كتب خالد رزق: " المهمّة" استعادةُ العروبة...

خاص عربي برس

2018.11.20 - 10:31
Facebook Share
طباعة

 في زمنٍ مثل زمننا، ومع حالٍ كحالِ العرب الذين انقلبت عندهم كلّ الأفكار، وحتى المعتقدات المبدئيّة نفسها، يكون من الصعب على أيِّ قوميٍّ عروبيّ التوجّه والمبادئ، مُدرِك لتاريخِ قضايا ومشكلاتِ بلاده وأمّته، مُستوعِب لمعطياتِ عصر الخوف الكونيّ الشامل الذي قابلته حكوماتنا ومجتمعاتنا العربيّة بالانكفاء على همومها ومصالحها المحلّيّة الضيّقة التابعة كلّيّاً للغرب وللشرق اقتصاداً وسياسةً وثقافةً أنْ ينشرَ حقيقةَ ما يؤمن به من أفكارٍ من دون صدامٍ مع عقليّاتٍ مسخها توجيه آلة الإعلام غير المنزّه عن الغرض بعدما بدّلت وقودها المعنويّ من ما يُدفع للكشف عن حقيقة المخاطر التي تواجهها أمّةٌ مستضعَفةٌ مستباحةٌ كأمّتنا وما تتطلّبه مواجهة هذه المخاطر من قواعد وأولويّاتٍ عامّة جامعةً لكلّ مصادر قوّتها، إلى ما يُغيّب الحقائق ويُعيد بلادنا كلّها وشباب أمّتنا إلى زمنٍ كان يقف فيه كلّ مجتمعٍ من بلداننا منفرداً في ساحة البحث عن حرّيته واستقلال بلاده.

والحقُّ أنّه غيّر الإعلام، فإنَّ الواقع نفسه محرّضٌ لشبابنا ولكلِّ أبناء أمّتنا أينما وحيثما كانوا من المحيط إلى الخليج وما جنوبهما وشمالهما للكفر بمبادئ عروبةٍ لم يتعلّموها ولم يروا أيّة تفاعلاتٍ لها على الأرض.. فكيف يفهم شابٌّ من يقول له بوحدةِ المصير ويُحدّثه عن صراع حضاراتٍ وكيانٍ عدوانيٍّ غاصب "ما" إنْ لم يُقتَلع سيبقى تهديداً أبديّاً للأمّة كلّها وإنَّ عليه وعلى بلده اليوم دوراً في مواجهة كلّ ذلك، في حين أنَّ كلَّ ما رآه وعاشه هو فرقةٌ لا وحدة وصِراعات محلّيّة وبينية بين بلاد أمّةٍ قِيَل له إنّه ينتسب إليها، وعدوّ صوّر له أنَّ بيده مفاتيح الأمن والاستقرار لبلده هو وليس الخطر الأوّل عليها.

كيف تُقنع شاباً من أمّتنا بانتسابه إليها وبأنَّ عليه دوراً وواجباً تجاهها، في حين أنّه ممنوعٌ عليه التنقّل والانتقال بين بلدانها إلّا في حالات، حتى صار ارتحاله للغرب أيسر، وكيف يفهم شابٌ أنَّ كلّ ما جرى في بلادنا (العراق وسورية وليبيا واليمن) من قتلٍ وتدميرٍ باركه بعضنا وشارك فيه بعضٌ آخرُ منّا وصمت عنه الجميع، فيه شيءٌ يقول إنّنا أمّةٌ تسعى لمواجهة قضايا وجودٍ ومصير.

وكيف لأيٍّ منّا أنْ يقنع أحداً في الدنيا بأنّنا جادّون حقّاً في المواجهة.. ونحن نطعنُ بالمقاومة ورجالها، ونطعن بمن هم أقرب لنا في إيران ونعاديهم، في حين يقول الواقع إنَّ لنا وإيّاهم عدوٌ مشتركٌ ويصرخُ العقل والمنطق بأنَّ التحالف معهم قد يكون فيه وأدٌ لصراعاتٍ داخليّةٍ كثيرة، والأهمُّ أنّه مؤكّدٌ يُضيفُ لقوّةِ الأمّة العسكريّة والاقتصاديّة ولتأثيرها وقيمتها بين الأمم.

وهل لأحدٍ في الدنيا، وهذا حالنا، أنْ يرى فينا شيئاً من إرادة العروبة وعزمها النضاليّ، الأكيدُ لا... "أمة" لا تنتج طعامها ولا ما تلبس ولا ما تسمع وتشاهد وتقرأ وإلى ذلك، فأكثر بلدانها اختارات ومن بين كلِّ بلادِ الدنيا، أعداءها ليزوّدوها بالسلاح وليوفّروا لها الحمايّة...

