كتب فاضل الربيعي: يوم قطع الإنجليز "لسان" العرب

خاص _ عربي برس

2018.11.15 - 03:32
Facebook Share
طباعة

 عندما تأمّلت مسز بيل، الطابور الطويل الذي يقفُ عند باب رئيس تحرير جريدة (العرب) الناطقة بلسان الاحتلال البريطاني، وبمقرّه الرئيس في قلب بغداد، لفت انتباهها شابٌ ملتحٍ. كان صغيراً في السنّ، ومع ذلك فهو يضع عمامةً سوداءَ فوق رأسه، وبدا لها فوق ذلك مرتبكاً وهو يتأبّط كومةً من الأوراق. اقتربت منه وألقت عليه التحية بتهذيبٍ ثم سألته : قلْ لي لماذا تقف هنا؟ قال الشاب مرتبكاً : أنا من آل الصدر وأعيش في الكاظمية (معقل الشيعة في بغداد).جئتُ لأنشر قصيدة في مديح الإنجليز. لقد خلصونا من العثمانيين، لكنّني خائفٌ من غضب أهالي الكاظميّة لو علموا بالأمر فسوف يأمرون بقتلي؛ ولذا وضعت اسماً مُستعاراً.

كان العراقيّون منذ 1914 يُحبذّون استخدام التعبير/ المصطلح التركي "الخاتون" في وصف مسز غيرترود بيل Gertrude Bell مستشارة المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في العراق. " الخاتون" هالها ما سمعت: فما الذي يدفع شاعراً صغيراً في رداء رجل دينٍ شيعيّ، لكتابة قصيدة باسم مُسْتعار في مديح الاحتلال؟ كانت "الخاتون" مُستكشفة وعالمة آثار هاوية وباحثة ودبلوماسيّة وجاسوسة، أدارت ببراعة ودهاء ما يعرف بـ(المكتب الشرقيّ)، وهي التي اقترحت على البريطانيّين تقسيم العراق إلى ثلاث ولايات؛ لأن الشيعة (يستحيل) أن يتعايشوا مع السنّة. هذه الواقعة حدثت في تموز/ يوليو 1920وكان قد مضى على احتلال بغداد نحو 3 سنوات فقط (آذار/ مارس 1917)، ولذا قالت وهي تعلّقُ بمرارة على هذا النوع المُبتذل من التملّق في كتابها (رسائل مسز بيل): هؤلاء الذين يقفون هنا يحملون المقالات والقصائد في تمجيد الاحتلال البريطانيّ وذمّ وتحقير الأتراك، هم أنفسهم الذين كانوا قبل وقتٍ قليل فقط من الاحتلال وهزيمة الأتراك مع سقوط بغداد، يدّبجون المقالات باستخدام أقسى الألفاظ ضدّ الإنجليز. لقد كانوا يهاجموننا،وهاهم يمتدحون غزونا لهم. إنّها النُّخب ذاتها.

كانت حالة النُّخب العراقيّة في تلك اللحظات الفاصلة من التاريخ، مثيرةً للسخرية حقاً؛ إذْ كيف يمكن لها أنْ تعيش في الآن ذاته داخل ردائين: رداء الولاء للأتراك، ثمّ تبديله برداء الولاء للإنجليز؟ في الواقع لم يكن الشاب الشيعيّ الصغير المُعممّ حالةً شاذّة. كانت أوهامه بالتحرّر من الوحش التركيّ/ العثماني على يد الإنجليز اللطفاء، المهذبون، المحترمون، أي السادة البيض الذين جاؤوا من وراء البحار لإنقاذنا وتخليصنا، مجرّد نموذج مأسويّ لا أكثر، عن الظروف التي يمكن فيها للبشر البسطاء، أنْ يغرقوا في خضّم بحرٍ متلاطمٍ من الأوهام العظيمة التي يشيعها شعراء وكتّاب كبار؛ بل وساسة ورجال دين ومُصلحون اجتماعيّون وخطباء ووعاظ.


كان هناك كثيرون يصدحون بأغنية التحرّر من الاستبداد وإنْ بوساطة جحافل الغزو الأجنبيّ.

لكلّ هذا قد تبدو خطيئة هذا الشاعر الصغير من منظور الوقائع التاريخية، مجرد (طيش مراهق)، زلّة قدم شاب غرّ، لا أكثر. لكنَّ هذا الشاعر المُعممّ مع ذلك، كتب قصيدةً في مديح الإنجليز لاحتلاهم بغداد، تحت تأثير شاعرٍ كبير شاهده بأمّ عينيه وهو وقف في الساحات ومن حوله الحشود المسحورة بالغزاة، يصدح بقصيدته الركيكة (أهلا بفاتح بغداد). ذلك هو الرصافي.

