العرب بين السياسة الأخلاقية و السياسة النفعية

محمد الانصاري

2020.03.02 - 02:01
Facebook Share
طباعة

كنت قد نويت الكتابة عن مفهوم السياسة الشرعية  - ما له وما عليه - بالمفهوم الديني الذي بينه أبن تيمية في كتابه الأشهر " السياسة الشرعية في إصلاح أحوال الراعي و الرعية" و الذي جعله على مدار أية و احدة من سورة النساء و هي الأية  58 التي تقول " إن الله يأمركم أن تؤدوا ألأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. ........" . و لكني عدلت عن ذلك لعدة أسباب. أولا لا يوجد نظام و احد على و جه  المعمورة يطبق السياسة الشرعية كنموذج للحكم و إدارة المجتمع مستمد من الكتاب و السنة؛ بل إن ظهور هذا النظام يكاد يكون مستحيلا في ظل المعطيات الدولية الراهنة كما ذهب الدكتور وائل حلاق أستاذ الفكر الإسلامي في جامعة كولومبيا في كتابه " الدولة المستحيلة". ثانيا : كثير من الكتابات التقليدية التي تناولت السياسة الشرعية و قعت في فخ التبرير لنظام استبدادي دموي قائم على مسوغات دينية خاصة الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية. أيضا إن الحديث عن السياسة الشرعية بوصفها النموذج الأوحد للسياسة ألاخلاقية هو من باب تضييق الواسع إذ أنه ثمة  أشكال  لسياسات أخلاقية غير مستمدة من الكتاب و السنة و إن كنت أرى المقولة التالية صحيحة " أينما يكون العدل فثم شرع الله" و " ان الله ينصرالدولة العادلة و ان كانت كافرة و يذل الجائرة و ان كانت مؤمنة.
 
تكاد تكون السياسة الأخلاقية معدومة في عالمنا المعاصر إذ لا توجد أنظمة حكم قائمة  عليها ، إنما توجد بعض السياسات هنا و هناك غالبا ما تكون في دول غير مؤثرة في الساحة السياسية الدولية.  تتأسس السياسة الاخلاقية على مباديء مستمدة من الأخلاق أو الدين كالصدق و الوفاء بالعهود و الأمانة و الشرف...................الخ. و تستمد شرعيتها من مرجعية متجاوزة لسياسات الواقع التي تتحكم فيها العقلانية الصارمة. 
 
و حتى على مر التاريخ في الشرق و الغرب فان الفترة التي سادت فيها السياسة الاخلاقية كانت محدودة جدا مقارنة بسيادة السياسة النفعية القائمة على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة. السياسة الاخلاقية تتعلق بالمستقبل لانها تبحث فيما ينبغي ان يكون و ليس ما هو كائن. بينما السياسة النفعية غارقة في إدارة الواقع مع إقرار ضمني بكل مساوئه و العلاقات المادية البحتة التي تحكم أطرافه
 
لوبعث ميكافيللي  أبو السياسة النفعية من مرقده لتعجب عجبا كثيرا من طغيان النفعية في السياسات المعاصرة. لا نملك أمثلة معاصرة كثيرة على السياسة الأخلاقية الا ما يمكن ان نقوله عن الأحزاب الخضراء في أوروبا و بعض سياسات الدول الإسكندنافية و كندا. و من الجدير بالذكر أن بدايات الحركة الشيوعية في القرن التاسع عشر كانت تعتبر مثالية أو أخلاقية. و لكن سرعان ما تلوثت الحركة بالانتقال من الحركة الى الدولة السوفيتية التي غدت بحزبها الشيوعي المزعوم أكبر مثال على الديكتاتورية النفعية. 
و لكن ماذا عن موقف العرب من هاتين السياستين المذكورتين. نحن لا نمارس أي سياسة بالمعنى المتعارف عليه؛ لا نفعية و لا أخلاقية. نحن بالأساس لا نملك حتى العقلانية اللازمة لنهج أيا من السياستين. نحن نتخبط في العشوائية و عدم القدرة على إستشراف المستقبل حكومات و شعوبا. و حتى يتعلم العرب ألف باء السياسة، يغدو الحديث عن السياسات المتبعة في عالمنا العربي ليس اكثر من مجرد ترفا نظريا.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6