أتصوّر أنَّ على هذه الأمّة، شعوبٌ وحكوماتٌ أنْ تنتبّه وتستفيقَ وتتوقّف لتراجع أوضاعها وتستدعي وتجتر مبادئها الأصليّة لتعود فتعرف سرَّ وجودها على هذه الأرض، ويكون لها مكانٌ بين الأُمم في عالمٍ لا يعرف ويحترم غير القوّة ولا يعترف سوى بمن تُحرّكهم مبادئ وطنيّة وقوميّة راسخة عصيّة على الاختراق..

المهمّةُ بالغةُ الصعوبة محفوفةٌ بوهنٍ أمميّ عام متدثّر بقيودٍ حتى على التعبير في كثير من بلادنا، وينبغي على القوميّين أنْ يكونوا دعاتها، وأوّل من يحرّض عليها..


(الحقودة.. وشهيد دسمان الكريم)

كما كثير من المصريّين رحتُ أبحث في الإنترنت عمّا أشارككم إيّاه تهكّماً في موجةِ غضبنا التي أثارها بالأساس الاعتداء على مواطنةٍ مصريّةٍ بالكويت، وأجّجها كلامٌ قبيحٌ من نائبةٍ كويتيّةٍ موتورة، كارهةٍ لمصر ولأهلها.


وتذكّرت الرجلُ الوحيد من أفراد عائلة الصباح الحاكمة الذي بَقِي في الكويت عند الغزو، وقتله أفرادٌ من الجيش العراقيّ في أغسطس من العام 90.. كُنت أريد أنْ أتمادى في تهكّمي وأقول إنَّ الرجل الوحيد الذي بَقِيَ من عائلة الصباح وقتل بَقِيَ لأنّه كان نائماً ولم ينتبه.. ببساطة كنتُ في انفعالي سأسيء لرجلٍ توفاهُ الله الذي لولا هداني صواب التفكير في لحظات الغضب لَمَا طرأ ببالي حتّى أنْ أُراجع سيرته.


وهذا نذرٌ بسيطٌ ممّا وجدت عن الرجل، هو الشيخ فهد الأحمد الجابر الصباح (10 أغسطس 1945 - 2 أغسطس 1990) وهو الابن التاسع لأمير الكويت العاشر أحمد الجابر الصباح وأصغر أبنائه الذكور، قُتِل عندَ بوّابة قصر دسمان على يد الجيش العراقيّ إبّان غزوه للبلد العربيّ الصغير، وأطلق اسمه تكريماً على منطقةٍ بالكويت، وهي ضاحيّةُ فهد الأحمد..، إلى هنا لم يكن هناك ما يرجعني، ولكن الذي استوقفني هو ما عرفت عن سيرة الرجل التي كشفت أنّه نموذجٌ للوطنيّ العروبيّ المقاوم، الذي لم تشغله حياة القصور عن واجبات مقاتلٍ صنديدٍ من أبناء هذه الأمّة.


في سيرة الرجل كان هناك الكثير، فهو عسكريٌّ متمرّس، التحق بالجيش الكويتيّ عام 1963 برتبة ضابط مرشّح، ثمَّ أوفد في بعثةٍ عسكريّة إلى المملكة المتّحدة في عام 1964، ورُقّي إلى رتبة ملازم ثاني في 1967 وتم تعيينه ضابطَ أركان بالحرس الأميريّ برتبة ملازم أوّل.


وضمن وحدة تمثّل الدور العروبيّ لبلاده شارك في حرب 1967 ضمن "لواء اليرموك" على جبهة سيناء المصريّة، وفي 2 يوليو 1969 استقال من الخدمة العسكريّة، ولكنّه عاد إليها في عام 1970، واستقال منها مرّةً أُخرى في عام 1973، وفي ذلك هو لم يترك حياة القتال العسكريّة، وإنّما كان يترك مهامه الرسميّة في جيش بلاده ليقاتل حيث ينبغي، ويوجد القتال "في" صفوف منظّمة التحرير الفلسطينيّة ضمن العمل الفدائيّ ضدّ الكيان الصهيونيّ منذ عام 1965 وحتى عام 1972، وقد أُصيِبَ ثلاث مرّاتٍ خلال العمليّات العسكريّة داخل الأرض المحتلّة.


قرأت ما سبق وتوقّفت آسفاً خَجِلاً، وعاتبت نفسي كثيراً، كيف لم أسمع شيئاً من سيرة هذا الرجل من قبل، وهل لمثلي أنْ يطعن في رجلٍ حاربَ لوطنه وأمّته.. هل لمثلي أنْ يتغافلَ عن رؤية الساطع الجليّ ويتقوّل على أسدٍ من رجال الأمّة عرف معنى النضال والمقاوَمة وراح إليها حيثما ووقتما كانت مصيريّةً لا لست هذا الرجل الذي لا يعرف ويعترف بقَدر وأفضال الرجال.

رحم الله شهيد دسمان، الرجل الذي لم أعرف قدره ومكانه إلّا وأنا ساعٍ للنيل منه فكانَ أنْ صار عندي كما أكرم شهداء الوطن والأمّة.. وكانت من أجله هذه السطور أمّا المرأة الحقودة فلتذهب بقُبحها وبعفنِ روحها النتنةِ إلى الجحيم.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5