فلم لا يكتب مثله؟

في هذا الوقت 914-1917، كان الشاعر الشهير معروف الرصافي (الذي يُزعم أنّه من أصول تركمانيّة) معلّماً في مدرسةٍ ابتدائيّة في مدينة الفلوجة غرب بغداد، ولكنّه، بعقليّة معلّم المدرسة المُحب للكتب، كوّن لنفسه مجموعة قناعاتٍ متناقضة ومشوهّة، منها أنّه سنيّ، ولكنّه محبٌّ للحركة الصهيونيّة؛ لأنّها حركة تقدّمية، وأنّها سوف تقيم (الكيبوتسات الاشتراكية/ كيبوتس في العبرية تعني المستعمرات) في فلسطين "المتخلفة". وأنّه اشتراكيٌّ يحبّ البلاشفة الروس (مع أن هؤلاء كانوا أعداء الإنجليز). ومع أنه سنيّ، لكنه ضاق ذرعاً بالعثمانيين، وهو يحلم بدولة مدنية وتعليم حديث، وكلّ هذا سوف يأتي مع الجحافل العسكرية الإنجليزيّة لا محالة. بهذا المعنى، كانت أوهام الرصافي بأنَّ الإنجليز سوف يحوّلون العراق إلى (جنّة ديمقراطيّة) فوق خراب الاستبداد العثماني، قد عبرت أفقها الطائفي وصارت (وهماً عظيماً) عند شعراء من الشيعة المُعممّين.

هذا يعني أيضاً أنَّ الأوهام العظيمة هي أوهامٌ عابرة للطوائف، فها قد تلاقى شاعرٌ سنيّ (طبعاً بالمعنى المجازي) كبير، مع شاعر صغير من الشيعة (بالمعنى المجازي أيضاً). لقد جمعهما الوهم لا الطائفة.

كلّ هذا يؤكّد أنَّ أوهام النخب هي أوهام لها جاذبيّة مغناطيسيّة فريدة في نوعها، لأنّها تجمع كلّ الطوائف.

لكنّ الرصافي بدوره، كتب لحظة سقوط بغداد في قبضة الجنرال الإنجليزي "مود"، قصيدته الشهيرة (أهلاً بفاتح بغداد التي سوف يحذفها من ديوانه في الأربعينيّات)، وفقط تحت تأثير قصائد ومقالات شاعر وفيلسوف كبير هو صدقي الزهاوي (الذي يُقال إنّه من أصولٍ تركيّة أيضاً). الرصافي المسكين كان ضحيّة أوهام زرعها في رأسه (معلمّه) الزهاوي. كان الرصافي مُعجباً بأفكار الزهاوي وحتى مسحوراً بشعره السخيف. ولذا، كتب قصيدة في مديح الإنجليز وتحقير العثمانيين (أجداده) فقط؛ لأنَّ الزهاوي ظلّ يصدح طوال سنوات بأنَّ الإنجليز قادمون لتخليصنا من الاستبداد العثمانيّ.


آنذاك ، لم يكن هناك أيّ نفوذ "للفرس المجوس الصفويّين في العراق...إلخ"، ولم يكن هناك من يدعو إلى تخليص العراقيّين من بطشهم كما هي الأغنية الرائجة اليوم. على العكس من كل هذا، قاد رجال الدين الشيعة (ثورة الجهاد) ضدّ الإنجليز دفاعاً عن الإمبراطوريّة الإسلاميّة العثمانيّة. وهذه كانت مفارقة كبرى بالنسبة للنخب العراقيّة التي رأت، أنَّ الخلاص من الاستبداد العثمانيّ هو شرط التقدم، والمدنية، والديمقراطية والتعليم الحديث. ولذا تردّدوا في تأييد ثورة 1920 التي قادها رجال الدين الشيعة. كان المثقّفون يغطسون في مغطس أوهامهم العظيمة.

أوهام الأمس مستمرّة في أوساط النخبة لا في أرض الواقع، كما لو أنَّ الزمن لم يتزحزح.

قبل 100 عام من الآن، انتهت الحرب العالميّة الأولى. لقد تبخرّت في الواقع، منذ تلك اللّحظات الأولى أوهام النخب، كلّ أوهامها دفعة واحدة، فالعراق لم يحصل لا على التعليم الحديث، ولا الدولة المدنيّة ولا على التقدّم. بيد أنَّ الأوهام المُعشعشة في رؤوس النخب لم تتبدّد، فخلال الحرب كان العرب في قبضة الأتراك، وحين لاحت سفنهم وهي تُمخِر عباب البسفور انقسموا على أنفسهم. كان هناك من يدعو إلى الجهاد في سبيل (الخلافة الإسلامية)، وكان هناك على الطرف الآخر منْ يدعو إلى الترحيب بالغزاة بحمولاتهم من الوعود. وفي هذا الوقت أيضاً، كانت أوهام النخب تتعاظم أكثر فأكثر مع انهيار المقاومة للغزو. 

