كتب مصطفى السعيد: المقاومةُ تربح صفقة القرن

2018.11.14 - 03:36
Facebook Share
طباعة

 عندما سافر رئيس الوزراء الإسرائيليّ نتنياهو إلى فرنسا لحضور مئويّة نهاية الحرب العالميّة الأولى، كان ينتظر خبراً سعيداً يأتيه من غزة، ويُخفّف من الغضب الذي جثم على صدره، بعدما أفلح في لقاء الرئيس الروسيّ بوتين لدقائق قليلةٍ، لم يتزحزح فيها بوتين عن موقفه الرافض لاستباحة الطيران الإسرائيليّ الأجواء السوريّة، وتأكيده على أنَّ الأمرَ قد انتهى بتسليم الجيش السوريّ منظومةَ إس 300 المضادة للطيران والصواريخ، لكنّ الخبر الذي انتظره لم يكن سارّاً، فوحدة الكوماندوز الإسرائيليّة التي تسلّلت بسيارةٍ مدنيّةٍ تحت جنح طائرات الاستطلاع إلى قطاع غزة، تمّ اكتشاف أمرها قبل الوصول إلى الهدف، وجرى إطلاق النار عليها، وقطع طريق عودتها، فتدخّل الطيران الإسرائيليّ، وأطلقت القذائف على مطارديها، وحطّت طائرةٌ عموديّة لتحمل جثمان قائد الوحدة وعدّة جرحى وباقي أفراد الوحدة، فقرر نتنياهو قطع زيارته والعودة لاتخاذ قرار بالثأر ممّن أفشلوا العملية، وقتلوا قائد الوحدة المنفذة، وانطلقت الطائرات الإسرائيلية نحو أهدافها في غزة . 

مفاجأتان كانتا في انتظار نتنياهو: الأولى هي ظهور صاروخ كورنيت بحوزة المقاتلين الفلسطينيين، وأصابوا به حافلة نقل عسكرية، ولحسن حظه لم يكن بها سوى خمسة جنود، سقطوا جميعاً بين قتيل وجريح، وكان قد غادرها 45 جندياً، لو ظلوا بها دقائقَ لكانت إسرائيل تبكي دماً، وانهارت حكومته. أما المفاجأة الثانية فكانت في تطور الصواريخ الفلسطينية في المدى وقوة التفجير، ولم تعد تلك الصواريخ البدائية التي كانت إسرائيل وأتباعها يتهكمون عليها في البداية، ويصفوها بأنها لا تصلح إلا كألعاب نارية للأطفال، ولم تتمكن قبة إسرائيل الحديدية من إسقاط إلّا مئة صاروخ من بين أربعمئة صاروخ، لهذا لم يستمر نتنياهو ومجلس وزرائه المصغر في العناد طويلاً برفض الوساطة المصرية لوقف إطلاق النار، فالصراخ القادم من المستوطنات وعسقلان يصمّ الآذان، ولن تستطيع طائراته من الفتك بقادة الفصائل الفلسطينية، ومقاتليها الذين احتموا في خنادقهم داخل الأنفاق العميقة تحت الأرض، ولن يُقْدِمَ على ارتكاب حماقة أخرى باقتحام غزة مثلما فعل في 2014 . 

أصبحت إسرائيل في مأزقٍ خطيرٍ، وفقدت قدرتها على إثارة الفزع بقوة الرّدع الهائلة، التي غزّت أوهامها بالسيطرة على كل دول المنطقة، إما باستعمال القوّة أو بمجرد التلويح بها، لكنّها الآن مذعورةٌ أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، ولم يُهديء مخاوفها أن دولاً عربية وافقت على نقل العلاقات السرية إلى العلن، فهذا لن يضيف الكثير إلى قوّة إسرائيل، بل سيلقي بأثقالٍ على حلفائها الذين كانوا يكذّبون على شعوبهم، ويدّعون أنهم مع تحرير القدس وفلسطين، ولم يعد بمقدورهم الاستمرار في الكذب، لكن ماذا يفعل نتنياهو بهؤلاء المذعورين مثله؟ إنهم يطلبون منه الحماية، بعد أن أوكل إليه ترامب مهمة حمايتهم، مقابل أن يشاركوه معارك حماية إسرائيل، لكنّ نتنياهو لن يتمكن من منح الأمان باستقرار عروش هؤلاء الحكام، وهو لا يعرف كم ستبقى حكومته في الحكم بعد أن انكشف مدى ضعفه السياسي والعسكري، فحزب الله يتوعده بهزيمة قاسية إذا تجرأ على المساس بلبنان في الشمال، والفصائل الفلسطينية تزداد قوة في الجنوب، ومن أطلقوا الصواريخ المدمرة على عسقلان بإمكانهم ضرب تل أبيب بمئات وربما بآلاف الصواريخ، والقبّة الحديديّة مملوءةٌ بالثقوب. 

