كتب مصطفى السعيد : استدعاء الدّين في المعارك

خاص عربي برس

2018.11.07 - 11:04
Facebook Share
طباعة

ليست إسرائيل دولةً دينيّةً رغم الوعد التوراتيّ ويهوديّة الدولة، ولا أمريكا دولةً دينيّةً رغم إعادة إنتاج المسيحيّة الصهيونيّة، ولا إيران دولةً دينيّةً رغم "ولاية الفقيه"، ولا السعوديّة دولةً دينيّةً رغم المؤسّسة الوهابيّة ولقب خادم الحرمين، ولا اليابان دولةً قروسطية رغم الإيمان بالإمبراطور نصف الإله؛ بل يَصعُب وصفُ جماعات مثل داعش والقاعدة والإخوان والسلفيّين بأنّهم حركاتٌ دينيّة، والتوصيف الأكثر دقّةً هو أنّهم جماعاتٌ سياسيّةٌ برداءٍ دينيٍّ يبرّر غاياتهم، وإذا وصفنا أيّ خطابٍ يستند لكتابٍ مقدّس بأنّه خطابٌ دينيٌّ فمِنَ الصعب أنْ نجد دولةً أو حاكماً لا يستخدم تلك المقاطع الدينيّة، فجورج بوش وصف حملته على العراق بأنّها "صليبيّة"، رغم أنّها ليست إلّا حملة استعماريّة لا علاقة لها بالمسيحيّة، والدولار الأمريكيّ عليه شعارٌ دينيّ بعيدٌ جدّاً عن غايات الدولار.
لقد كانت الدولة الثيوقراطيّة بحاكمها صاحب التفويض الإلهيّ ابنة مرحلةٍ تاريخيّة لا يمكن إعادة إنتاجها، بخاصّةٍ في عصر الرأسماليّة بكلّ مراحلها، وآخرها النيوليبراليّة المتوحّشة في عصر العولمة، ولا يقتصر ذلك على العالم الأوّل؛ بل كلّ العوالم، بما فيها أصغر دول آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيّة. نظلم المادّيّة التاريخيّة وعلم الاجتماع السياسيّ كثيراً عندما نتحدّث عن دولٍ دينيّةٍ في القرن الحادي والعشرين، وحتى ما قبل ذلك بكثير، فعلاقات الإنتاج الرأسماليّة التي دمجت جميع المجتمعات في آلتها الضخمة طحنت كلّ نظم الحكم السابقة لها. حتى السعودية بعلمها الذي يحمل شعار الإسلام، وحاكمها الذي يحمل لقب خادم الحرمين، ليست دولةً دينيّةً، رغم بنيتها الأكثر تخلّفاً في العالم، والمنتمية إلى عصر الإقطاع، حيث الملكيّة الإستبداديّة، والسبب في ذلك يرجع إلى انتقال المملكة من الحكم القبليّ إلى نمط الإنتاج الريعيّ، إذ تستخرج الشركاتُ الرأسماليّةُ النفطَ وتمنح الأسرةَ الحاكمة العائد دون أنْ يمرّ المجتمع بمرحلة الإنتاج الرأسماليّ. وإنَّ اليابان التي ما يزال على رأسها إمبراطورٌ له قدسيّة الآلهة، والذي ينتمي لأسرةٍ حاكمة تسبق القرون الوسطى ليست إلّا دولةً رأسماليّة متقدّمة، وصلت إلى المرحلة الإمبرياليّة، ولا يعني استمرار الإمبراطور الذي تقلّصت صلاحيّاته بعد الهزيمة في الحرب العالميّة الثانية، يعني أنّ اليابان تنتمي إلى القرون الوسطى سواء قبل الحرب أو بعدها، وكذلك إيران لا يمكن اعتبارها دولةً دينيّةً رغم اسمها المرتبط بالإسلام، ووجود المرشد العام للثورة الإسلاميّة على رأس السلطة، كما لا يمكن أنْ نعتبر أنَّ وجود رجال دينٍ يمارسون سلطاتٍ تنفيذيّة وتشريعية أنّها دولةٌ دينيّة، مثلما لا يمكن أنْ نقول إنَّ دولةً يقودها ضبّاطُ جيشٍ أنّها دولةٌ عسكريّة، فلا رجال الدين طبقة، ولا رجال الجيش طبقة، ولا البيروقراطيّة طبقة، والدولة تحكمها الطبقاتُ وليس الفئات المهنيّة.