بعد أيّامٍ من تنصيب بيرسي كوكس حاكماً عسكريّاً على العراق (1917) اتّجه بموكبه العسكري صوب مقرّ صحيفة (لسان العرب) التي كان يصدرها العلّامة اللغويّ الشهير الأب أنستاس الكرملي. كان الأب الكرملي عالماً لغويّاً ومسيحيّاً زاهداً، لكنّه وهو يرتعد هلعاً أمام حراب الجنود الغزاة، لم يجد أي غضاضة في قطع كلمة "لسان" من اسم الصحيفة، حين طلب منه بيرسي كوكس أنْ تصبح صحيفته ناطقةً بلسان الإنجليز. طلب منه أنْ (يقطع لسان العرب) وأن يستبدله بلسان الإنجليز. وهكذا أصبحت صحيفة (لسان العرب) بين ليلة وضحاها، صحيفة (العرب) الناطقة باسم الاحتلال البريطاني. وهكذا ابتهج المثقفون والساسة.

وهكذا مرّةً أًخرى، فقد تجاوزت أوهام النخب حدود الطوائف والأديان، وغدت وباءً. 

في هذا الوقت، كان الشاب المُعمّم، صغير السنّ المتلفعّ برداء رجل دين شيعيّ يقف في طابورٍ طويل، لتسليم قصيدته للأب المسيحيّ أنستاس الكرملي، منتشياً بقصائد ومقالات شاعرين من أهلِ السنّة.

هذه النماذج الثلاثة من التاريخ العراقي– قبل 100عام من الآن- تعكس حالة النخبة العربيّة بأسرها لا النخب العراقيّة وحدها. لا آنذاك فقط؛ بل حالتها الراهنة أيضاً. إنّها نخبةٌ غارقةٌ في الوهم، عنيدة، ولا تصغي لأيّ صوتٍ آخرَ سوى صوت (أوهامها).
 

لكنّها حين تصطدم بالحقيقة، عاجلاً أم آجلاً، سوى تغرق في اليأس أكثر فأكثر. إنّها الأوهام نفسها. والطوائف نفسها قبل مئة عام .


يمكننا اليوم رؤيتها وهي حيّةٌ ونشيطة، رغم أنَّ الأوهام نفسها سقطت منذ وقت طويل. إنّها نخبٌ شرسة، عنيدة تحب الأوهام.

بدلاً من الإنجليز، بات لدينا أوهام بأنَّ الأمريكيّين الذين حلّوا محلّهم، هم وحدهم منْ سوف يقدّم لنا الدولة المدنية، والديمقراطية والتعليم الحديث على طبقٍ من الفضّة وكأنّنا نحن السّادة والغزاة هم الخدم. هذه النخب سوف تنتظر 100 عامٍ أُخرى حتى تتأكّد من حقيقىة أنَّ الأوهام "العظيمة" هي أوهامٌ مُريعة.
 

للتذكير فقط، اضطرّ الرصافي لأنْ يكفر بالإنجليز، وبالرهان على هذه الأوهام حين قصفوا الفلوجة بالكيمياوي عام 1941 خلال مواجهتهم تمرّدت قوّات الضابط العراقيّ (الجاسوس الألماني) رشيد عالي الكيلاني. 

في هذه اللحظات فقط، شطب الرصافي قصيدة (أهلا بفاتح بغداد) من ديوانه واستبدلها بقصيدة هجاء للاحتلال ، حين شاهد الحُممَ الكيماويّة فوق رؤوس أهل السنّة في الفلوجة. أخيراً، وفقط بعد أكثر من عشرين عاماً من الأوهام، وتحت القصف بالكيماوي، كتب الرصافي المسكين قصيدته الساخرة من الدولة المدنيّة والدستور الحديث والديمقراطيّة والعلم الجديد: 

علـمٌ ودستورٌ ومجلس أمةٍ 

كلٌّ عن المعـنى الصحيح مُحرّفُ

أسماءُ ليس لنا سوى ألفاظُها 

أمّا معانيهـا فليست تُعرفُ

من يقرأ الدستـورَ يعلم أنه 

وفقـاً لصكّ الاحتلال مصنّفُ


اليوم، ومع الاحتفال العالمي بمرور 100 عام على نهاية الحرب العالميّة الأولى، يحقُّ لنا أنْ نتساءل لا عن أوهام الأمس؛ بل عن أوهام اليوم. لقد قطع الإنجليز (لسان العرب) ولم يفوا بأي وعدٍ. فهل يتعيّن على النخب الثقافيّة والفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة العربيّة، أنْ ننتظر القصف الكيماويّ للأوهام العظيمة، لتكفر بالغزاة، أي تكفر بأوهامها؟

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 7