الحرب في بر مصر

محمد الأنصاري - القاهرة

2019.10.18 - 08:55
Facebook Share
طباعة

 يرشدنا التاريخ, خصوصا تاريخ العالم الثالث, أن النخب و علية القوم كثيرا ما يسطون على نضالات الكادحين المجاهدين و ينسبونها لانفسهم زورا و بهتانا. ذلك ما تقوله بوضوح رواية " الحرب في بر مصر" ليوسف القعيد. حدث ذلك في مرحلة التحرر من الاستعمار و كذلك في مرحلة ما بعد الاستعمار, حتى أن هذا السيناريو أصبح لصيقاً بدول العالم الثالث في آسيا و إفريقيا.

المجاهدون الجزائريون و الليبيون جاهدوا الاستعمار الفرنسي و الايطالي و بذلوا الارواح ليتسلم الحكم نخبة متغربة كانت تتمتع بكل وسائل العيش الرغيد قبل جلاء المستعمِر. و في إفريقيا السوداء تكرر السيناريو في عدة دول. في كينيا قاومت قبائل الماو الماو نصف العراة البريطانيين , فقط ليتسلم الحكم خريج الارساليات التبشيرية جومو كينياتا عند استقلال البلاد عام 1978.

و أيضا تكررت القصة في مرحلة ما بعد الاستعمار مع كل إنجاز قومي. في مصر يحتفل المصريون و العرب بنصر السادس من أكتوبر هذه الايام. بالنسبة لغير المصريين لا تحتمل المناسبة الكثير من التأويل. عبر الجيش المصري القناة بمساعدة عربية خاصة من العراق و الجزائر و ليبيا في الوقت الذي فتح فيه السوريون جبهة ناجحة في الجولان. على صعيد الاستراتيجية الحربية و السياسية بقية القصة معروفة. لكن ما يخص المصريين بالداخل قصة أخرى.

لم يستطع النظام المصري تحويل زخم نصر أكتوبر على الجبهة العسكرية الى طاقة أمل و عمل تدفع المجتمع الى الأمام سياسيا و إقتصاديا. بعد 1973 بأقل من عام أصدر الراحل محمد أنور السادات و رقة الإنفتاح الاقتصادي و كأن النصر العسكري خول له الانقلاب على المكتسبات الاجتماعية للشعب المصري. و بدأت الطبقات الرأسمالية في الاثراء الفاحش من خلال أنشطة طفيلية ليس لها أدنى علاقة بالتنمية الحقيقية. و تبعهم السماسرة و المضاربين. و كأن المحارب المصري مات في الجبهة كي تنتفخ كروش القطط السمان من رجال أعمال و سماسرة. على صعيد السياسة الخارجية, هرول السادات باتجاه الولايات المتحدة معلنا أن 99% من أوراق اللعبة بيدها.

و بالعودة الى رواية يوسف القعيد نجد أن العمدة الثري في أحدى قرى الريف المصري صاحب الثلاث زيجات يخشى من أن يرسل أبنه من الزوجة الثالثة الى الجبهة في حرب 1973. و يصيبه الهم فقد وقع التجنيد الإجباري على إبنه. لم يعد العمدة يستطيع أن يتمتع بالطعام الشهي من خيرات الريف. إلى أن يتفتق ذهن واحد من أعوانه , متعهد الأنفار الذي يمد المزارع بالعمالة, عن فكرة جهنمية. تتلخص الفكرة في إختيار شاب في نفس سن ابن العمدة مع تزوير أوراق ثبوتية له بإسم ابن العمدة ثم إرساله الى الجبهة بدلا من ابن العمدة ذو الأيدي الناعمة. و بالفعل يقع الإختيار على ابن فلاح بسيط ليذهب للجهاد بدلا من ابن العمدة. و في لفتة رمزية من الكاتب يوسف القعيد يجعل اسم البديل " مصري". و تنتهي أحداث الرواية باستشهاد " مصري" في الجبهة . و يتلقى العمدة الخبر ببساطة معطيا أبو مصري مبلغا من المال كتعويض عن فقده ولده. و يقيم العمدة احتفالا كبيرا لابنه العائد من الجبهة و الذي لم يرى إسرائيليا واحدا في حياته ولكن الاوراق الرسمية تقول ان ابن العمدة حارب و انتصر و رجع. ولم يتساءل أحد عن غياب "مصري" الذي أعطوه اسم ابن العمدة و ارسلوه للجبهة ليموت.

مرة أخرى تسطو النخبة على نضالات المقهورين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 6