كتبَ خالد رزق: الربيع العربيّ "سورية" فروقٌ جوهريّة

خاص _ عربي برس

2018.11.03 - 08:51
Facebook Share
طباعة

نحو 6 أشهرٍ هي كلّ ما تبقّى من الزمن لتدخل الأزمة السوريّة عامها التاسع، 8 سنواتٍ كاملة شَهِد فيها البلد العربيّ المقاوم ما لم يكن ليأتي ببالٍ ولا حتّى تخيله أحدنا شيئاً محدوداً منه في أشدّ كوابيسه ظلاماً، ولا في سياقات الحرب ما بين سورية الصمود والمحتلّ الصهيونيّ...

كانت حسابات المنطق الظاهري في الحال الزمنيّة ما قبل مارس 2011 كلّها تفيد بأنَّ لسورية العروبةَ عدوٌّ واحد رئيس هو الكيان الصهيونيّ، وعدوٌّ ثانويّ له مطامعه المستترة هو تركيا، لكنّها لم تكن لتتجاسر على اتّخاذ خطواتٍ لتحقيق مطامعها حتّى اللّحظة التاريخيّة الفارقة التي تفجّرت فيها الأوضاع الداخليّة بسورية، إذْ كانت حينها ورغم فوارق موازين القوّى لحساب أعدائها تتملّك القدرة على الردّ والردع، وهي لم تكن لتصمت، وعادةً ما كنا نحن القوميّون العرب (مصريّون وغيرهم) نرى أنَّ مصر التي طالما تبنّت مبدأ وحدة المصير مع البلد الذي سبق وجمعتهما وحدةٌ تشكّل على الأقلّ ظهيراً سياسيّاً داعماً لسورية وعلى كلّ المستويات الأُخرى حتى وإنْ كانت مستترةً في حال تعرّضها لعدوانٍ من أيٍّ من الجانبين..، والأكثر كنّا نعتقد أنَّ مملكة آل سعود ومشيخات وإمارات الخليج ستكون بالضرورة الأخلاقيّة، ومن باب ردّ الجميل، داعمةً للبلد الذي ساهم في تحرير الكويت، وشارك جيشه في إنقاذ جزيرة العرب كلّها من الدمار.

باختصار، لم تكن سوريّة عروبيّة التوجّهات الرسميّة والشعبيّة، والتي لم تغادر ميدان المقاومة، ولا انخرطت في اتّفاقات العدوّ، مرشّحة في الذهنيّة العامّة لشيءٍ مما جرى ولا حتّى لشيءٍ قريبٍ من الذي جرى في مصر وتونس، ذلك أنَّ حالها الداخليّ ومستوى رضى شعبها عن نظام الحكم، بالأقل في نواحي السياسات الخارجيّة والاقتصاديّة وما يتّصل بظروف معيشة المواطنين كان مختلفاً بالكليّة عن الحال في البلدين اللّذين انتقلت منهما عدوى الحراك الجماهيريّ من دون مقدّماتٍ ودوافع متماثلة.

ففي حين اتّصل الحِراك الجماهيريّ في مصر، وهي الأكثر تأثيراً في سورية، بالأقلّ وجدانيّاً بمسبّباتٍ كان طبيعيّاً أنْ تقود إلى ثورةٍ عارمة، وهي كانت متوقّعةً منذ النصف الأوّل للعقد الأخير من الألفيّة، وكان ظهور حركة كفاية في عام 2003 من أهمّ مؤشّراتها القوية، إذ أسّس نظام الحكم ـ مبارك ـ ورجاله لدولة الفساد، وعمد إلى إضعاف البلاد وسلبها مصادر القوّة العسكريّة والاجتماعيّة عبر سياسات إفقارٍ وتجهيلٍ جرّت البلد العربيّ القويّ والأهمّ في ميزان القوّة بمواجهة الكيان الصهيونيّ إلى حالٍ من الهوان والتبعيّة وتسليم القرار حتى في الشؤون الداخليّة الصرفة إلى البيت الأبيض، وتلازم كلّ ذلك مع أساليب قهرٍ أمنيّ كان من شأن تفاقمها مع بداية الحراك الجماهيريّ في شوارع المحروسة تفجير الأوضاع كلّيّاً وانتقال الجماهير سريعاً من المطالبة بإصلاحاتٍ وبحلّ الحزب الحاكم وتغيير الحكومة، إلى الإصرار على إسقاط النظام ومحاسبة رجاله رموزه.

