بائع الجرائد

محمد الأنصاري - القاهرة

2019.11.18 - 07:46
Facebook Share
طباعة

 من بين الالاف من بائعي الصحف و الكتب على الأرصفة في القاهرة , لفت نظري واحد يعمل في قلب حي الزمالك الراقي. من يعرف سوق الكتاب في القاهرة ؛ يدرك مدى انتشار ظاهرة الكتاب المزيف. أي انك مثلا يمكن أن تقتني كتابا باللغة الانجليزية في التنمية الذاتية من أحد المكتبات الراقية في القاهرة ببضع مئات من الجنيهات. اذا عبرت الشارع يمكن ان تجد نفس الكتاب في نسخة مزيفة بثلاثين او أربعين جنيها لدى أحد بائعي الكتب على الأرصفة. انا لا أُ برأ صاحبنا من تلك التهمة فهو منخرط في بيع الكتب المزيفة مثله في ذلك مثل الالاف من باعة الارصفة. بيد أن مكمن الاعجاب هنا في بعض الصفات التي يتميز بها هذا البائع عن أقرانه؛ مما يجعله اول مقصد لي إذا ما نزلت بحي الزمالك العريق.
من أهم الخصال التي يتميز بها هذا البائع هدوءه و سكينته. فحين تدلف الى "نصبته" التي تحتل ممراً بين بنايتين في شارع 26 يوليو في قلب الزمالك ، تشعر فورا بانك حر تماما في إختيار ما تقرأ. لا يلاحقك هذا البائع- و لنسمه "م.ح" - عارضا عليك أحدث الاصدارات ا و مستفسرا عن إهتماماتك الثقافية متظاهرا انه قرأ كل كتاب و رواية في النصبة، بل و كل جريدة. على العكس من ذلك، بل يتركك م.ح تبحث كيفما يتراءى لك و لا يتدخل الا إذا سالته انت عن موعد إصدار مجلة او عن مضمون كتاب. دائما مبتسم وا ثقا من نفسه رغم صعوبة مهنته. قال لي ذات يوم أنه رغم مزاحمة النت لمهنته تلك فإنها تبقى أشرف المهن و زبائنها ارقى الزبائن.
تكمن الخصلة الحميدة الاخرى في عدم إدعاؤه الثقافة زورا مثلما تجد عند أغلب ممن يعملون في هذه المهنة. فأنا أعرف الكثير من هؤلاء. كثيرا ما تسمع عبارة " يا باشا دي رواية رائعة و ده كتاب عميق". و على رغم من أنه يتضح للمقربين من م.ح انه ذو ثقافة ادبية و فكرية واسعة الا أنك لا تسمع منه هذه العبارات أبدا. و حينما تحدثت معه أكثر إكتشفت أنه قد قرأ دانتي و هوميروس و اغلب الكتاب المصريين و العرب رغم انه لازال في اوائل الخمسسنيات. و لكن ذلك سر لا يعرفه الا من اقترب من م.ح.
م.ح نظيف جدا و مرتب في مظهره و يحرص على أن تظل بضاعته كذلك، فدائما ما تكون الكتب مغلفة بشياكة والجرائد كذلك. في التسعينيات توصلت لاتفاق مع م.ح بموجبه استطيع ان اقترض منه ال تايم و النيوزويك و الايكونوميست لقاء مبلغ مالي بسيط. و بعد ان أفرغ منهم اعيدهم و استعير الاعداد الخاصة بالاسبوع التالي. على ان تبقى المجلات في حالة جيدة
بالنسبة لي م.ح هو معلم من معالم القاهرة التي لايمكن ان تمحى من الذاكرة. إنه اطلالة من الزمن الجميل. انه واحة أمان بابتسامته الواثقة في قلب الفوضى و القبح و الازعاج و التلوث.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 8