطراً لاتخاذ خطوة لتهدئة أتباعه. وكان على المجموعة المفاوضة الشيخ خميس الماجري، العضو السابق في حركة النهضة، وعماد بن صالح ونجل الشيخ القيرواني محمد خليف. وكان أغلب هؤلاء على علاقة متوترة مع أبو عياض، بسبب قضية التنظيم أولاً، وثانياً لأنهم من أنصار الجهاد خارج تونس وليس داخلها، وهم في ذلك على مذهب الشيخ الإدريسي.
التقطت حركة النهضة هذا الخلاف الجوهري داخل التيار السلفي، وحاولت أن توظفه وتوظف معه الثقل الأدبي للشيخ الخطيب الإدريسي لدى عموم الشباب السلفي. فقد كان يحظى بشعبية واسعة وكلامه مسموع، حتى لدى قواعد تنظيم أنصار الشريعة. كان النهضة تريد إفراغ الساحة التونسية من كل من يحمل نفساً جهادياً، في محاولة لتحسين شروط الحكم، فقد وجدت نفسها تحارب على أكثر من جبهة: جبهة المعارضة الديمقراطية، جبهة السلفية الجهادية، جبهة الفشل في معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي القائم. وكانت الجبهة السلفية بالنسبة لها أخطر الجبهات لما يمكن أن تسببه لها من إحراج، خاصة على المستوى الدولي.
كان توجه حركة النهضة نحو تقوية جناح الخطيب الإدريسي وإضعاف جناح أنصار الشريعة. وكان الفريق الأمني للحركة داخل وزارة الداخلية يتحرك في اتجاه منح مزيد من التسهيلات في الوثائق والسفر لكل السلفيين الذي قرروا الهجرة نحو الشرق مقاتلين. في المقابل كان تنظيم أنصار الشريعة يوجهوا قياداته إلى مزيد ضبط القواعد من الشباب، وثنيهم عن الخروج من تونس. وقد صرح أبو عياض خلال تلك الفترة بأن «موقف أنصار الشريعة ضد افراغ الساحة من شبابها وطاقاتها وكوادرها. تونس أولى شبابها وكوادرها من أي بلد أخر، خاصة وأن سوريا فيها الاكتفاء الذاتي، من أعداد المجاهدين، فهم ليسوا بحاجة للتونسيين بل نحن في حاجة لهم. نحن ندعو شبابنا إلى ألا يخلوا البلاد». كان للجماعة مشروع متكامل في تونس، يرمي إلى إقامة إمارة إسلامية، وكانت تعتبر تلك الفترة، مرحلة إعداد واستعداد، من خلال بناء تنظيم مُحكم والعمل على كسب الحاضنة الشعبية من خلال العمل الاجتماعي والخيري وكسب الأنصار من خلال العمل الدعوي والمدارس الدينية والمساجد. وكانت حركة النهضة، ترى في مشروع أنصار الشريعة أو في محاولة بنائه، منافساً لها وسيؤدب بها إلى خارج السلطة.
وكانت قيادة أنصار الشريعة واعية بالمخطط الذي سارت فيه حركة النهضة، بفسح المجال أمام الشباب الجهادي للخروج للقتال في سوريا والعراق وليبيا. وقد كشف أبو عياض في مقابلة صحافية في بداية العام 2013، أياماً قليلةً قبل اغتيال المعارض اليساري، شكري بلعيد، عن وجود «خطة لإفراغ الساحة» التونسية من الشباب الجهادي. وقال: «هناك سياسة خبيثة جداً هي محاولة إفراغ هذه الساحة من الشاب – السلفي الجهادي – الفاعل في هذه البلاد، وللأسف الكثير من شبابنا لا يدركونها، لأنهم لا يستطيعوا أن يصبروا أكثر تجاه الجرائم التي ترتكب في سوريا أو غيرها من البلدان. فالذي يتمناه الأعداء، أن جميع الكوادر الجهادية تغادر البلاد».
