كتب مصطفى السعيد: الشتاء الملبّد بأزمات العقوبات وأشباح الحرب

خاص عربي برس

2018.10.31 - 08:36
Facebook Share
طباعة

تُخيّم أجواء من التوتّر على المنطقة مع اقتراب تطبيق الولايات المتّحدة للحزمة الثانية من العقوبات الاقتصاديّة على إيران، وسط تبادل التهديدات التي وصلت حدّ إعلان طهران عن إمكانيّة إغلاق مضيق هرمز، إذا ما استدعى الأمر، في الوقت الذي تواصل فيه إيران ترتيب بيتها الداخليّ، وتنفيذ توجيهات المرشد العام للثورة الإيرانيّة علي خامنئي باتّباع ما أسماه "الاقتصاد المقاوم"، والرامي إلى تعزيز القدرات الذاتيّة الإيرانيّة، وتحسين الإنتاج، وملاحقة الفساد والمتلاعبين بالسلع، والمضاربّين على العملات، وإبعاد المسؤولين غير الأكفّاء، وفي هذا الإطار جرى تعديلٌ وزاريٌّ شمل أربعة وزراء لحقائب الاقتصاد والماليّة والصناعة والشغل والطرق.
ورغم التطمينات التي تلقّتها إيران باستمرار استيراد النفط من جانب أوروبا والصين والهند وباكستان وتركيا، وهي أهمّ الدول المستورِدة، فإنَّ القلق ما زال بادياً على الحكومة الإيرانيّة التي تخشى تشديد الضغوط الأمريكيّة على الدول المستورِدة، وأنْ يرافقَ العقوبات محاولاتٍ لإثارة الأزمات والقلاقل، بينما ستُلقي إدارةُ الرئيس الأمريكيّ ترامب بكلّ ثقلها من أجل خنق الاقتصاد الإيرانيّ، وتحقيق الهدف من وراء الانسحاب من الاتّفاق النوويّ وفرض العقوبات، والذي يأتي في مقدّمة الأهداف الأمريكيّة بدفعٍ إسرائيليٍّ كبير، يرمي إلى تغيير السياسات الإيرانيّة والحدّ من برنامج إنتاج وتطوير الصواريخ البالستيّة.
السيناريوهات المتوقّعة لمسار الأزمة تتوقّف على النتائج المترتّبة على تطبيق تلك العقوبات، وفي حالة عدم قدرة الولايات المتّحدة على إلحاق خسائر مُوجعة بالاقتصاد الإيرانيّ، فستكون ردود الفعل الإيرانيّة هادئةً، وستكتفي بالقول إنّها حقّقت انتصاراً معنويّاً وسياسيّاً على الولايات المتّحدة، ووسّعت من خلافاتِها مع أوروبا، وألحقت الضرر بالهيبة الأمريكيّة، لكن في هذه الحالة يمكن أنْ تلجأ إدارة ترامب إلى إجراءاتٍ إضافيّة، لإجبار إيران على إظهار ولو قدرٍ من الانصياع والقبول بإجراء مفاوضاتٍ جديدة، وأمام مباراة "عضّ الأصابع" يمكن أنْ ينتقلَ الصِّدام إلى مستوياتٍ جديدة، وأنْ تتطوّر إلى صداماتٍ عسكريّة غير مباشرة بين القوّات المدعومة من إيران في سورية والعراق والقوّات المدعومة من الولايات المتحدة، وبخاصةٍ في محيط قاعدة التنف الأمريكيّة الواقعة على الحدود السوريّة الأردنيّة، وكذلك في مناطق شرق الفرات، بالقرب من الحدود السوريّة - العراقيّة، وقد ظهرت مؤشّرات على تحركاتٍ عسكريّة لقوّات الحشد الشعبيّ العراقيّة باتّجاه الحدود مع سورية، على خلفيّة هجوم قوّات داعش على قوّات سورية الديمقراطيّة، وطردها من عددٍ من المواقع شرق دير الزور، لتتشابك أزمة العقوبات الأمريكيّة ضدّ إيران مع أزمتي تواجد قواعد أمريكيّة في كلٍّ من سورية والعراق، فالقيادة السوريّة كانت قد أعلنت أنَّ بسط سيطرتها على شرق الفرات هو الهدف التالي بعد إدلب، وبعد توصّل روسيا وتركيا وإيران إلى حلٍّ سياسيٍّ يقضي بنزع السلاح الثقيل للجماعات المسلّحة في إدلب، وإقامة مناطق آمنة، تسمح بفتح الطرق الدوليّة، وتأمين المدن السوريّة، فقد باتت خطوة بسط السيطرة على شرق الفرات على رأس مهام الجيش السوريّ وحلفائه، ويجري التجهيز لها، ولم تفلح الجهود الدبلوماسيّة الروسيّة في إقناع الولايات المتّحدة بالانسحاب من قاعدة التنف وباقي القواعد الواقعة شرق الفرات، وبعد أنْ كانت الولايات المتّحدة تربط انسحابها بالقضاء على داعش، أصبحت تربطه بانسحاب القوّات الحليفة لإيران من سورية، والتوصّل