الإستقطاب السياسي

كتب محمد الانصاري

2020.01.15 - 11:19
Facebook Share
طباعة

 لعلي لا أبالغ إذا قلت أن الإستقطاب السياسي يعد من أشد آفات العصر في السلوك السياسي لدى الدول و الجماعات و الأفراد فهو كفيل بوأد أي حوار سياسي عقلاني في مهده. و يتنافى الاستقطاب السياسي مع أبسط مفردات العقلانية السباسية إذ هو قائم بشكل خالص على الحسابات الشخصية الايدولوجية و ليس على المصلحة الحقيقية.
و الاستقطاب الدولي لا تخطئه العين المجردة. صحيح أن الاستقطاب الذي كان مصاحبا للحرب الباردة في صورة الشيوعية و الرأسمالية قد ولى، الا إنه إستُبدِل بمجموعة من الإستقطابات البديلة تشكل حزمة من الحروب الثقافية و الإيدولوجية و السياسية المستعرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك عدة إستقطابات مثل الاستقطاب بين العولمة و الخصوصية، بين الحرية التجارية و الحمائية، بين الروحانية و المادية، بين الإستواء الجنسي و الشذوذ الجنسي، بين الايمان و الإلحاد................الخ. و ليس المدهش هو بروز هذه المفاهيم؛ فهي من لوازم الوجود البشري. المثير للدهشة هو السلوك السياسي والعقلية الساسية لأتباع هذه المفاهيم. عقلية قائمة على التصنيف والاقصاء البالغي الحدة فلا يمكن أن صاحب معسكر ما يؤمن ان صاحب المعسكر الأخر على صواب في أي شيء و لو في جزئية صغيرة.
و في منطقتنا العربية المنكوبة بكافة أنواع التحزبات و المعسكرات و الإستقطابات، يمكن رصد عدة إستقطابات على المستوى الاقليمي وداخل كل دولة من الاستقطاب الشيعي السني و حتى الإستقطاب القومي الديني.
الإستقطاب العلماني الإسلامي في العالم العربي يلغي إمكانية الحوار المثمر إلغاء تاما. و حتى في وسط الديمقراطيات العتيدة في الغرب نشهد استقطابا عنيفا بين اليمين الشعبوي و التيار الديمقراطي الليبرالي كما هو الحال في بريطانيا و الولايات المتحدة الامريكية. استقطابا لا يبقي أخضرا و لا يابسا.
و في حالة عالمنا العربي يتم شيطنة الخصم و أقصاؤه تماما في حرب ثقافية طاحنة. و بعد ثورة 25 يناير في مصر إزداد الوعي بالسياسة بشكل ملحوظ و لكن الحوار السياسي كما هو الحوار الكروي يتم باطلاق القذائف على المعسكر الأخر مع عدم الإعترافبالارضية المشتركة او البعد المعرفي مما جعل المجتمع في إنقسام حاد. و قديما قال الشافعي " ما ناظرت أحدا قط الا و أحببت أن يظهر الله الحق على لساني أو لسانه"
أعتقد أن قضية الأستقطاب السياسي تستحق في بلادنا إهتمام جاد من النخبة القائمة على رعاية عملية التربية و التعليم في بلاد تقوم ثقافتها على ألإقصاء و التصنيف. ففي تكويننا التربوي لا ندرس الفكر النقدي الذي يمكننا بالأعتراف للأخر و لو بجزء من الحقيقة.
قضية الإستقطاب السياسي قضية مهمة ذات جذور دينية و ثقافية. و لا يثري الحوار الا التربية على أصول الديمقراطية و الفكر النقدي. و قد طال غيابهما في عالمنا العربي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4