إخلاء «الساحة الجهادية»
هذه الخطة، التي كان هدفها إخلاء البلاد من الجهاديين كي تستقر الأمور لفائدة حركة النهضة وتوطد أركان حكمها، كانت تتقاطع دولياً وإقليمياً مع خطة أخرى، ذات أهداف أكبر، هي إسقاط النظام الحاكم في سوريا. وكانت هذه الخطة تقوم على تحويل سوريا إلى ساحة حرب واسعة من خلال حشد الدعم لقوى المعارضة السياسية وغير السياسية، حتى لو تطلب الأمر دعم الجماعات الجهادية. وكانت تقف ورائها دول عربية وإسلامية في مقدمتها قطر والسعودية وتركيا، وكذلك قوى غربية كفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. والأمر، بعد أكثر من ستة سنوات، لم يعد سراً. فقد كشف، حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء القطري ووزير الخارجية السابق، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي القطري، عن تورّط كل من قطر والسعودية في الملف السوري بالتنسيق مع واشنطن وأنقرة، وصلت إلى حد دعم مقاتلين من جبهة النصرة، وقال «لدينا أدلّة كاملة لاستلام هذا الموضوع وكان أي شيء يذهب إلى تركيا يُنسَّق مع القوّات الأميركية وكان توزيع كل شيء يتمّ عن طريق القوات الأميركية والأتراك ونحن والإخوان في السعودية، كلهم موجودون عسكرياً».
وافق هذا المشروع الدولي الكبير، هوى في نفس حركة النهضة، التي انخرطت مبكراً في كيل الاتهامات والتصريح بالمواقف المعادية للنظام السوري. ورأت الحركة أن اللحظة سانحة للتخلص من كل هؤلاء الشباب، الذين تحولوا إلى عبئ ثقيل ومصدر حرج كبير. لتفتح بوابات الجحيم، ويتدفق الجهاديون جماعات وأفراد نحو الشام. ضابط أمني كان مستشاراً لرئيس الحكومة الإسلامي حمادي الجبالي، مستذكراً التوجه الذي سلكته الأجهزة الأمنية حينذاك تجاه ظاهرة الهجرة الجهادية: «كان تقييم المؤسسة الأمنية بين 2012 و2013 لظاهرة خروج الشباب التونسي للقتال في سوريا وليبيا والعراق، مغرقاً في المحلية. كانت وزارة الداخلية والجهاز الإستخباراتي يرى أن الظاهرة لا تهم تونس، وأن هؤلاء عابرون إلى ساحات أخرى للقتال، وبالتالي فإن القلق المفرط من الظاهرة غير مبرر. في الحقيقة كان هذا التحليل سطحياً وخاطئاً إلى أبعد الحدود. كان جهازنا المخابراتي ضعيفاً في ذلك الوقت، وقد وقع تحت تأثير أجهزة استخبارات صديقة ذات قوة أكبر. فقد كان الجهاز التونسي يتبادل المعلومات مع أجهزة إقليمية ودولية، ولم يكن بالقوة والصلابة والندية التي تمكنها من مواجهة وتدقيق المعلومات التي كانت ترده من أجهزة أخرى. وقعنا تحت التوجيه من خلال هذه المعلومات الواردة من الخارج، من المخابرات التركية والقطرية وبعض الأجهزة الغربية. كان كل هؤلاء يخدمون أجندة سياسية هدفها إسقاط النظام السوري، وكان يهمهم كثيراً حشد أكبر ما يمكن المقاتلين. هذا الكم الهائل من التحاليل الواردة من الخارج وتأثيراتها جعلتنا نسير خلفها».
الحقيقة ضحية التوافق
في يناير/ كانون الثاني 2017 صادق مجلس النواب التونسي في جلسة عامة، على تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في الشبكات التي تورطت في تجنيد وتسفير الشباب التونسي إلى ساحات القتال وبؤر التوتر في سوريا وليبيا والعراق وإفريقيا جنوب الصحراء. بعد مطالب من قطاعات واسعة من الطبقة السياسية، تعززت بعريضة وقعها 94 نائباً من مختلف الكتل النيابية لتشكيل هذه اللجنة بعد جدل طويل حول شبكات التسفير منذ العام 2012. وفي بداية شهر مارس/ أذار 2017 عقدت اللجنة التحقيق أولى اجتماعاتها، بإشراف رئيس البرلمان محمد الناصر، وتم خلاله التوافق على تركيبة مكتبها.