إلى حلٍّ للأزمة السوريّة يأخذ في الاعتبار مطالب المعارضة، لتدخل الأزمة السوريّة منحنى جديداً قد يصل إلى حدّ الاشتباك المباشر بين الجيش السوريّ وحلفائه مع القوّات الأمريكيّة، وإنْ كانت كلّ الأطراف تحاول تجنّب هذا السيناريو الخَطِر، غير أنّها قد تجد نفسها مدفوعةً خطوةً خطوة نحو المواجهة، وهو ما سبق أنْ حذّر منه وزير الدفاع الأمريكيّ جيمس ماتيس، والذي تجنّب أكثر من مرّةٍ شنّ غاراتٍ عنيفة على سورية، تشارك فيها فرنسا وبريطانيا بالطائرات والقطع البحريّة؛ لأنّها قد تؤدّي إلى صدامٍ واسع لا يمكن التنبؤ بتداعياته. كما يؤيّد سحب القوّات الأمريكية من شرق الفرات، لقلّة أعداد القوّات وعدم وجود خطوط إمدادٍ سهلة إليها، وهي شبه محاصرة بين قوّات الحشد الشعبيّ العراقيّ شرقاً، والجيش السوريّ وحلفائه من الجنوب والغرب، بينما تركيا في الشمال غير راضيةٍ عن وجود القوّات الأمريكيّة واعتمادها على المسلّحين الأكراد كقوّات "سوريّة الديمقراطيّة" التي تعتبرها جماعةً إرهابيّة تهدّد الأمن القوميّ التركيّ.
الوضع في العراق لا يقلّ توتّراً عنه في سورية، فالبرلمان العراقي دعا أكثر من مرّةٍ إلى خروج القوّات الأمريكيّة، وكذلك الحكومة العراقيّة السابقة برئاسة حيدر العبادي، لكن الأمر لم يتوقّف عند حدود الطالبات وتجاوزها إلى التهديدات بمهاجمة مواقع القوّات الأمريكيّة المتّهمة بأنّها تحمي مسلّحي داعش، والمستهدفة لقطع التواصل بين سورية والعراق، ووقعت عدّة اشتباكات محدودة مؤخّراً بين الجانبين، وربّما تصل إلى صدامٍ أوسع مع تحرّك قوّات الحشد الشعبيّ إلى الحدود السوريّة شرق الفرات منذ أيام، والإعلان عن أنّها ستوجّه ضرباتٍ استباقيّة لمسلّحي داعش داخل الأراضي السوريّة.
هكذا يتّسع مسرح العمليّات مع ارتفاع منسوب التوتّر وبدء تطبيق العقوبات الأمريكيّة على إيران، بخاصّةٍ مع التهديد الإسرائيليّ بأنّها قد توجّه ضرباتٍ إلى قوّات الحشد الشعبيّ العراقيّة، لكن فرص الطائرات الإسرائيليّة في شنّ الهجمات تراجعت مع تسليم روسيا منظومة صواريخ إس 300 لسورية.
أمّا السيناريو الأكثر خطورةً والأقلّ احتمالاً فهو إغلاق إيران لمضيق هرمز إذا ما نجحت الولايات المتّحدة في توجيه ضرباتٍ اقتصاديّة وأمنيّة مؤلمة لإيران، تضعها في زاويةٍ لا يمكن معها إلّا الدفاع عن وجودها بالاشتباك المباشر مع القوّات الأمريكيّة؛ لأنَّ مثل هذا السيناريو سيلحق أضراراً فادحةً للغاية بكلّ الأطراف.
تداخل الأزمات بين كلٍّ من إيران والعراق وسورية مع الولايات المتّحدة يبحث عن مخرجٍ يستبعد المواجهة العسكريّة، ولا تملك سوى روسيا القيام بهذا الدور، والذي سيسعى إلى تخفيف تأثير العقوبات الأمريكيّة على إيران، وبخاصّةٍ في ظلّ الانقسام داخل الولايات المتّحدة على الخروج من الاتّفاق النوويّ، والحملات التي تتعرّض لها إدارة ترامب، وقرب إجراء انتخابات التجديد النصفيّ للكونجرس، بالإضافة إلى الأزمة المتصاعدة بين السعوديّة وكلٍّ من أوروبا والولايات المتّحدة على خلفيّة مقتل جمال خاشقجي داخل القنصليّة السعوديّة في إسطنبول، والذي سينعكس سلباً على الدور السعوديّ في مواجهة إيران، وبخاصّةٍ في تعويض نقص تدفّق النفط المتوقّع عند تراجع الصادرات الإيرانيّة، وهو ما يرجّح ألّا تكون العقوبات الأمريكّية ذات تأثيرٍ موجع لإيران، ويفتح الطريق أمام تسوياتٍ تشمل تواجد القوّات الأمريكيّة في سورية والعراق.
لا شكّ أنَّ المنطقة مقبلةٌ على خطواتٍ تصعيديّة خَطِرة خلال الشتاء الذي بدأ ساخناً، لكن يظلّ الأفق مفتوحاً على أمل الاحتكام إلى العقل، وكبح جماح إدارة ترامب التي تواصل إنتاج الأزمات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 9