كتب فاضل الربيعي: مرّةً أُخرى... سوف نُطرَد من "الأندلس"

2018.10.31 - 08:12
Facebook Share
طباعة

 بماذا يُنبيء الهجوم على الكنيس اليهوديّ في مدينة بتسبرغ بولاية بنسلفانيا الأمريكيّة يوم 26/10/ 2018؟ وما هو المعنى الذي ينطوي عليه، أو ما يمكن استخلاصه من حادثٍ غير متوقّع، وما صلته بتصاعد الكراهيّة للمسلمين، وهي بلغت حدّاً مروّعاً مع استهداف منازلهم ومساجدهم؟
بكلامٍ آخر،هل ثمّة أيّ رابطٍ بين (كراهية الإسلام) و(كراهيّة اليهوديّة) في بلدٍ يُعدّ تقليديّاً حليفاً مطلقاً لليهود، وعدوّاً شبه مطلقٍ للمسلمين؟ من هذه الزاوية يبدو الهجوم مُفاجِئاً؛ لأنَّ منفّذه أمريكيٌّ أبيض مؤمنٌ بقصص التوراة. هل يُعقل أنّ اليهود يصبحون عرضةً للقتل من مواطنين أمريكيّين، مثلهم مثل المسلمين؟ إنَّ التأمّل الحصيف في واقعة الهجوم على الكنيس اليهوديّ في بلدٍ تتصاعدُ فيه الكراهيّة للإسلام، يجب أنْ يدعونا إلى التأمّل في التاريخ، ففيه وقائع مماثلة، سبق لها وأنْ حدثت. لقد سبق للغرب الأوروبيّ أنْ اضطهد المسلمين واليهود معاً. ثمّة في هذا الإطار، واقعةٌ تاريخيّة تروي بشكلٍ مأساويّ قصّة طرد المسلمين واليهود من الأندلس، حيث تعرّضوا للقتل دون تمييز منذ عام 1442م. عرف الإسبان هذا الشعب باسم (الموروسكيّين من الجذر Muroc )، وهم خليطٌ من جماعاتٍ هاربةٍ من شمال إفريقيا، المغرب وتونس ومصر...إلخ، وعبروا نحو إسبانيا (الجزيرة الإيبيريّة) بقواربَ خشبيّةٍ. في هذا العصر تلاشى الإقطاع الأوروبيّ كليّاً، وبزغ عصر الصناعة. كان الصناعيّون الإسبان قد حلّوا محلّ الإقطاعيّين، ولذا نظّم الرأسماليّون الإسبان، الصناعيّون وأصحاب رؤوس الأموال والمقامرون والمهووسون بالعلم، وهم كانوا بالإجمال مسيحيّين كاثوليكيّين أو متحوّلين إلى البروتستانتيّة، هجمات دامية لطرد كلّ الأيدي العاملة الموروسكيّة في الأراضي الزراعيّة، سواء أكانوا مسلمين أمْ يهوداً، لا فرق. في هذا العصر تلاشت الحاجة لأيدي عاملة في الأرض. لقد حلّ عصر الصناعة الذي أزاح عصر الزرعة والإقطاع، وظهرت حاجاتٌ جديدةٌ من بينها، دمج البُنى الزراعيّة كلّها في بُنية التصنيع الجديد، فكان أمراً منطقيّاً أنْ تتمّ عمليّات طردٍ (أي التخلّص) من المزارعيّن الوافدين. وبالتعبير المسيحيّ الشائع آنذاك (التطهير)، أي تنظيف الأرض من الحثالات.

في هذا الوقت كانت هناك حاجة لأسواقٍ جديدة لا لأيدي عاملة أجنبيّة وافدة، مهاجرة، وكان هذا يعني التخلّص من (فائض السكّان المزارعين) لصالح فتح أسواق بلدانٍ جديدةٍ لتصريف البضائع الصناعيّة. كان التطهير الرأسماليّ يعني لا التخلّص من الوافدين؛ بل الاستيلاء على بلدانهم التي جاؤوا منها، وتطهيرها، تنظيفها، وتحويلها إلى أسواقٍ لتصريف البضائع الأوروبيّة.