ولسنا في معرض الحديث عن ثورات مصر وتونس، ولا شكّ عند صاحب عقلٍ يفكّر في صحّة مقدّماتهما، ولا في وطنيّة الملايين من الذين خرجوا إلى شوارع وميادين البلدين طلباً للخلاص مِن أسوأ مَنْ مرّوا عليهما من الحكّام، ولا ينتقص أو يُعيب الثوّار وتحرّكهم هنا ما آلت إليه الأمور بعد إسقاط نظامي ابن علي ومبارك، ولا اندساس عملاء مدفوعين بأهدافٍ خارجيّة، ولا تمكّنت جماعات تجّار الدين من خوارج الزمن من الوصول إلى الحكم، ففي الحال المصريّة تربّى كلٌّ من الفريقين، العملاء والجماعات، في حظائر نظام مبارك وأجهزته الأمنيّة، وفي ذلك يطول الشرح، والأهمّ أنَّ من مكّنهم من الوصول إلى الحكم كانوا هم رجال مبارك أنفسهم، الذين ائتمنهم الشعب الثائر في ما لا يجوز ائتمانهم عليه. وطنٌ كانوا أوّل من باعوه وفرّطوا بأمنه.

أعود إلى سورية، فمنذ الأيّام الأُولى لحراك المطالبة بالإصلاحات، ظهر وبوضوحٍ أنَّ هناك من يريد أنْ يحرف المطالب المشروعة عن مسارها، بصمات الإخوان جماعات التكفير كانت شديدة الجلاء.. المواطن السوريّ الذي لم يكن يُعاني من مشكلات تدبير نفقات الحياة والعمل كما حال المصريّين والتونسيّين في ظلّ وفرة الإنتاج في بلاده واكتفائها الذاتيّ من الغذاء والوقود والملابس، ولا هو يشكّ بوطنيّة نظام حكمه الذي استمسك بخيارات المقاومة، ولم يعرف عنه تبعيّة سوى لمبادئ العروبة، ولم يعانِ قيوداً على الحرّيات الشخصيّة على إطلاق هذه الحرّيات، خرج فقط ليطالب بإصلاحاتٍ سياسيّة تمكّن الأكثريّة من المشاركة بالقرار ورسم مستقبل البلاد.. مطالبُ مشروعةٌ ولا جِدال في الأمر، لكنّها أبداً لم تكن ثوريّةَ الطابع والأهداف، فالمبادئ الوطنيّة العامّة في الحال السوريّة كانت واحدةً ما بين أكثر الشعب ونظام الحكم.

الذي حدث وفجّر الأوضاع هو ظهور السّلاح بيد من اندسّوا وسط جماهير الشعب السوريّ، وكان هذا السلاح وراء سقوط أكثر الضحايا المدنيّين، وفي المقابل لم يملك النظام الذي توافّر لديه من المعلومات ما يُفيد بتفعيل خطّةٍ خارجيّة متورّط بها عناصر الداخل بهدف إسقاط الدولة نفسها سوى مواجهة السّلاح بالسلاح، وبين نيران الخيانة ونيران الدفاع عن مصير البلاد ووجودِها سقط ضحايا كانوا وقوداً لأقذر حربٍ عدوانيّة عرفها التاريخ.

الطعنات للوطن السوريّ والدولة، ولا أقول للرئيس بشار ونظامه السياسيّ، فلكلّ أخطاؤه ولم اعتد الدفاع عن الرؤساء، جاءت أسوؤها ممّن كانوا حلفاء، وأوّلهم تنظيم حماس الإخوانيّ الذي وفّرت له سورية ووفّر له نظام الأسد حمايةً مكّنته من الوجود والبقاء، فكانت خيانته المباشرة الأُولى بمخيّم اليرموك على تُخوم عاصمة الياسمين دمشق، الطعنات الأخطر والأشدّ تأثيراً جاءت ممّن سبق، وارتحل الجيش السوريّ إلى بلادهم مدافعاً عن الشقيقة الكويت التي احتُلّت ذات يوم بين ليلةٍ وضحاها، فكان هو الداعم والمموّل لجماعات التكفير المسلّحة ومن أعطوا الغطاء للعدوان الغربيّ الذي تقوده الولايات المتّحدة حتى اليوم على واحدةٍ من بلاد المواجهة المباشرة مع العدوّ الأوّل، وأوصلوا الأمور بما اقترفوا إلى خروج أقسامٍ من الأرض عن سيادة الدولة وتشريد الملايين من أهلنا السوريّين الذين فرّوا هرباً من نيرانٍ لا تميّز، ومن وحوشٍ لا آدميّةٍ استحلوا دماء وأعراض وأموال البشر استخدمهم الغرب وأشقاء الأمس لتنفيذ مهمّة تدمير سورية.

