كتب فاضل الربيعي: هل الجماهيرُ على الدوام.. تقدّميّة وثوريّة "وعلى حق" ؟

خاص عربي برس

2018.11.21 - 12:45
Facebook Share
طباعة

 شاعت في بغداد مطالع الخمسينيّات من القرن الماضي، طرفةٌ سوداء سرعان ما انتشرت بسرعةٍ مذهلةٍ في الأوساط السياسيّة والاجتماعيّة، تقول إنَّ أحد المتقاعدين من روّاد مقهى "حسن عجمي" في شارع الرشيد بقلب بغداد، ثارت ثائرتهُ وهو يقرأ في الصحيفة المحليّة خبراً عن زيادة رسوم السفر إلى الخارج، فراح يزعق في قلب المقهى: "الله أكبر.. ما هذا الظلم.. أنتم تظلمون الشعب بمثل هذه القرارات.. ارحموا الناس قبل أنْ يثوروا عليكم". وما إنْ لاحظه نادلُ المقهى الشاب حتّى اقترب منه، وقال له بلطف: "يا حاج. لِمَ كلّ هذا الغضب والصراخ؟ لقد أمضيت كلّ حياتك في دائرةٍ حكوميّةٍ وتمضي عطلتك هنا في هذه المقهى، ولمْ تسافر حتّى إلى البصرة. هذه الزيادة تُثقل كاهل منْ لا يزالون شباباً ولديهم وظائف.. أنت رجلٌ مسنّ عاجزٌ عن السفر. ثمّ إنّك، لو قرأت الخبر جيّداً، فسوف تلاحظ أنَّ الزيادة في رسوم السفر لا تشمل سوى ثمن استخراج جواز السفر وليس السفر للخارج؟ هل لديك أيّة معاملةٍ لاستخراج جواز سفر؟"

ما تقوله هذه الطرفة هو الآتي:

إنَّ شخصاً من "الجماهير" افترض أنَّ احتجاجه على قرارٍ حكوميٍّ جائر، هو رأي "الشعب" كلّه، أي رأي كلّ المجتمع خارج المقهى؛ ولذا رفع عقيرته في الاحتجاج برغم أنَّ هذا القرار في الواقع لا يعكّر صفو، أو سلاسة مسار حياته الشخصيّة، أيّ لن يلحق أيّ نوع من الأذى المباشر به كشخص. ولو افترضنا أنَّ روّاد المقهى انضمّوا إلى هذا الرجل المسّن المتقاعد، وخرجوا في تظاهرةٍ ضدّ الحكومة، وراحوا يهتفون بصوتٍ واحد ضدّ القرار، ثمّ انضمّت لهم جماهير المقاهي الأُخرى، ومعهم أصحاب الدكاكين والمحلات والباعة في شارع الرشيد، ثمَ وقع اشتباكٌ عنيف استخدم فيه البوليس الرصاص والغاز المسيل للدموع، وسقط قتلى وجرحى ونشبت حرائقُ في الكثير من المباني، ودبّ الذعر في المجتمع كلّه، وبحيث فرّ كثيرون من منازلهم؛ فإنَّ علينا أنْ نتساءل: هل هذه "الجماهير" التي خرجت من المقهى غاضبةً هي "الشعب"؟ وهل الذين لحقهم بهم الأذى المباشر جرّاء هذه التظاهرة، هم "شعب" أم "جماهير"؟ منْ هي الجماهير إذن، ومن هو " الشعب" في هذه الحالة؟ أَمْ هي جماعاتٌ غوغائيّة؟ بكلامٍ آخر، هل يجسّد هذا الاحتجاج رأي المجتمع بأسره؟ هل منْ فجّر هذا الحدثَ كان يعرف أصلاً، أيّ شيءٍ عن القرار الحكوميّ؟ لقد قرأه بشكلٍ مغلوط، ثمّ فسّره بشكلٍ مغلوط. لكن، هل الذين انضمّوا إليه وراحوا يشتبكون مع البوليس، يعرفون أيّ شيءٍ حقيقيّ عن موضوع تظاهرتهم؟

لطالما قدّست الأحزابُ الجماهيريّة في الوطن العربيّ "غضب الجماهير"، ورأت أنّها هي المحرّك الجبار لنضالاتها، لكن تقديس غضب الجماهير والسير خلفها من دون تبصّر أو نقد، غالباً ما كان يؤدّي إلى نتائج عكسيّة.


