علاقات مشبوهة بين قطر وكوريا الشمالية

جميل العوضي

2019.11.29 - 11:55
Facebook Share
طباعة

 دعت طالبة الماجيستير في قسم العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، وخريجة برنامج الدراسات الإقليمية لشرق آسيا في جامعة هارفارد لطيفة عبدالله آل سعود، الدول المعنية إلى فرض ضغوط مناسبة لوقف العلاقات بين قطر وكوريا الشمالية.وكتبت في مجلة هارفارد للسياسة الدولية أن الأدلة تؤكد أن بيونغ يانغ اتبعت باستمرار إجراءات تسمح لها بتفادي العقوبات للحصلو على العملات الصعبة لتمويل نظامها وبرنامجها النووي. ومن الأساليب التي تستخدمها كوريا الشمالية للإبقاء على شريان الحياة هذا، برنامجها لتصدير اليد العاملة.

ولا يرتبط إرسال اليد العاملة الكورية الشمالية إلى الخارج بالمخاوف على حقوق الإنسان وحسب، بل بتسهيله لتهرب نظام كيم جونغ أون من العقوبات. وكلما واجه كيم ضغطاً متزايداً لإنهاء برنامجه النووي، اتبع سياسات مبتكرة لتوليد العائدات التي تسمح بنجاته. ولذلك فإن التفاعل بين كوريا الشمالية وقطر أساسي في هذه الاستراتيجية الهدامة.

وتتابع لطيفة أن من المهم النظر إلى كيفية تناسب سياسة اليد العاملة التي تتبعها كوريا الشمالية مع العلاقات القطرية الكورية الشمالية وإلى السبب الذي يجعلها مشكلة.

وينقل النظام الكوري الشمالي العمال إلى دولة مضيفة ويأمرهم بإرسال العملات الأجنبية إلى وطنهم بعد يقوم وضعهم تحت مراقبة مكثفة. تصادر بيونغ يانغ رواتبهم لتستخدمها في دعم برنامجها النووي، واقتصادها الداخلي الذي يعتمد بشدة على العملة الأجنبية.

وتشير التقديرات إلى أن كوريا الشمالية ترسل 80% من يدها العاملة إلى روسيا،والصين، وإلى قطر التي تحتل المرتبة الثالثة، وفق تقرير لبعثة أمريكية في الأمم المتحدة.

ويحصل العمال على نسبة ضئيلة من رواتبهم في حين يذهب الباقي إلى الدولة الكورية الشمالية. وبهذه الطريقة، تلتف بيونغ يانغ على العقوبات التي فرضها مجلس الأمن سنة 2017، والتي من المتوقع تجديدها في الشهر المقبل.

ووفقاً لتقرير منظمة "سي فور أدس" غير الربحية التي تعمل على تأمين بيانات مرتبطة بالنزاعات الدولية، "يوفر العمال الكوريون الشماليون بين 1.2 و 2.3 مليار دولار في العام لنظام كيم، وإذا كان الرقم صحيحاً فإن ذلك يعني أنه يوازي 93% من إجمالي صادرات كوريا الشمالية في 2018".

وتستخدم قطر عمال كوريا الشمالية في مشاريع البناء استعداداً لكأس العالم 2022 كما فعلت روسيا قبلها. وتستفيد الدولتان بشكل متبادل من هذه العلاقة، وبالتالي فإن لا مفاجأة في هذا الأمر.

وتعد العملات الأجنبية التي تحصل عليها القوى الكورية الشمالية العاملة في قطر، وسيلة أساسية لدعم اقتصاد بيونغ يانغ الضعيف والمعزول. ومن منظور المصالح القطرية فإن 3000 عامل كوري شمالي مهاجر، لا يزال 150 منهم في البلاد رغم ادعاء قطر العكس، عملوا في بناء منشآت كأس العالم دون عوائق وهو أمر تقدره قطر تماماً. وفيما تستفيد كوريا الشمالية مالياً، ينشئ عمالها مشروع مدينة لوسيل المستقبلية التي ستستضيف كأس العالم، والذي تبلغ كلفته 45 مليار دولار.
ورغم أنها بدأت في 1992، إلا أن العلاقات القطرية الكورية الشمالية تعززت منذ 2003. وكان ترتيب العمالة الأجنبية عنصراً مهماً في هذا المسار. إذ تستخدم شركات البناء الكورية الشمالية في قطر مثل سودو وجينكو وغونميونغ ونامغانغ عمالاً من مواطنيها، وتوقع عقوداً مع شركات بناء محلية، وتحت إدارة مكتب كوريا الشمالية للبناء الخارجي.

