كتب فاضل الربيعي: هيا.. فلْنَشتمْ الأمّة العربيّة

خاص عربي برس

2018.11.08 - 01:29
Facebook Share
طباعة

أمام الهجمة الشرسة على "فكرة العروبة" والدعوات إلى القطيعة مع الروح القوميّة السوريّة، وهي عموماً صادرةٌ عن أفرادٍ سوريّين غاضبين لا يجمعهم رابط إيديولوجيّ أو دينيّ/ مذهبي؛ قد يجد البعثيّون السوريّون أنفسهم اليوم، وكأنّهم في وضعٍٍ شبيه إلى حدٍّ بعيدٍ مع الوضع الذي كان فيه الاشتراكيّون الديمقراطيّون الروس (فيما بعد صار اسمهم البلاشفة) في سنوات 1905- 1914. عليهم آنذاك، أنْ يواجهوا هذه الدعوات بهدوءٍ وصبر. هذه ليست محنةً بأيّ مقاييس؛ بل لعلّها نوعٌ من امتحانٍ آخر لروح سورية التاريخيّة، مفاده إلى أيّ حدٍّ ممكن لسورية المعاصرة أنْ تُصغي برباطة جأشٍ حتى لهذا النوع من الصخب؛ أي مواجهة الدعوات إلى القطيعة مع الماضي القومي. وخليقٌ بنا أنْ نلاحظ، أنَّ الدعوة إلى القطيعة مع "الروح القوميّة"، هي في نهاية المطاف صيحةُ ألمٍ قديمةٍ سبق لها وأنْ سُمِعت في أماكن أخرى، منها روسيا، وأنّها غالباً ما كانت تتلازم مع الشدائد والمحن بكلامٍ آخر، ما نصغي إليه اليوم، سبق لنا وأنْ أصغينا إليه أو تهادى إلى سمعنا.

كان الاشتراكيّون الديمقراطيّون في روسيا المجروحة بكرامتها، جرّاء مشاركة روسيا في الحرب الأُولى وما تكبّدته من آلامٍ وخسائر، يجدون أنفسهم وكأنَّ ظرفاً تاريخيّاً طارئاً، زجّ بهم في نقاشٍ هستيريٍّ حول كرامة الأمّة الروسيّة؛ بينما كان النقاش الحقيقيّ يدورُ حول خلاص روسيا من مستنقع الذلّ والهوان. فجأة ثار نقاشٌ حول (قذارة الأمّة)، وأنَّ مِنَ الأجدى لروسيا أنْ تتخلّى عن "روحها القوميّة" وتشاغل المتساجلون عن المشكلات الكبرى العويصة، كالجوع والفقر والمستقبل. في الواقع لم يكن هؤلاء قد استعدّوا لمثل هذا الحوار الصاخب. كانوا أقلّ قوميّة من القوميّين الروس، وأكثر أمميّة منهم، وبطبيعة الحال فهم شيوعيّون يدعون إلى أمّة إنسانيّة؛ أي إلى " قوميّةٍ عليا إنسانيّة" أكبر من كلّ القوميّات الصغيرة. ومع ذلك أثار النقاش الصاخب حول الروح القوميّة الروسيّة غضبهم بسبب الشتائم المقذعة التي وجّهها المتساجلون إلى الأمة؛ ولذا انخرطوا فيه بقوّةٍ، وراحوا يُعيبون على القوميّين كراهيّتهم "للأمّة الروسيّة العظيمة". كانت المفارقة في هذا النقاش تتجلّى هنا، بينما يشتم القوميّونَ "أمّتهم" ويسخرون من "الروح القوميّة" كان الاشتراكيّون يهبّون للدفاع عن الأمّة.

الفارق بين البعثيّين السوريّين المعاصرين والاشتراكيّين الروس القدماء، أنَّ الأخيرين لم يكونا قوميَّين، وقد يصنّفهم بعض القوميّين الروس كمعادينَ تقليديّين للقوميّة الروسيّة بحكم العقيدة الشيوعيّة الأمميّة، وهذا يعني أنَّ السِّجال السوريّ الجديد، بخلاف السجال الروسيّ القديم يدور داخل المنزل؛ أي في "بيئةٍ قوميّةٍ واحدة" تقريباً. ومع ذلك، وجد المطعون بقوميّتهم وانتمائهم للأمّة، أي الذين لا يُعتبرون قوميين أنفسهم لا في خضم هذا النقاش الصاخب؛ بل كطرفٍ مُدافِعٍ عن "الروح القوميّة". كان عليهم أنْ يدافعوا عن روح الأمّة، مع أنَّ الطعون كانت تُصوّب لهم من كلّ مكان، بأنّهم (أقلّ قوميّة) ممّا ينبغي. وفي خضمّ هذا النقاش نشأ وضعٌ فريدٌ واستثنائيّ بالفعل، فقد كان هناك قوميّون روس يصفون الأمّة الروسيّة بأقذع الأوصاف؛ بينما كان هناك اشتراكيّون يُدافعون عن الروح القوميّة للأمّة. وكان من المستحيل عليهم تجاهل ما يجري. ولذا قرّروا المشاركة في هذا النقاش.

وهكذا، ابتداءً من هذا الوقت تفجرّ نقاشٌ بين القوميّين الروس و(الأمميّين) حول الولاء للروح القوميّة الروسيّة.