هل الجماهير ثوريّة وتقدميّة دوماً؟ وهي "على حقّ" في كلّ سلوكها السياسيّ؟ لقد واجهت الفيلسوفة الألمانيّة الرائعة حنة أرندت هذا السؤال بشجاعةٍ فكريّة نادرة، حين وضعت مفهوم" الجماهير" مقابل مفهوم "الشعب"، ثمّ بينّت بذكاءٍ نادر، أنَّ "الجماهير" ليست هي "الشعب"، وأنّنا حيال مفهومين مُتباينيْن، كلٌّ منها يؤدّي إلى تصوّراتٍ ورؤى مغايرةٍ بصورةٍ حتميّة. الجماهير من وجهة نظر أرندت، هي مواد اجتماعيّة مُتحلّلة من طبقاتٍ اجتماعيّة مختلفة لا يجمعها جامع، فليس ثمّة علاقات إنتاجٍ تربط بين هذه المواد، كما لا توجد روابط فكريّة أو سياسيّة حقيقيّة. إنّها جماهير من دون أيّ "موادّ لاصقة"، يمكن أنْ تجعل منها سبيكةً واحدةً مُتماسكة، أو قادرة أنْ تنطق بلسانٍ واحد. على العكس من ذلك، فإنَّ لهذه المواد الاجتماعيّة المُتحلّلة، ألف لسانٍ وألف مطلب، وذلك ما يعقّد أو يُعيق إمكانيّة فرض مطالبها من دون ثمنٍ فادح.

لكن هذه "المواد الاجتماعيّة" المُتطايرة يمكنها، مع ذلك وحتى مع عدم وجود "مادّةٍ لاصقة" أنْ تتجمّع في أيّة لحظةٍ من حول شعار مُلتبس، أو حتّى غير واقعي؛ بل وأنْ تقاتل في الشوارع مع حشودٍ أُخرى ليس لديها أيّ روابط معها، سواء أكانت دينيّة أمْ فكريّةً أو سياسيّة. وفي حالاتٍ كهذه قد يُصبح نضالها عبثياً، فأهدافها مُشتتّةٌ وشعاراتها متضاربة .

اليوم، يمكننا أنْ نرى الجماهير نفسها وهي تنزلُ إلى شوارع باريس والمدن الأوروبيّة الأُخرى، ثمّ تخوضُ معارك شرسة ضدّ البوليس. وحين نتأمّل في موضوع هذا الحراك المؤلّف من عشرات مئات العاطلين عن العمل والمُهمّشين، سنلاحظ أنّه يدورُ، مثلاً في باريس حول مسالة "رفع أسعار الوقود"، أي حول موضوعٍ لا يمسّ في الصميم سلاسة حياة هؤلاء. بيد أنَّ فحص الحالة الاجماعيّة للأفراد في الشارع، واحداً بعد آخر، سيكشفُ أنّهم في غالبيّتهم من الضواحي البائسة والمُهمّشين الذين لا يملكون حتّى درّاجاتٍ هوائيّةٍ للتنقّل، أي أنّ مسالة رفع أسعار الوقود ليست في صلب مشكلتهم، وأنّها مشكلةُ جماعاتٍ سكّانيّة أو " طبقاتٍ اجتماعيّة" أخرى، لدى أفرادها سيّاراتٌ خاصّة يتنقّلون فيها إلى أعمالهم. ومع ذلك، فثورتهم هي تجسيدٌ لشعورٍ حقيقيّ بوجود "ظلمٍ" حقيقيّ من نوعٍ ما، لكنّهم لم يتمكّنوا من تشخيصه بدقّة. الجماهيرُ تخطئ، وقد يكون لديها سوءُ تقديرٍ وهي ليست مقدّسة؛ بل يجب نقدها. هناك موضوعاتٌ حقيقيّةٌ تستحقّ أنْ تناضل الجماهير من أجلها، لكن هناك دوماً "جماهير غوغائيّةٌ" تحرّكها قوى من داخل مؤسّسات الدولة أو من "دولٍ أجنبيّة".

وفي هذه الحالة سيكون علينا نقدُ مفهوم قدّسيّة الجماهير "