تواصل الأمر على نفس الحال حتى تاريخ الأول من ماي عندما كشفت رئيسة اللجنة، النائبة عن حركة نداء تونس ليلى الشتاوي، في مقابلة مع إذاعة محلية عن «وجود أسماء تكررت في التحقيقات مع من عادوا من سوريا ويقبعون الآن في السجون، وأكدوا أن عبد الكريم بالحاج – الإخواني الليبي وحليف قطر وتركيا جلس معهم وتحدث إليهم». وأكدت النائبة أن اللجنة «توصلت إلى جملة من المعلومات وأن التحقيق لن ينتهي قبل أواخر 2017، وذلك بعد الاستماع إلى كل الأطراف». كما رجّحت أن يتم طردها من لجنة التحقيق في شبكات التسفير. لأن الأشخاص الذين تبين تورطهم في قضايا تسفير الشباب هم من المقربين من حركة النهضة أو من حلفائها في الخارج كالليبي بلحاج أو النظام التركي. ولأن التوافق القائم في قمة السلطة بين الرئيس الباجي قائد السبسي وحزبه نداء تونس من جانب، وراشد الغنوشي وحركته من جانب أخر، يقف حجر عثرة أمام إعادة فتح الملف ومحاسبة المتورطين فيه. الشتاوي علقت يومها بأن اللجنة «تواجه الكثير من العراقيل في مسار عملها لأنها بدأت تقلق بعض الأطراف خاصة بعد أن بدأت اللجنة تكشف عن الكثير من الحقائق المثيرة والخطيرة المرتبطة بملف الشبكات المتورطة في تسفير الشباب التونسي إلى مناطق النزاع». وفي 16 مارس/ أذار، قرر حزب نداء تونس تجميد عضوية ليلى الشتّاوي من الحزب، والذي يتبعه آليا تجميدها من الكتلة النيابية للحزب.
وتواجه تونس اليوم مخاطر أمنية عالية، تحسباً لعودة هؤلاء المقاتلين، الذي ذهبوا عزلاً، وسيعودون مسلحين ومدربين على حمل السلاح. وتعتبر الجنسية التونسية الأكثر حضوراً في صفوف تنظيم داعش في سورية وليبيا والعراق. إذ تشير أغلب التقديرات إلى أن عدد المقاتلين التونسيين في سورية والعراق يفوق الــ3000  مقاتلاً أما في ليبيا فيشكل التونسيون النسبة الأكبر من عناصر تنظيم داعش، إذ وصل عددهم إلى نحو الــ500 مقاتل. الأمر الذي يضع السلطات التونسية أمام معضلة التعامل مع ألاف العائدين من ساحة الحرب، وهي التي تعاني من وجود مجموعات جهادية ناشطة داخلياً في المنطقة الجبلية الغربية منذ أربع سنوات.
وكشف تقرير أممي، نشر العام الماضي، عن أن تنظيم الدولة، وبعد هزائمه الميدانية، أصبح يُشجّع أعضاءه من الأجانب على العودة إلى بلدانهم وتنفيذ هجمات إرهابية فيها. وكانت وزارة الداخلية التونسية قد أعلنت مطلع العام 2016 عن عودة 600 شاباً كانوا يقاتلون في بؤر التوتر العربية المختلفة. كما أعلنت الوزارة، في تشرين الثاني 2015، عن وضع 92 عائداً تحت الإقامة الجبرية واعتقلت 40 آخرين ضمن مداهمات بعد ثلاثة أيام من تفجير انتحاري استهدف حافلة للحرس الرئاسي في العام 2015.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 9