صفقة القرن التي تنشدها إسرائيل لا يمكن أن تمرّ إلاّ بنشر الرعب في قلوب جميع من حولها، فيأتوا صاغرين لتوقيع ما ستمليه عليهم، وقد جرى التمهيد الإعلامي لتمرير الصفقة على أنّ مَنْ سيرفضها سيخرج من الوجود، ولن يقوى أحد على مجرد مناقشة بنودها، وليس مطلوباً إلّا التوقيع، واعتبارها الأمر الواقع الذي لا يمكن تجنبه. لكن كيف سيجبر نتنياهو وصديقه ترامب الحكام العرب على توقيع اتفاقية خضوع لهذه الدرجة بينما قطاع غزة المحاصر والجائع والقليل التسليح يأبى الاستسلام، بل يخيف إسرائيل ويتوعدها بتدمير "مبنى مقابل مبنى ودم مقابل دم"؟ وكيف يمكن للحكام العرب أن يقنعوا شعوبهم بأن الوقوف أمام قوّة إسرائيل الجبارة ليست سوى انتحار، بينما فصائل صغيرة من المسلحين في لبنان وغزة تثير فزع إسرائيل؟ 

خاف نتنياهو من الإقدام على اجتياح غزة، وأعلن مجلسه المصغر أن هروبه من غزة ليس إلا للقفز إلى الأمام، وأن مسألة غزة لا يوجد لها حلّ سحري، ولهذا يجب تجنبها، وتوجيه كل الطاقات نحو القضاء على إيران. ويمكن أن نسمع قريباً الكلام نفسه من قوات التحالف العربي بأنها سوف تنسحب من اليمن، لأنّها رأت بعد نحو أربع سنوات أن مسألة اليمن لا يوجد لها حلّ سحري هي الأخرى، وأنّ عليها ادّخار قوّتها لخوض غمار الحرب ضد إيران وحزب الله وسوريا والعراق، وربما روسيا والصين. 

لقد اشترت دول التحالف العربي معظم مبيعات الأسلحة في العالم، لتصبح في صدارة قائمة الدول الأكثر تسليحاً، لكنّها لم تحقق الانتصار على دولة اليمن الفقيرة والمحاصرة، التي لا تملك أيّة طائرات أو دفاع جوي أو سفن ومدرعات، ويعاني شعبها من الجوع والكوليرا بسبب حصار اقترب من عامه الرابع، لكنّه مازال قادراً على الصمود والانتصار، وسبق لفيتنام الفقيرة أن انتصرت على فرنسا ومن بعدها الولايات المتحدة وهي قليلة التسليح وتعاني من الحصار، إلاّ من ممرّ ضيّقٍ يربطها بالصين، لأنّ هناك شيئاً اسمه إرادة العيش بكرامة، إنّه السلاح الذي لا يمكن انتزاعه أو شراءه، ويستطيع أن يجعل من الحجر والسكين أدوات قتال مؤلمة للعدو، وقادرة على إلحاق الخسائر به، وهو عادة عدو متغطرس، يحرمه تعاليه من رؤية ما بيد خصومه، ويظنّهم أضعف منه، طالما يمتلك المال الوفير والسلاح المتطور، فسيشتري كل شيء، بما فيها مبادئ الدول الكبرى، وقرارات المجتمع الدولي، وتأييد الإعلام والنخب السياسية، كما تمكّنوا بأموالهم من الاختراق والسيطرة على أحزابٍ وجماعاتٍ دينيةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ، وملأ أدمغتهم بقمامة أفكارٍ سلفيّةٍ مغرقةٍ في التوحش مثل داعش والنصرة والقاعدة، أو ملأها ببرامج متطورة وضعها خبراء في برمجة الحواسيب، والأدمغة البشرية التي أنتجتها الرأسمالية الجديدة "النيوليبرالية". فكل شيء يخضع لقوانين السوق، وطالما أن السوق تحت السيطرة فهناك كثيرٌ من الخطط البديلة، فإنْ فشل مخطّط الفوضى الخلاقة فهناك بدائل، أهمّها إثارة الريبة والضغينة بين دول المنطقة وداخل مكوناتها، لتشتعل الحروب بينها وداخلها، وتقضي على نفسها بنفسها. 

من المؤكّد أن نتنياهو وحلفاءه سوف يمضون في طريق الحروب، فهم لا يعرفون غيرها، حتى صفقة القرن ليست إلاّ صفقةً للحرب لأنّها تفتقر إلى العدالة التي لا يمكن الامتثال لها، لكنّهم لا يدركون أنّهم أمام مقاومين دأبوا على دراسة عدوهم، ولا تجدي معهم تكتيكات الحرب الخاطفة، القائمة على الترويع من هول الصدمة، ولا يتركون ساحة المعارك لأنّهم نبتوا فيها، لهذا فإن حروبهم لن تحقق النصر وصفقات سلامهم سوف تخسر، والمقاومون هم مَنْ سيربح في النهاية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 8