ظاهرة استدعاء الدين كأداةٍ لتعزيز الحُكمِ ليست جديدةً؛ بل كانت إحدى الأدوات الضروريّة في الحكم على مدى التاريخ، ولم يكن استخدام الدين في اتّجاهٍ واحد؛ أي لتعزيز سيطرة الطبقة المُهيمِنة، وإنْ كانت الطبقات المُهيمِنة هي الأكثر استدعاءً للدين لتعزيز سلطتها، لكنَّ دور رجال الدين في الماضي لا يختلفُ كثيراً عن دور الإعلام في الحاضر، فالإعلاميّون هم الكهنوت الجديد، لكن ليس كلُّ رجال الدين من سدنة النظم الحاكمة، وكذلك ليس كلّ الصحفيّين من كهنة النظم الحاكمة، وإنْ قُلنا إنَّ دورَ رجال الدين قد تراجع في عصر الرأسماليّة فقد يكون ذلك صحيحاً بشكلٍ عام. لكن، هناك ظروفٌ وفتراتٌ يتمّ فيها استدعاء الدين حتّى في أكثر البلدان تقدّماً، فقد استخدمت الرأسماليّةُ العالميّة بابا الفاتيكان في الثوراتِ البرتقاليّة، بخاصّةٍ في بولندا، واستخدمت الولايات المتّحدةُ الكنيسةَ البروتستانتية لتعزيز نفوذ اليمين في فترة حكم جورج بوش الابن، الذي وصف غزوه للعراق بأنّهُ فتحٌ صليبيّ، وأخيراً شارك في إنتاجِ أكثر الجماعات الأُصوليّة همجيّةً في التاريخ، مثل داعش وجبهة النصرة، وقبلها أنتج القاعدة بالمشاركة مع حكوماتٍ عربيّةٍ وإسلاميّة، إذ شاركت السعوديّةُ ومصر الساداتِ وباكستان في عمليّة إنتاج تنظيم القاعدة؛ ليكونَ رأس حربة "الجهاد ضدّ الاتّحاد السوفييتي، وقد أعلنت هيلاري كلينتون أنَّ أمريكا نجحت في استخدام تنظيم القاعدة، لكنّها تركت الأمور تسير نحو الفوضى في أفغانستان بعد تحقيق الهدف الرئيس من إنتاج وتشغيل التنظيم.
يمكنُ أنْ نلاحظَ بسهولةٍ أنَّ الدين الواحد يمكن استخدامه لغاياتٍ متباينة؛ فالإسلام ليس واحداً في كلّ الدول والجماعات الإسلاميّة، وإذا قمنا بمقارنة الشعارات الدينيّة لإيران مثلاً سنجدها تتّجه إلى ما تسمّيه قوى الاستكبار العالميّ "الولايات المتّحدة وإسرائيل"، وتتجنّب الإساءة للمذاهب الأُخرى؛ بل إنَّ المرشدَ الإيرانيّ أفتى بعدم الإساءَة إلى الصحابة الذين لم ينصروا الإمام علي، بينما نجد أنَّ الجماعات التكفيريّة مثل داعش والنصرة والسلفيّة الجهاديّة تُكفّرُ الشيعةَ بشكل رئيس، وتُكفّر باقي المذاهب والأديان بشكلٍ فرعيّ، والغايةُ السياسيّةُ واضحةٌ هنا.
