تونس و التنوير

محمد الأنصاري - القاهرة

2019.09.24 - 09:28
Facebook Share
طباعة

  لم يذكر الدكتور ألبرت حوراني تونس في كتابه الفارق " الفكر العربي في العصر الليبرالي 1798-1939" الا قليلا حيث كان جل إهتمامه منصبا على الدور التنويري للقاهرة و بيروت. بيد أن تونس قد  لعبت دورا في التنويرالعربي لا يقل عن تلك الحاضنتين القاهرة   و بيروت. فبموازاة الطهطاوي و شكيب ارسلان كان هناك خير الدين التونسي و بموازاة رشيد رضا المولود في قرية القلمون و محمد عبده كان هناك العلامة محمد الطاهر بن عاشور صاحب التفسير الشهير المسمى : التحرير و التنوير. 

 
ترجعنا النتائج الاولية للانتخابات التونسية التي جرت الاسبوع الماضي الى حديث ذو شجون حول دور هذا البلد الصغير في مساحته الكبير في اسهاماته الثقافية في مسيرة التنوير العربي .  فحصول أستاذ جامعي على المرتبة الاولى في الدور الاول للانتخابات الرئاسية التو نسية حدث غير مسيوق في أي بلد عربي منذ عرفنا الانتخابات و الاقتراع و الترشيح. و لا يدل ذلك الا على ارتفاع الوعي السياسي و الثقافي للأشقاء التونسيين. 
 
بدأت مسيرة تونس التنويرية قبل الاحتلال الفرنسي بكثير. كانت الفترة القرطاجية (814 ق م -164) فترة ازدهار عسكري و ثقافي حتى ان مملكة قرطاج هددت روما نفسها قبل أن تتمكن هذه الاخيرة من إحتلالها. ولكي لا نبحر في التاريخ بالقدر الذي لا يتحمله هذا المقال, ننتقل الى العلامة ابن خلدون الذي ولد و ترعرع في تونس و درس بجامعة الزيتونة أقدم جامعة أسلامية في التاريخ. 
و اقتبس هنا فقرة من مقال المفكر توفيق جابر عن الارث الثقافي التونسي
"ولست بحاجة الى استعراض كامل تاريخ الأدب والثقافة العربية في تونس، بل يكفي أن أذكّر بأعلام تونسيين  ملأت شهرتهم الآفاق وما تزال مؤلفاتهم مصدر الهام للفكر البشري. ومن ابرز هؤلاء "جمال الدين ابن منظور" صاحب لسان العرب، أكبر موسوعة للغة العربية, فضلا عن مؤلفاته العديدة الأخرى، وكذلك " ابن شرف" صاحب زهر الأدب، و"ابن ظفر الصقلي "وهو أول ألف في أدب الأطفال و"ابن رشيق" صاحب "العمدة"، الكتاب الأدبي الشهير و"حازم القرطاجني" وهو أول من جعل من فن الجمال الأدبي والمناهج الأدبية علما خاصا قائما بذاته و"ابن حمديس" الذي علّم الايطاليين القافية والزجل والشعر الغنائي والوصفي وابن الجزار الذي يعتبر من الأطباء العالميين المعتَمدين في التدريس بأوروبا من القرن العاشر إلى القرن السابع عشر ميلاديا و"علي بن أبي الرجال" وهو من أساطين الفلك في العصر الوسيط."
 
فاذا انتقلنا الى القرن التاسع عشر نجد  أمامنا شخصية عملاقة تناظر في الاثر الفكري التي أحدثته في تونس ما أحدثه رفاعة رافع الطهطاوي في مصر؛ الا و هو خير الدين التونسي صاحب كتاب اقوم المسالك في معرفة احوال الممالك. و قد تدرج في السلك الوظيفي للدولة العثمانية حتى و صل الى منصب الصدر الأعظم في استانبول. 
 
ثم نعرج الي اول عالم  دين غير مصري يتولى مشيخة الازهر في العصر الحديث إنه الشيخ التونسي محمد الخضر حسين الذي تولى المشيخة من 1952 الى 1954. 
الامثلة عديدة و لكن القضية ان مسيرة تونس التنويرية لا تقل عن القاهرة و بيروت بل قد تتفوق عليهما في الوقت الحاضر حتى ان الحركة الاسلامية التونسية اكثر استنارة من كافة الحركات الاسلامية  في سائر العالم العربي. أيضا في تونس توجد مدرسة أكاديمية معتبرة في حقل الدراسات الاسلامية يمثلها رموز مثل هشام جعيط و عبد المجيد الشرفي وبثينة الخلاصي و بسام الجمل. فلا عجب أن ينتخب التونسيون قيس سعيد استاذ القانون الدستوري رئيسا للبلاد.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 8