هكذا ولد عصر الاستعمار الرأسماليّ الأوروبيّ للشرق من رحم الإقطاع، وجرى طرد العرب ثمّ ااإستيلاء على أرضهم (بلادنهم الأصليّة) في سائر أرجاء الشرق الأوسط.
إنَّ موجات الكراهية والعنصريّة في أوروبا اليوم، وتعاظم مخاطر طرد العرب والمسلمين، تفرض علينا أنْ نُعيد ترتيب ذاكرتنا التاريخيّة، فقد يحدث، ربّما بعد أقلّ من 20 أو ربّما حتى بعد 50 عاماً من الآن، أكثر أو أقل من ذلك لا فرق، أنْ نجد أنفسنا أمام قصّة طردٍ جديدة من (الأندلس) ثمّ ننوح نواحاً طويلاً على (طردنا من الجنّة).
ولأجل شرح فكرتي الصادمة هذه، يتوجّب عليّ العودة إلى الوراء، أي إلى أصل قصّة (فتح الأندلس).
دعونا نسأل السؤال المُحرِج الآتي: "هل حقّاً فتح العرب والمسلمون الأندلس، كيف ولماذا؟" إنَّ الشبهة الكبرى في هذه الواقعة التاريخيّة المزيّفة، تكمن في أنّها تسرد قصّة فتح جزيرةٍ هائلة المساحة في أوروبا هي الجزيرة الإيبيريّة، في وقتٍ كان فيه العرب والمسلمون يترنّحون بفعل الضعف والهوان، وكانوا –بالكاد- يقوون على درء المخاطر عن أقدس عواصمهم: بغداد. بكلامٍ آخر، أنجبت فكرة (الطرد القديم من الأندلس) وهماً سامّاً وقاتلاً بأنّنا كنّا (هناك) بوصفنا فاتحين عظاماً. إنَّ خرافة فتح العرب والمسلمين للأندلس، مُصمّمةٌ فقط لنوعٍ من العزاء الجماعيّ، بأنَّ العرب كانوا هناك (فاتحين) بينما كانوا في الواقع مهزومين ومُبعثرين.
قد يولّد الطرد الجديد من (الأندلس الجديدة) الذي أتوقّعه قريباً، وهماً مماثلاً، ونجد أنفسنا أمام أسطورةٍ أُخرى تقول إنّنا (تركنا خلفنا حضارة من صنعنا). ثم نبدأ في النّواح، لأنَّ الغرب أخرجنا مرّةً أُخرى من الجنّة.
سأروي القصّةَ الحقيقيّة عن وهم (فتح الأندلس) وفقط، لأحذّر من طردٍ جديد للعرب والمسلمين، وربّما اليهود أيضاً. ولأحذّر من انتشار أيّ وهمٍ، بأنّنا اقتحمنا ذات يومٍ، أسوار أوروبا بقواربنا المطّاطيّة وتمكّنا من فتح الجزيرة الإسبانيّة، ثمّ أسوار أوروبا كلّها. هذا الاحتمال حقيقيّ؛ لأنَّ هدف الطرد سيكون رفع نسبة المهاجرين اليهود إلى إسرائيل التي تعاني من انهيارٍ في معدّلات هجرة اليهود من أوروبا. قد يتعيّن علينا توقّع هذا منذ الآن. سوف يتمّ (قلع/ شلع) العرب والمسلمين من أوروبا، تماماً كما تمّ (قلع/ شلع) اليهود ورميهم في فلسطين. إنَّ مناحة العرب على (الأندلس) قبل ما يزيد عن 500 عامٍ من الآن، يمكن أنْ تتكرّر، وقد ينوح العرب مرّةً ثانية على (أندلس أوروبيّة) طردوا منها.