لقد كانت إيران بحاجةٍ إلى الإسلام ورمزيّة الإمام الحسين؛ ليخوضا معها معركة الاستقلال عن الهيمنة الأمريكيّةِ والإطاحة بالشاه، الذي أعادته بريطانيا والولايات المتّحدة إلى الحكم بانقلابٍ عسكريٍّ أطاح بحكومة مصدق المُنتخَبة ديمقراطيّاً، وكان لرمز الإمام الحسين وشعار "هيهات منّا الذلّة" دوره في الصمود خلال حربٍ استمرّت 8 سنواتٍ مع حصارٍ اقتصاديّ. إنَّ استدعاء الإمام الحسين لم يكن من أجل العودة إلى الماضي أو الثأر من بني أميّة، وإنّما لتحدّي الغطرسة الأمريكيّة؛ أي من أجل معركة الحاضر والمستقبل، وهو ما دفع الولايات المتّحدة وحلفاءها إلى استدعاء الجماعات التكفيريّة، ونفض التراب عن أفكار وفتاوى الإمام ابن تيميّة ليواجه الإمام الحسين بتكفير الشيعة، وإشعال حربٍ مذهبيّةٍ في المنطقة، بإنتاج داعش والنصرة وغيرهما، لتخوضَ هذه الجماعات حرب الدفاع عن إسرائيل والمصالح الأمريكيّة. لقد شَهِدت حروب التحرير الوطنيّ دوراً تقدّميّاً لرجال الدين في عددٍ من البلدان مثل عبد القادر الجزائري وعمر المختار وعز الدين القسّام، والمطران كابوجي، وهو دورٌ تقدّميٌّ بالمعنى الحقيقيّ؛ أي من أجل حرمان الإمبرياليّة من مستعمراتها، وحصولها على الاستقلال والحرّية، ما يعني أنَّ الدين ليس -بالضرورةِ- رجعيّاً، وإنّما حمّال أوجهٍ، وهنا لا بدّ من التفرقة والتقييم بين دور الدين في كلّ معركةٍ جرى استدعاؤه لها، ولهذا لا يمكن أنْ نضع داعش وحزب الله في سلّةٍ واحدة، ولا المطران كابوجي الذي كان يشارك في تهريب الأسلحة للفدائيّين الفلسطينيّين بالمطران ثيوفيلوس الثالث الذي باع أملاك الكنيسة الأرثوذكيّة للاحتلال الصهيونيّ، ولاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة بجماعة كلو كلوكس كلان العنصريّة، رغم أنَّ كلتيهما ترفع شعارَ الصليب.
عندما نخلط بين مقاومين يستمدّون من تاريخهم أو دينهم دافعاً معنويّاً لمواجهة قوى استعماريّة أكثر قوّة، وجماعات يُؤسّسها ويدعمها المستعمر لتحطيم المجتمعات، فإنّنا لا نكون أمام حملة تضليلٍ فحسب؛ بل أمام تشخيصٍ خاطئ لبعض الظواهر السياسيّة والفكريّة، وبخاصّةٍ عندما نُلقِي بتهمةِ ظهور الجماعات الإرهابيّة على الفكر العربيّ كلّه، وكأنّه مصابٌ بداءٍ عُضال في جوهره، ولا يمكنه الشفاء منه إلّا بعمليّةٍ جراحيّةٍ عميقة تجتثّ الأفكار الدينيّة التي تتبنّاها الجماعاتُ الإرهابيّة، دون أنْ ترى المتغيّرات والظروف الموضوعيّة التي دفعت بهذه الأفكار أو تلك، ونقسو على مجتمعاتنا ونجلد ذاتنا، مع أنّها ظاهرةٌ لا تقتصر علينا؛ بل نتسامح معها في الأديان والأعراق الأُخرى، وهي تهمةٌ نكادُ نحصرُها في الإسلام، الذي كانت له أوجهٌ عدّة سواء عبر التاريخ أو الجغرافيا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 7