وكان بعض هؤلاء العمال الأجانب عملاء سريين، تحت ستار العمالة، وأرسلتهم بيونغ يانغ إلى قطر لتحويل الأموال إلى جيشها. وتستخدم شركات التوظيف حوالي 3000 كوري شمالي لتعبيد الطرقات وفي البناء. ويُظهر وجود عمالة كورية الشمالية في قطر حتى قبل منحها حق استضافة بطولة كأس 2022، قوة العلاقات بين البلدين.

ويأمل العمال الكوريون الحصول على عائدات مجزية من عملهم في الخارج. لكن وفق شهادات خبراء ومنشقين، وعمال، فإنهم لا يحصلون غالباً إلا على أقل من 10% من تلك الرواتب. وفي أحيان أكثر لا يحصلون على شيء.

يمنح نظام الكفالة في الدوحة صاحب العمل السيطرة الكاملة على تحركات وأموال الموظفين في البلاد وخارجها. ولا يستطيع العمال تغيير الكفيل دون رضا كفيله الأساسي. وعوض مغادرة قطر كما ينص القانون، يصبح العمال الكوريون العاطلون عن العمل عمالاً لدى كوريين شماليين آخر.

وبطريقة أو بأخرى، يتحول الذين يبقون في قطر إلى بيع الكحول لتحويل الأموال إلى بيونغ يانغ في جزء من شبكة غير شرعية تحافظ على شريان حياة الاقتصاد الكوري الشمالي.

تضيف الكاتبة أن من السهل نسبياً على كوريا الشمالية وقطر خرق العقوبات الأممية، لأنه لا وجود لطريقة عملية لمراقبة كل الجوانب المرتبطة بامتثال كل دولة عضو في الأمم المتحدة، الكامل للعقوبات المفروضة عليها، أو إذا توقفت عن استضافة وطلب عمال كوريين كما قطر. وإذا كانت كلفة المصالح الاقتصادية منخفضة سياسياً فمن المرجح أن يستمر نظام العلاقات بينهما.

وتواصل الخطوط القطرية أيضاً تسيير رحلات بين الدوحة وبيونغ يانغ عبر بكين. وتشغل خطوط قطر أيضاً معظم الرحلات الجوية بين بكين بيونغ يانغ، بشكل أكبر حتى من الشركات الصينية.

ورغم أن قطر لا تفرض تأشيرات دخول على معظم الجنسيات، ويمكن وفق موقع زوروا قطر الإلكتروني، لحملة بعض الجنسيات الحصول على التأشيرة عند وصولهم، إلا أن كوريا الشمالية غير مذكورة على الموقع، لكن هذا يسهل على اليد العاملة الكورية الشمالية دخول وخروج قطر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر دول ثالثة.

تشير الكاتبة إلى أن قطر معروفة باستضافتها أفراداً على لائحتي العقوبات والإرهاب، وبإعطائهم جوازات سفر، ومنحه الجنسية القطرية. وعلى سبيل المثال، تستضيف قطر داعية الإخوان يوسف القرضاوي الذي يدعم علناً العمليات الانتحارية، وهو مصنف على اللائحتين.

تزوج حفيد القرضاوي شقيقة زوجة أمير قطر معززاً بذلك العلاقة بين الحكومة القطرية والمتطرفين مثل القرضاوي وأتباعه. إن لموافقة آل ثاني على هذا الزواج دلالات رمزية مهمة وتشكل خروجاً حاداً عن هيكلية النظام السياسي في مجلس التعاون الخليجي وبالتالي عن صناعة السياسات فيه.
توفر قطر أيضاً ملاذاً آمناً لأعضاء من حماس، والإخوان، الحوثيين أيضاً. وكان وجود هذه الجماعات والشخصيات في قطر من الأسباب الأساسية التي دفعت السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، إلى قطع العلاقات مع الدوحة.