الأندلس سقطت من قبل، وسوف تسقط أندلس أُخرى هي أوروبا العجوز، القديمة، لتحلّ محلّها أوروبا جديدة متوحّشة، وتغدو هذه أكثر كراهيّةً للمسلمين واليهود. أوروبا الجديدة القادمة التي سوف تُحيل حياة العرب والمسلمين إلى جحيم لا يُطاق، هي أوروبا الشرقيّة التي سوف تحلّ محلّ أوروبا الغربيّة. لاحظوا أنَّ أوروبا الغربيّة تبدو رؤوفةً بالمسلمين أكثر بكثيرٍ من أوروبا الشرقيّة التي تكشف عن قسوةٍ ووحشيّةٍ وشراسةٍ مقيتة ضدّ المهاجرين. فقط تذكّروا صورة الصحفيّة الهنغاريّة التي كانت تركل المهاجرين بقدمها، أو لنقل، تذكّروا كلّ مواقف أوروبا الشرقيّة في البرلمان الأوروبيّ بخصوص المهاجرين.

إنّها أوروبا الجديدة التي تستعدُّ لطرد المسلمين من (الأندلس) مرّةً أُخرى، أي أوروبا الجديدة التي تكره المسلم كما تكره اليهوديّ؛ لأنّها متشبّثةٌ بمسيحيّتها التقليديّة (وهي خليطٌ عجيب من القيم الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة).
حين تموت أوروبا القديمة بعد بضع سنواتٍ من الآن، وتحلّ محلّها أوروبا جديدة (أوروبا الشرقيّة)، سوف يبدأ عصر طرد المسلمين من الأندلس مرّةً أُخرى.
يُعرف سقوط الأندلس في المصادر التاريخيّة الإسبانيّة بـ(حروب الاسترداد Reconquista) بمعنى أنَّ الإقطاعيّين الإسبان استردّوا الأراضي التي قاموا بتأجيرها للعرب المسلمين الوافدين/ المهاجرين من شمال إفريقيا، وقاموا بتأجيرها لقوى صناعيّةٍ رأسماليّة زاحفة. هؤلاء المهاجرون -في الماضي البعيد- والذين وصلوا شبه الجزيرة الإيبيريّة بوساطة قواربَ خشبيّة (تماماً كما يحدث اليوم، إذ يصل المهاجرون المسلّمون بزوارق مطّاطيّة) فرّوا بسبب حدثٍ هلعيّ، مرعب، فقد اجتاح صلاح الدين الأيوبي المسلم (السنيّ) شمال أفريقيا كلّه من تونس والمغرب حتّى مصر، ليطهّر الأرض من (الرجس الفاطميّ). كان عصر صلاح الدين الأيوبيّ (عصر التطهير). هذا العصر التطهيريّ هو التجسيد الحقيقيّ لقيم الرأسماليّة: (شلع/ قلع). إنّه عصر ترامب وريث المكارثيّة.
في عصر الاسترداد (عصر التطهير) انهارت الدولة الفاطميّة تحت وقع أقدم صلاح الدين الأيوبيّ الفولاذيّة. كان صلاح الدين (الملك الناصر أبو المظفّر صلاح الدين والدنيا يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُوينيّ التكريتيّ 532 - 589 هـ/ 1138 - 1193م، المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبيّ) يزحف لتحطيم الدولة الفاطميّة في شمال إفريقيا، ويوغل في القتل دون رحمة. وفي هذا العصر (1190-1193) كانت أوروبا تفرغ أو تكاد تنتهي من صراعاتِها الإقطاعيّة على الأرض، وتستقرّ (الدوقيّات) بعد مذابح مخيفةٍ في أراضٍ إقطاعيّة خصبة، إذ إنَّ كلّ نبيلٍ من النبلاء الإسبان يملك مساحاتٍ شاسعة من الأرض. كان النبلاء بحاجةٍ إلى أيدٍ عاملة تعمل في هذه المساحات الشاسعة من الأراضي الخصبة؛ ولذا بدا لهم أنَّ صلاح الدين الأيوبيّ إنّما كان يقوم بالنيابة عنهم بالعمل المطلوب، أي (توفير) الأيدي العاملة الماهرة والرخيصة التي ركّبت القوارب الخشبيّة، وعبرت البحار هرباً وفزعاً من بطشه. وخلال كلّ هذه الفترة التي تمتدّ نحو 770 عاماً، بين المرحلة الأُولى وسقوط غرناطة، آخر إمارةٍ إسلاميّة في شبه الجزيرة الأيبيرية، قام الإقطاع الإسبانيّ باستقبال المهاجرين من العرب المسلمين واليهود. وكان الإقطاع الأوروبي/ الإسبانيّ بحاجةٍ ماسّةٍ إلى هذه الأيدي العاملة. وهكذا قالوا لهم ببساطة: تفضّلوا. افلحوا الأرض واستقرّوا هنا وابنوا (مشيخاتكم). هنا الأرض، فلترقصوا هنا. ابنوا إماراتكم الإسلاميّة حسناً، لا بأس من ذلك، عيشوا كما ترغبون، لكن عليكم أنْ تخدموا الإقطاع الإسبانيّ، اشتغلوا فقط، ثمّ يمكنكم أنْ تستمتعوا بثقافتكم الخاصّة وطقوسكم الدينيّة.

هكذا انتشر وَهْمُ أنَّ العرب بنوا (حضارة في الأندلس).
كلّ هذا لا ينفي أو يُلغي فكرة أنَّ العرب تركوا تأثيراتٍ هائلة في الثقافة والفنِّ والموسيقى والسياسة. لكنّهم في النهاية كانوا عبيداً للإقطاع المسيحيّ الكاثوليكيّ الإسباني. كانوا إماراتٍ غير متّحدة ، متنازعة ومُبعثرة تحت سلطة التاج الإسبانيّ، لكن ما إنْ حلّ عصر الصناعة في أوروبا، حتى بادر الصناعيّون إلى شنِّ سلسلة حروبٍ لتفكيك الإقطاع الأوربيّ كلّه، بما فيه الإقطاعيّات المؤجّرة في إسبانيا للعرب المسلمين واليهود. لقد حلّ عصرٌ جديدٌ أزاح ودمّر الإقطاع الأوربيّ، وحلّت قوى جديدةً أكثر شراسةٍ، فكان أمراً منطقيّاً أنْ هذا العصر بزحفه الوحشيّ، سوف يدمّر (إمارات العرب في الأندلس). كان الرأسماليّون يسحقون كلّ أتباع الديانات، لا فرق بين مسلمٍ ويهوديّ ومسيحي. وبمنطق التاريخ وحده؛ وليس بمنطق القصص الشعبيّة التي يحبّها المسلمون ويتغنّون بها، يكون طرد العرب واليهود من الأندلس، نتيجةً حتميّةً لنهاية عصر الإقطاع وبداية عصر الصناعة، ففي هذا العصر تراجعت أهمّية الزراعة لصالح عصر الصناعة. بكلامٍ آخرَ ومختصر: كان طردُ العرب المسلمين واليهود من الأندلس، نتيجةً منطقيّةً وطبيعيّةً لنهاية عصر الإقطاع، فلم تعد هناك حاجة لأيدٍ عاملةٍ ماهرة في الزراعة؛ بل ظهرت حاجةٌ لإيدٍ عاملة ماهرة في الصناعة:
لقد حلّ الحرفيّون محلّ المزارعين، هكذا ببساطة، ومع ذلك فهم العرب وما يزالون، القصّة بطريقةٍ خاطئة.