 

وسط حربٍ عمّت المدن والقرى السوريّة كان طبيعيّاً دخول الأعداء الأصليّين على خطّ هدف تدمير قدرة الدولة السوريّة وجيشها، فكانت الاعتداءات الصهيونيّة المتكرّرة، أمّا الأتراك فقد هرعوا للفوز بمطامعهم المؤجّلة وصار لهم وجودٌ في الشمال السوريّ أضافوه إلى لواء الإسكندرونة المحتلّ.

جرى كلّ ذلك في وقتٍ انشغلت فيه مصر بكارثةٍ داخليّةٍ، إذ وصلت سِدّة الحكم فيها جماعةُ الخيانة الإخوانيّة، وكان عليها أنْ تنكفئ على ذاتها أوّلاً لتطهير أرضها من الخونة، وعبرت مصر الرسميّة أزمتها ولكنّها للغرابة لم تراجع موقفها من سورية حتّى في سياق إعادة العلاقات الدبلوماسيّة إلى مستوياتها الطبيعيّة.

وجدت سورية العروبة وحدها في مواجهة عدوانٍ كونيّ استهدف وجودها ذاته، لم يقف معها سوى حزب الله اللبنانيّ رفيق النضال، ووجوده لم يكن كافياً.

كان طبيعيّاً أنْ يلجأ النظام وقد رأى وطنه عُرضةً للضياع لبلادٍ أبقت على صداقتها ووفائها لسورية، وهنا ظهر اللاعب الإيرانيّ الذي يلوم النظام على تدخّله، أنظمة البلاد نفسها التي فعلت كلّ شيءٍ لتدمير سورية، والأهمّ والأقوى تأثيراً كان الحليف الروسيّ، الذي لم يكتفِ بدور المستشار ولا الداعم الدبلوماسيّ، وإنّما انتقل مباشرةً إلى مشاركةٍ فعليّة في الحرب، حتى وصلنا بفضل ما قدّم من تعويضٍ جويٍّ وسلاحٍ مكنا الجيش العربيّ السوري ورجال حزب الله من تحرير وتطهير المساحة الأكبر من الأرض التي استولى عليها تكفيرو داعش والنصرة والزنكي وغيرهم من جماعاتٍ تحمل عشرات المسمّيات.

اليوم وبعد أنْ صار يقينياً انتصار الدولة السوريّة وشعبها في حرب التكفير التي قادها وموّلها من هم أشدّ كفراً وضلالةً وعدوانيّة، صار على العرب كلّ العرب مراجعة مواقفهم من سورية الدولة والشعب، فإذا كان العرب -ولا أُخاطب فيهم هنا غير مصر ودول شمال إفريقيا- يلومون النظام على الوجود الإيرانيّ، وهو -هذا الوجود- فرضته ضرورات حماية الوطن بحدوده وجغرافيّته المعروفة، يكون عليهم أنْ يعوّضوه ويحلّوا محلّه، والأمر هنا مفتوحٌ لا سقف له ولا حدود..

أمام الدولة السوريّة مهامٌ وطنيّة كبرى، وفيها إعادةٌ لدورها في مواجهة عدوٍّ رئيسٍ صريحٍ قائم، وهذا لن يكون بغير بناء القوّة وإعادة الاستقرار لمواطنيها في ربوعها على امتداد خارطة الوطن بإعمار البلاد، وليس أقلّ أهمّيةٍ من مشاركة هذا القسم المحدّد من العرب سورية في تحقيق هذه الأهداف وإبراز دورهم السياسيّ الدبلوماسيّ المطلوب في المحافل الدوليّة لوقف كلّ صور العدوان، وتحرير الأراضي التي احتلّتها تركيا والتحالف الغربيّ.


*الأستاذ خالد رزق نائب رئيس تحرير صحيفة الأخبار المصرية

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 3