كتب خالد رزق: تدارك لأحلامٍ وحدويّة استعصت على التحقّق...

خاص عربي برس

2018.11.13 - 12:06
Facebook Share
طباعة

  قبل 61 عاماً، وبالتحديد في يونيو من عام 1957، وفي توقيتٍ متزامنٍ مع انطلاق مشروع الاتّحاد الأوروبي، أعلنت 10 دولٍ عربيّةٍ عن تأسيس ما يُسمّى بـ(مجلس الوحدة الاقتصاديّة العربيّة).


الدول العشرة إلّا فلسطين المحتلّة، وهي أحد الأعضاء المؤسّسين، كانت في ذلك الوقت الذي تنسّم فيه شعوبها هواء الحريّة في أوطانهم، في ظلِّ مدٍّ ثوريٍّ وحركات تحرّرٍ واستقلال، عمّت أرجاء الدنيا وفي القلب منها منطقتنا، تتطلّع إلى الاستقلال الكامل لقرارِها وضمان عيشٍ أفضل ومكان لائق لشعوبها بين الأُمم، وكان سبيلها الواضح للوصول إلى هذه الأهداف يقوم على شقّين؛ أوّلهما: عسكريٌّ يعتمد على بناء القوّة وامتلاك أسبابها، والثاني: خلق اقتصادٍ بينيّ تكامليّ مُوحّد يقودُ عجلة التنمية الشاملة في هذه البلاد التي كان مُقدّرٌ أنْ تلتحق بها دولٌ عربيّةٌ أُخرى وفق ظروفِ كلٍّ منها السياسيّة في وقتٍ كان يظنُّ بأنّه لا ريب آتٍ.

اعتمدت الدولُ المُؤسّسةُ لمجلس الوحدة العربيّة مبادئ مشتركة تَركّز أكثرُها في ضمان حرّيات انتقال الأفراد والعمل والتملّك لمواطنيها، وتبادل البضائع المحلّيّة والأجنبيّة، إضافةً إلى حرّية الإقامة وتأسيس الأنشطة الاقتصاديّة. وإلى ذلك اتّفقت الدول المُؤسّسة على توحيد الأنظمة الضريبيّة والجمركيّة وتشريعاتها، ومنع الازدواج الضريبيّ على أنشطة مواطنيها في بلده الأُمّ والبلد العضو محلّ نشاطه، كما تبنّت مبدأ توقيع الاتّفاقات الدوليّة مع أطرافٍ خارج أعضاء مجلس الوحدة بصورةٍ مُشتركة.

والأهمُّ كان ما اتّفق عليه بشأن التعامل مع حدود الدول العشرة كمنطقةٍ جمركيّةٍ واحدة، ورسم سياساتٍ ماليّةٍ ونقديّةٍ مُوحّدة وصولاً إلى هدف التعامل بعملةٍ موحّدة تعتمد في قوّتها على عوائد المدخلات الإنتاجيّة والتجارية لهذه البلاد مجتمعة.

أسقطت أوروبا التي بدأت خطوات توحّدها في توقيت المجلس العربيّ نفسه، ووصلت بتجربتها ليس فقط إلى ظهور عملتها الموحّدة "اليورو" عام 2002، والتي أثبتت قوّتها ومن اليوم الأوّل، وإنّما سبقت كلّ التوقّعات عندما شاركت شعوب أوروبا في انتخاباتٍ عامّة لاختيار نوّاب أوّل برلمانٍ أوروبيٍّ موحّد عام 1979، وبتوقيع اتّفاقيّة شنجن لفتح الحدود بين عددٍ من البلدان الأوروبيّة، وتحرير وتوحيد أنظمة الإقامة والعمل لمواطنيها 1993، والأكثر كان في نهاية العقد الماضي إذ أسّست دولُ الاتّحاد جهازاً للسياسة الخارجيّة واختارت منسِّقاً عامّاً لشؤون السياسة الخارجيّة والأمن.

الدول العربيّة بلادنا العشرة المؤسّسة لمجلس الوحدة الاقتصاديّة العربيّة، فشلت في اتّخاذ أيّة خطواتٍ نحو تفعيل مبادئها وتحويل الأفكار العظيمة التي آمنت بها في وقتٍ مبكر جدّاً من مرحلة التطوّر الإنسانيّ المعاصر إلى حقائق تعيشها الشعوب، والأكيد أنّها لم تنجح في تصدير هذه الأفكار لغيرها من بلاد العرب، إذ إنَّ هذه الدول الأصليّة في عضويّة المجلس انسحبت إحداها "ليبيا" وجمّدت عضويّة إحداها "سورية".

وليس صعباً على القارئ لتاريخ أمّتنا وما جرى لبلداننا العربيّة كلّها، وليس فقط تلك المؤسّسة أنْ يفهم لماذا فشلنا فيما نجحت فيه أوروبا، ببساطة شَهِدت استمرار العدوان على بلادنا، ولم يتوقّف منذ الخمسينيّات تاراتٍ في صيغه المباشرة الأصليّة ممن استعمروا بلادنا ونهبوا خيراتها، وأحياناً بالكيان الصهيونيّ مندوب المُستعمر الدائم في قلبِ منطقتنا، وكان للحروب تأثيراتها الاقتصاديّة والأمنيّة المباشرة على البلاد التي عاشتها، غير إيثار بعض البلاد سدّ الأبواب أمام رياح مشاكل تأتيه من غربٍ يُحارب فينا الحرّية ويُريد سلبنا استقلال القرار واستقرار الديار، ورأى حكّامه عجزاً عن مواجهته، وهو المنطق المعكوس حتى عند تلاميذ الابتدائي، الذين أوّل ما يتعلّمونه هو أنَّ في الاتّحاد قوّة.

الطعنة المُعطّلة الأسوأ لمسيرة مجلس الوحدة العربيّ جاءت في زمن الرئيس المصريّ السادات، والذي تسبّب باعترافٍ بالكيان الصهيونيّ، وتوقيع اتّفاقٍ للسلام معه في مقطعة عربية عريضة للدولة المصريّة، فلم يَغِب عنها أحدٌ من أعضائه المؤسّسين، أمّا الدول العربيّة الأُخرى في الخليج وجزيرة العرب فكانت وفي هذا التوقيت بدأت تعرف فورة الاقتصاد النفطيّ المتعاظم، وحتى بعد رحيل السادات لم تكن لفكرةِ الوحدة الاقتصاديّة العربيّة والعملة المُوحّدة لتشكّل أيّ عامل جذبٍ لها، إذ سادت مفاهيمُ جديدةٌ عناوينها الرئيسة كانت تقول بإعلاء المصالح المحلّية، وتحوّل الموقف العربيّ العام من مفهوم بناء الأُمّة في سياق صراع حضاراتٍ مُستعِر نشهد نحن أقسى سيناريوهاته، ويُحتّم التوحّد وتجميع كلّ عناصر القوّة، إلى النظر للبلاد الأكبر صاحبة المواطنين الأقل دخلاً، والتي هي بالأساس في المواجهة المباشرة مع العدوّ كطامعٍ بثروات غيره (سورية و مصر) على سبيل المثل.


أسّست بلاد جزيرة العرب مجلس التعاون الخليجيّ، وفتحت الحدود بينها، ولكنّها عجزت عن توحيد العملة وتوحيد أنظمة العمل وغيرها.. وبذلك كتبت بيدها قرارَ الانفصال عن فكرِ الوحدة الاقتصاديّة للأمّة ككل، ولا بأس في الأمر، فبمعطيات الزمن هذا حقّها.. أمّا المجلس الأصليّ فلا أرى له مآل غير الفشل.. لا شيء تقريباً من المبادئ المؤسّسة له فعلت لا في كفالة الحرّيات المتساوية لشعوبه، ولا في توحيد شيءٍ في الاقتصاد، والأكيد ليس العملة.

ولست بكتابة هذا الكلام الذي تطالعه هاوياً لجلد الذات، ولا مروّج لليأس والإحباط، ولكنّي فقط أرصد بعضاً ممّا نحتاج قراءته بشأن أحلامنا الضائعة حتى لا نستمرّ على طرق الضياع نفسها، والمأمول، واستعير الكلمات هنا من رؤية العظيم الراحل الدكتور أحمد جويلي أمين عام مجلس الوحدة الاقتصاديّة العربيّة (2000 ـ 2010) وكنتُ مقرّباً منه، وأعرف كيف عمل على تحقيق الممكن والمقبول على مستوى الاقتصاد العربيّ كلّه، وليس فقط الدول الأعضاء، إذ كان يرى بأنَّ التكامل في تخطيط المشروعات الصناعيّة والإنتاجيّة كثيفة العمالة بين الدول العربيّة، وزيادة حجم التبادل التجاريّ البينيّ والاستثمار المحلّي هو الطريق الصائبُ نحو تحقيق نهضةٍ اقتصاديّة حقيقيّة يُفاد منها من هو بالخليج كما يُفاد منها الموريتانيّ.


كان -رحمه الله- يرى بأهمّية إفساح العرب فيما بينهم المجال لبلاد العرب المتقدّمة محلّياً في صناعةٍ بعينها، واعتمادها كبلدٍ مُصنّعٍ لكلّ العرب في هذا المنتج المحدد.. والاهتمام بالاستثمار في صناعاتٍ أُخرى يتقدّم فيها بلدٌ عربيٌّ آخر.. والمهمُّ هنا أنْ يكون الاستثمار في أيّ مجالٍ إنتاجيٍّ صناعيٍّ زراعيٍّ سياحيّ وخدميّ عربيّاً كأولويّةٍ أُولى بدلاً من الاعتماد على رؤوس أموال أجنبيّة، وفي ذلك وكان الرجل يشرح لي رؤيته بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، أكثر من فائدةٍ، فمن ناحيةٍ تبقى الأموال العربيّة آمنةً حال استثمارها في بلدٍ عربي، ولا تكون عرضةً لتهديدٍ بالمصادرة والتجميد كما حدث حين هدّدت الودائع والاستثمارات السعوديّة والخليجيّة في الولايات المتحدة

بعد سبتمبر وكانت تُقدّر حينها بنحو 600 مليار دولار.

أمّا الأهمُّ فهو أنَّ استثمار أموال العرب فيما بينهم إذا ما قام على أسسٍ علميّةٍ يُساهم في بناء قدرةِ الأمّة ككل، ويمكّنها من التقدّم خطواتٍ على طريق امتلاك القدرة والقرار ومواجهة أصعب مشكلاتها، كالبطالة والتي لا يُستثنَى منها بلدٌ من البلاد العربيّة حتى أغناها.

هل نلحق بالممكن في دراسات وأبحاث هذا الرجل وأوراقه المهملة بأرشيف ما يُسمّى بمجلس الوحدة العربيّة، ما من شأنه أنْ يفتح لنا بالأقل آفاقاً للتعاون.

khaled.rezk@gmail.com
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 7