اليوم، وبشكلٍ مُفاجئ، يتفجّر نقاشٌ في سورية- وربّما قريباً في أقطار أُخرى من العالم العربيّ- وعلى نطاقٍ واسع، حول العروبة والقوميّة بالتلازم مع سيولٍ جارفةٍ من الشتائم من هنا وهناك، بلغت في كثيرٍ من الحالات، الدعوة إلى قطيعةٍ تاريخيّةٍ بين سورية المعاصرة وهويّتها العروبيّة القوميّة. ولأنَّ هذا النقاش الصاخب سبق له وأنْ ملأ الأرجاء في مكانٍ آخرَ في روسيا خلال سنوات المحنة؛ فإنَّ السِّجال الدائر بين السوريّين، سوف يتبدّى لنا كما لو أنّه مجرّد صدى شاحبٍ، باهتٍ وقديم لنقاشٍ لم يَفضِ إلى أيّ هدف.

ما الموقف الصحيح الذي يتوجّب اتّخاذه حيال النقاش؟ 

برأيي، يتعيّن أوّلاً وقبل أيّ اعتبارٍ آخر، إبداء كلّ الاحترام اللازم، لكلّ وجهات النظر بما في ذلك، الصيحات التي لا يتفوّه أصحابها إلّا بالشتائم المقذعة. هذا نقاشٌ حيويٌّ يتعيّن احترامه ورعايته بهدوء. لندعْ الناس (الناس جميعاً) يصرخون بما في أعماقهم من ألم. إنّهم يشعرون بالألم من الوضع المُهين لأمّتهم، وهذا حقيقي. إنّه وضعٌ مزرٍ ويستحقّ الاحتقار. الناس العاديّون – وحتى كثيرٌ من المثقّفين- قد يجهلون (موضع الألم) أو مصدره وأسبابه. هذا صحيح. لكنّهم يتألّمون، ومن واجبنا أنْ نصغيَ إلى آهاتِهم المعذّبة، وأنْ ندرسَ بدقّةٍ وأمانةٍ علميّة موضع الألم، قبل أنْ نعرض عليهم جواباً مُفحماً، إنّه نقاشٌ قديم. هذا صحيح، ولكنّه يعبّر عن الآلام نفسها.

خلال سنوات 1905 – 1914 ثارت ثائرةُ القوميّين الروس جرّاء تورّط روسيا في الحرب، ولذا راحوا يكيلون اللّعنات (للأمّة الروسيّة الحقيرة) المُستعبدة والذليلة، والتي لا تستحقّ سوى الهوان. كانت مقالات القوميّين الروس مثيرةً للفزعِ؛ لأنّها مليئةٌ بشتائم مُقذعة.

خذوا مثلاً ما كتبه شيرنوفسكي الديمقراطيّ الروسي العظيم، وهو يوجّهُ خطاباً غاضباً للجمهور العام: "هذه أمّةٌ تعيسة.. أمّةٌ من العبيد. من قمّتها إلى أخمص قدميها. روسيا أُمّةٌ من العبيد".هكذا ببساطة. حتى الديمقراطيّين لا يرون في روسيا سوى أمّة عبيد، حقيرة من الأعلى حتى أسفل السافلين. في هذا الوقت كتب لينين كرّاسته الشهيرة (بصدد كرامة الروس القوميّة). إنَّ عنوان مقالتي هو تحريفٌ نزيهٌ لعنوانِ كرّاسة لينين، ليس الغرض منه بكلّ تأكيد سوى عرضِ إمكانيّةٍ جديدةٍ لرؤية التطابق المُثير بين الحالتين الروسيّة والسوريّة. كتب لينين وسط هذا الجدال متسائلاً: مهلاً أيّها الاشتراكيّون.. أيّها الديمقراطيّون الأغرار.. ما بالكم تُزاودون على القوميّين.. القوميّون الروس يحبّون أمتّهم أكثر منكم. لكنّهم، وبسبب ولائهم وحبّهم العظيم لأمّتهم، يشتمون، يسبّون ضعفها وهوانها، ولكنّهم في الواقع، وفقط عبر الشتائم والألفاظ القبيحة، يعتقدون أنّهم قد يُحفّزّونها على النهوض. إنّهم يحبّون أمّتهم أكثر منكم. لا تتوهّموا أيّ أمرٍ آخر. إنّهم يحبّون أمّتهم، ولهذا فهم يُكيلون لها الاتّهامات بالشلل والعجز وحتى بالهوان والعبوديّة، فدعوهم يشتمون الأمّة. قد يكون هذا أحد الوسائل غير المألوفة لتحفيز روحها على النهوض.

دعوا العرب من المحيط إلى الخليج، لا السوريّين وحدهم، يسخرون من (عروبتهم، ومن العرب) كجماعةٍ بشريّةٍ صحراويّة لا تملك سوى الإبل. لا ضير من ذلك. هؤلاء في الواقع، ولشدّة حبّهم وولائهم لأمّتهم، يشتمون هوانها وعجزها. إنّهم يُحبّون أمّتهم مثلنا؛ الفارق بيننا وبينهم، يكمنُ فقط في وسيلةِ تحفيزِ النهوض؛ فهم يعتقدون أنَّ وسيلة التحفيز هي في صبّ جام الغضب على رأس أمّة العبيد؛ بينما يتعيّن علينا أنْ نرى، أنَّ سبيل التحفيز للنهوض، هو أنْ نُعيدَ تذكير الأمّة بأنّها كانت ذات يومٍ أمّةً عظيمةً رفضت العبوديّة وأنَّ الهوان لا يليق بها.

والآن: أيّها السوريّون، وأنتم تتأهّبون للاحتفال بالانتصار العظيم، اشتموا أمّتكم. اشتموا ضعفها وهوانها، لكن عليكم في الوقت نفسه أنْ تحتفلوا بانتصاركم بوصفه انتصار الأمّة على هوانها وضعفها.

دعوا السوريّين يشتمون أمّتهم. هذه صرخاتُ مُعَذّبين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8