سأروي مرّةً أُخرى جوانبَ إضافيّة مُختصَرة من القصّة الحقيقيّة:
بفضل -أو بسبب- قصّةٍ أسطوريّة كتبها قاصٌّ شعبيّ مصريٌّ يُدعى عبد الملك بن حبيب المسلمي (انظر: ابن القوطية، 1989, p. 32 ابن القوطيّة، أبو بكر محمد بن عمر 1989، تاريخ افتتاح الأندلس، دار الكتاب المصريّ، القاهرة، دار الكتاب اللّبنانيّ، بيروت، وانظر كذلك ياقوت الحموي 1993, p. 2592) قبل ما يزيد قليلاً عن 550 عاماً، أي تقريباً عام 1450م، انتشر وهمٌ سامّ وقاتلٌ كالوباء في أجواء العالم العربيّ/ الإسلامي، ثمّ سرعان ما ترسّخ في عقول ملايين العرب والمسلمين، بأنّهم (فتحوا الأندلس) وتمكّنوا من (بناء حضارةٍ رائعة هناك). ولكن من دون أنْ يسأل أيّ عربيٍّ ومسلم نفسه، تُرى، لماذا تمكّنا من بناء (حضارةٍ رائعة هناك) ولم نتمكّن من بنائها (هنا في أرضنا) إذا ما كانت لدينا الإرادة التاريخيّة؟ لم يكن هناك أيّ جوابٍ حتّى اليوم عن هذا الوهم أو الخرافة. إذا كان العرب والمسلمون قد تمكّنوا من (بناء حضارةٍ رائعة هناك)؛ أي في الجزيرة الإيبيريّة، وهي جزيرةٌ شاسعةٌ واسعة يحكمها إقطاعٌ مسيحيٌّ شرس ومُحصّن بقلاعٍ منيعة، فبنوا هم أيضاً القلاع والحصون في كلّ مكان، ثمّ تمكّنوا من زراعة السهول الخصبة، فلماذا لم يفعلوا ذلك (في أرضنا)؟ أي لماذا (فعلوا ذلك هناك) ولم (يفعلوها هنا)؟ لماذا بنوا كلّ هذه القلاع الحصينة ولم يبنوها في أرضهم حين زحف الأعداء؟ ولماذا جاءوا هاربين؟

ليس ثمّة أيّ جوابٍ منطقيّ. كلّ ما كتب عن (فتح الأندلس) هراءٌ لا أساس له. لم يكن هناك قطّ ولا في أيّة وثيقةٍ تاريخيّة عربيّة أو إسبانيّة أو أوروبيّة، ما يدعم فكرةَ حدوث فتحٍ عربيّ/ إسلاميّ للجزيرة الإسبانيّة. إنّها قصّةٌ شعبيّةٌ كُتبت لتخفيف آلام العرب والمسلمين من هول الهزائم المتواصلة والمتتابعة منذ عام 1258م مع سقوط بغداد.
في هذا الوقت فقط، اخترع الرواة المسلمون شخصيّة طارق بن زياد فاتح الأندلس، لكن ليس لدى أحد أيّ وثيقةٍ تاريخيّة- وليس قصّةً شعبيّة- تؤكّد وجود شخصٍ يُدعى (طارق بن زياد). حتى الخطبة التي نُسِبَت إليه (البحر من أمامكم والعدوّ من ورائكم/أو العكس) أوردها المسعوديّ في مؤلّفه الشهير "مروج الذهب" بوصفها أسطورة يمنيّة يردّدها العرب في عصره (وهو عاش نحو عام 957م؛ أي قبل قصّة الخطبة العصماء بنحو 500 عام)؟ وهذا أمرٌ مثيرٌ للسخرية. بكلام آخر مرّةً ثانية، تحدّث المسعوديّ عن واقعة (البحر من ورائكم... إلخ). قبل وقتٍ طويلٍ جدّاً من انتشار قصّة ( فتح الأندلس). كان المسعوديّ يتحدّث عن أسطورةٍ يمنيّةٍ قديمةٍ، عن قائد يحرق السفن ويخاطب جنوده؛ لكن القصّاص المصريّ ابن حبيب جعل من هذه القصّة، واقعةً تاريخيّة حقيقيّة تخصّ عرب الأندلس، ثمّ قام بدمجها بقصّة طرد العرب. لقد اخترع الرواة المسلمون، بسبب رواية ابن حبيب المصري، شخصيّةً أسطوريّةً تُدعى (صقر قريش) زعموا أنّه أميرٌ أمويّ هارب من ظلم العباسيّين، وأنّه تمكّن من عبور البحر الأبيض المتوسّط سباحةً، حتّى وصل الشواطئ الإسبانيّة، ثمّ بعد بضع سنواتٍ صار أميراً، وهذه بكلّ تأكيد قصّةٌ شعبيّةٌ لا أساس لها في أيّة وثيقةٍ تاريخيّة إسبانيّة أو عربيّة. ليس ثمّة بطلٌ يُدعى (صقر قريش)، هذا تلفيقٌ لا أصل له.
