الإحباط عدو الإنسان المعاصر

محمد الانصاري

2020.02.22 - 08:07
Facebook Share
طباعة

 في العالم العربي يشعر المواطن أنه لا يستطيع فعل أي شيء،  بينما في أوروبا و امريكا يشعر المواطن أنه يستطيع فعل كل شيء. المفاجئة هي ان كلا الموقفين وجهان لعملة واحدة .  لا العربي عاجز تماما و لا الغربي سوبرمان. في الواقع الاحباط يجمع الاثنين. الاحباط مرض العصر. العربي محبط لأن واقعه آسن راكد ؛و المواطن الغربي يعلم في قرارة نفسه انه لن يستطيع أبدا مهما إرتقى أن يحقق نموذج السوبرمان النيتشوي كاملا. في كلتا الحالتين يعيش المواطن وهما تبيعه الحكومات و النخب لرجل الشارع. 

 
بالنسبة للعالم العربي القضية أكثر و ضوحا فأسباب الإحباط واضحة ماثلة للأعين؛ مادة تلوكها الالسنة على كل المقاهي. الفساد و غياب الشفافية و الفقر و المرض و الصراعات الاقليمية و الحروب الاهلية الى اخر المنظومة. الاحباط في عالمنا العربي جماعي و فردي. كائن عملاق يتضخم و يتمدد و يأكل في قضمة واحدة الأخضر و اليابس. هو إحباط جماعي لان الشارع العربي عبوس كئيب لا ينتظر الخير بل يتوقع الشر. و هو أيضا احباط فردي لان كل مواطن – حتى من تهيأت له أسباب الرخاء الاقتصادي- لديه قصة فشل على المستوى الاجتماعي او الاقتصادي او الثقافي. 
 
بعد موجتين من موجات الربيع يبقى الوضع السياسي محلك سر. بل يبدو ان هناك تراجع. في السودان قامت مظاهرات      ضد حكم البشير الذي كان يعتمد على تحالف العسكر مع الإخوان و لكن سرعان ما تخلص العسكر من الاخوان و انفردوا بالحكم و بالهرولة للتطبيع مع اسرائيل مهدرين دماء شهداء الثورة السودانية و قس على ذلك الوضع الكثير من الانظمة العربية. ألا يدعو ذلك للإحباط السياسي و الإجتماعي. 
 
    إجتماعيا العرب يعانون من أعلى نسب البطالة و الفقر و الطلاق المبكر خاصة في دولة بحجم مصر. ثقافيا حدث ولا حرج فنحن نعاني من ثقافة ضحلة و من فن هابط. منذ ما يربو على العشر سنوات جاء في أول تقرير عربي عن التنمية البشرية في العالم العربي أن أسبانيا وحدها تنشر سنويا ضعف عدد الكتب التي تنشرها الدول العربية مجتمعة. إننا حقا في أزمة وجودية ليس من النوع السارتري ولكن من النوع الشكسبيري (أكون أو لا أكون)
 
كل تلك العوامل تغذي مارد الأحباط منذ إستقلال أغلب الدول العربية في الخمسينيات. ليس غريبا بعد ذلك كله أن تزداد بين شبابنا أسباب الهجرة الخارجية الى الغرب أو الداخلية الى التطرف الديني و الجريمة و المخدرات . و هناك الهجرة السلبية الى طاولات المقاهي و المواخير لمن يملك الثمن. 
 
الوضع في الغرب مختلف. لقد رسم الغرب منذ نهضته لنفسه مثالا أعلى يكاد يستبدل الإله بالانسان؛ إنسان النهضة. برومثيوس الذي سوف يحرر البشر من أسطورة الألهة. الانسان مركز الكون قاهر الطبيعة الذي يخضع كل الظواهر لمعيار العقل الذي سوف يدرك كل شيء بمرور الزمن. ولكن هذا الغرب نفسه أدرك بعد حربين عالميتين وبعد تحديات البيئة و المناخ و أزمات الحداثة و مابعدها أن نموذج السوبرمان هو وهم كبير. و مع ذلك يستمر الإعلام الغربي و الحكومات الغربية في ترويجه. و لان مفهوم السوبرمان مفمهو مركزي في الفردوس الغربي فقد نتج عن إنهياره إحباط شديد لدى القطاعات المثقفة في الغرب. إحباط من نوع أخر
 
بين احباطاتنا و احباطاتهم يبقى الأمل في رؤية جديدة لله و الكون و العلاقات الانسانية تصلح ما أفسده السياسيون و النخب المتحالفة معهم في الشرق و الغرب. و حتى بزوغ هذه الرؤية يظل الإحباط هو العدو الاول للانسان المعاصر. 
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 9