وحسب الكاتبة، يجب أن تُقلق ميول قطر للمساهمة في زعزعة استقرار المنطقة، المجتمع الدولي بسبب العواقب المحتملة والمفاجئة التي يمكن أن يتسبب فيها التغاضي عن مواصلة السماح بازدهار علاقة ثنائية متبادلة مع كوريا الشمالية.

وقد تؤمن علاقة قطر مع تركيا مثلاً تعاون عسكري قوي مع تركيا وهي موطن العديد من العمال والجنود الأتراك الذين يسافرون إليها للبناء والتعليم والأعمال. يصبح كثر مندمجين بالجيش القطري.

وقطر دولة صغيرة بعدد سكانها لكنها ثرية، لذلك فإن استقبال جنود أجانب ودمجهم في الجيش مقبولاً فيها، ويمكن أن يتكرر ذلك ولو على مدى أبعد مع كوريا الشمالية.

تقترح الكاتبة وضع سياسات لمكافحة استخدام شبكة اليد العاملة الكورية الشمالية في قطر، داعيةً إلى فرض العقوبات على قطر وكوريا الشمالية، ووضع آلية لمراقبة اليد العاملة في الدول التي تستضيفهم والتي يمكن تنسيقها مع كوريا الشمالية وبإشراف الأمم المتحدة.

وتشدد الباحثة على أن فهم خطر العلاقات القطرية الكورية الشمالية على المجتمع الدولي، هو الخطوة الأولى لصياغة سياسة قادرة على احتوائه، ولدى كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة مصلحة في ضمها إلى المحادثات النووية العلاقة.

ويتطرق الكوريون الجنوبيون واليابانيون حسب الكاتبة إلى المسالتين في اجتماعاتهم مع المسؤولين القطريين. لكن بعيداً النظر عن التطمينات القطرية لمعالجة المشاكل، لم يبرز دليل على تقدم في أي من المسألتين. والضغط على كوريا الشمالية وقطر يعني وضع مسألة حقوق الإنسان في الواجهة.

إن الأولوية لدى كيم في المحادثات ليس السلام أو إنهاء الحرب الكورية، بل التنمية الاقتصادية، وبرنامج اليد العاملة في الخارج من أبرز الأساليب لتحقيق ذلك. لذلك فإن على منظمة العمل الدولية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تأسيس وكالة أو هيئة مبنية على نموذج الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتدير وتراقب وتنسق نظام تأشيرات دخول للعمال الأجانب من كوريا الشمالية.

لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية سلطة موسعة للتفتيش في الدول التي تحاول تطوير برامج نووية. وسيكون لوكالة حقوق الإنسان تركز على عمال أجانب سلطات مشابهة.

سيتحدث منتقدو الطرح عن سيادتي قطر وكوريا الشمالية لكنهما انخرطتا في نشاطات غير شرعية مكثفة. وتخرق قطر بشكل واضح عقوبات مجلس الأمن المرتبطة بكوريا الشمالية.

تحتاج كوريا الشمالية للسيولة سريعاً، وحتاج قطر لليد العاملة الرخيصة. وإذا كان المسألة تُقابل بالتغاضي الآن، فإن العلاقات الثنائية بينهما قادرة على تهديد الاستقرار الإقليمي والدولي على المدى الطويل. وتبدأ معالجة هذه الظروف عبر الاعتراف بها.
وتؤكد الكاتبة أن على كوريا الجنوبية تحديداً تجنيد المجتمع الدولي في الجهود لتقييد كوريا الشمالية عاجلاً لا آجلاً، قبل أن يتسبب هذا السلوك في النهاية في ظهور كوريا شمالية أكثر نووية، وشرق أوسط أقل استقراراً.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 9