والآن: من لديه حجّة دامغة تفنّد هذا الكلام، شرط أنْ تستندَ إلى وثيقةٍ تاريخيّة -وليس روايةً دينيّةً أو من مؤرّخ متأخّر- فليتفضّل وليبرهن لنا، أنَّ العربَ فتحوا الأندلس بالفعل. لقد تسنّى لي وخلال زياراتٍ متباعدة زمنيّاً إلى مدريد، واللّقاء بمؤرّخين وأستاذة جامعات، أنْ أناقشَ ما يزعم أنّه (فتحٌ عربيّ). لقد جادلت بقوّةٍ ضدّ هذا الوهم، وأنَّ لا شيء من هذا الهراء حدث في التاريخ المكتوب، ولاحظت أنَّ كثرةً من المؤرّخين الإسبان ليست لديهم أيّة معرفةٍ من أيّ نوعٍ بشخصٍ يُدعى (طارق بن زياد). في الواقع لا يوجد في الوثائق التاريخيّة الإسبانيّة الرسميّة ما يُشير إلى هذا الاسم. وبطبيعة الحال، فمن غير المنطقيّ تخيّل وجود فاتحٍ عظيم يهمله التاريخ الإسبانيّ بهذه البساطة المُريعة، فلا يورد اسمه. كما أنّ العرب لا يملكون أيّ سندٍ تاريخيٍّ عن وجوده كشخصٍ حقيقيّ (مرّةً أُخرى ليس المقصود روايةً دينيّةً أو شعبيّةً متأخّرة).
ثمّة وهمٌ مريعٌ سيطر على عقولنا منذ أكثر من 500 عام، بأنّنا فتحنا الأندلس ثمّ طُرِدنَا منها. نحن لم نفتح الأندلس. هذه قصّةٌ شعبيّةٌ لا أساس لها. كنّا في قواربَ خشبيّةٍ نهرب من الحرب، ثمّ عدنا مرّةً أُخرى بعد أكثر من 500 عام لنهرب بوساطة قواربَ مطّاطيّة.

والآن فلنستعدّ للطّردِ من الأندلس مرّةً أُخرى.
لقد وصلنا ذات يومٍ بعيداً في التاريخ إلى شواطئ أوروبا القديمة بوساطة قواربَ خشبيّة، لكنّنا الآن أمام أوروبا جديدة، أُخرى، ستكون أكثر شراسةً ضدّ المسلمين واليهود سواء بسواء. إنّها أوروبا شرقيّة أكثر رأسماليّة، أي أكثر توحّشاً من أوربا الغربيّة، وهذه سوف تطردنا وتعيدنا إلى حيث انطلقنا بقواربنا المصنوعة من المطاط الرديء.
أوروبا اليوم أمام مفترق طرقٍ. مات العصر الصناعيّ القديم وولد عصر (ما بعد الصناعة)؛ أي عصر السلع الناعمة.
وحين يولد عصرٌ جديدٌ، يتوجّب رؤية آلام المخاض وتوقّعها. حين بزغ عصر الصناعة طُرِدنا من هناك. وحين يبزغ عصرُ ما بعد الصناعة سوف نُطرَد من هناك مرّةً أُخرى.
في الأسبوع القادم سأعودُ لمزيدٍ من التفصيل، "لماذا طردت أوروبا اليهود وأوهمتهم أنَّ فلسطين هي بلادهم القديمة". للقصّة بقيّة كما تقول محطّة الجزيرة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 5