هذا التمييزُ المفهوميّ للمُصْطلحات، كان غائباً عن ذهن النُّخب العربيّة حين اندلعت أحداث ما يُعرف بـ"الربيع العربيّ"؛ ولذلك شاعَ في وسائل الإعلام والمنابر الرسميّة ووسائل التواصل الاجتماعيّ، خطابٌ غوغائيٌُّ يتماهى فيه مفهوم "الجماهير" مع مفهوم "الشعب"، وجرى تخييلٌ مُمنهجٌ ومُضلّل، ركّزت فيه النخب على فكرةٍ وحيدة، هي أنَّ التحرّك الجماهيري تجسيدٌ لإرادة "الشعب"، وأنَّ الجماهير على حق، وهي ثوريّةٌ أو تقدميّةٌ دائماً، وأنّنا يجب أنْ نطيع إرادتها، وأن نمتثلَ لشعاراتِها المقدّسة. وبطبيعة الحال، فقد انساقت معظم الأحزاب الجماهيريّة خلال أحداث الربيع العربيّ خلف جماهير غاضبة، ليس لديها أيّ أهدافٍ حقيقيّة، وانبرى كتّابٌ وساسّة لتبرير كلّ أخطاء الجماهير بما في ذلك رفع السلاح بوجه الدولة، حتّى إنَّ كاتباً عربيَاً شهيراً طالب، منذ اللحظات الأُولى لاندلاع الأحداث في ليبيا ومن على شاشة الجزيرة وبصوتٍ صاخب، بتسليح جماهير ليبيا الثائرة؛ لأنّها "جماهير حركة تحرّرٍ وطني"؛ بل ودعا إلى فرض منطقة حظرٍ جوّيٍّ على نظام القذافي، وظلّ يزعق مثل الموظّف المتقاعد في مقهى حسن عجمي. نعم لا بدَّ من فرض (No-fly zone). لقد كان هناك مثقّفون غوغائيّون لا يقلّون حماقةً عن جماهير "مقهى حسن عجمي" الافتراضيّ. وقد لا نجد أيّ فارقٍ نوعيٍّ بين سلوك ذلك الموظّف المتقاعد وسلوك النُّخب الثقافيّة خلال أحداث "الربيع العربي".

وهكذا، تكون تظاهرةُ شارع الرشيد الافتراضيّة في خمسينيّات القرن الماضي، قد حصلت على دعم النُّخب الثقافيّة في عام 2011، وبحيث تنطّع كاتبٌ شهير من على شاشةٍ فضائيّةٍ شهيرة، ليصبح ناطقاً رسميّاً باسمها، لكنّها هذه المرّة ضمّت حشوداً أُخرى وعبرت حدودَ العراق، وباتت مصدرَ إعجابِ كلّ المثقّفين المسحورين بعظمتها، حتّى وهي تُحطّم بلداناً وشعوباً بأكملها من العراق إلى سورية مروراً بليبيا. لكن "الجماهير المقدّسة" هذه، سرعان ما كشفت عن الجزء المُغطّى، المموّه من شخصيّتها، حين رفعت السلاح ورايات "القاعدة/ النصرة، وداعش" وراحت تُغنّي بصوتٍ واحد أغنيّة "الإسلام دين ودولة".

ثمَّ سرعان ما استيقظ العالمُ كلّه على الحقيقة المروّعة الآتية: أنَّ هذه "الجماهير" تضطهد "الشعب"، وأنَّ الذين كانوا يفرّون من جرائمها ليس رجال الدولةِ التي يخاصمونها؛ بل الغالبيّة العُظمى من فقراء الشعب. لقد طحنت الجماهير فقراء الشعب.

الجماهيرُ ليست هي "الشعب"، وليست تقدّميّةً أو ثوريّةً على الدوام. هذان مفهومان/ مصطلحان يستحقّان التمييز بينهما لئلّا يقع المرء في أخطاء سوء التقدير، ففي حالاتٍ كثيرةٍ قد تكون الجماهير قوّةً رجعيّة. ألم تكن الجماهيرُ الألمانيّة التي صوّتت لحزب هتلر عام 1933، وله شخصيّاً ليصبحَ وبفارق أصواتٍ ضئيلة، مستشاراً لألمانيا فيدخل الرايخشتاخ كبطل، هي جماهير رجعيّةٌ وحتى نازيّةٌ مُجرِمة، وأنَّ الشعب الألمانيّ صوّتَ ضدّ هتلر، وسعى بكلِّ الوسائل لمنع صعوده؟ أليست الجماهيرُ التي دعمت وساندت وقاتلت مع "الخمير الحُمر" عام 1970 لإسقاط حكم الأمير نوردوم سيهانوك، هي جماهير غوغائيّةٌ وإجراميّةٌ؛ لأنّها راحت تضطهد الشعب الكمبودي من دون رحمة؛ بل وقامت بقتل كلّ معلّمي المدارس وحتى كلّ شخصٍ متعلمّ، بزعم أنَّ كمبوديا يجب أنْ تعود لفلاحة الأرض، وأنَّ التعليم الحديث هو بضاعة "رأسماليّة نجسة". لم تتوقّف مأساة كمبوديا إلّا حين ظهر خمير حمر آخرون "شيوعيّون موالون لفيتنام" وأسقطوا حكم الجماهير المجرمة.

أليست الجماهيرُ الصينيّة التي نزلت إلى شوارع بكين، لاعتقال وقتل أساتذة الجامعات والطلّاب خلال عصر "الثورة الثقافيّة" التي قادها ماو تسي تونغ بنفسه؛ لأنّه ضاق ذرعاً برفض الشعب الصينيّ تأليهه وعبادته كفردٍ مُطلق، هي جماهيرُ غوغائيّةٌ؟ ألم تبطش هذه الجماهير بالشعب الصينيّ كلّه. إنَّ صورَ أكوام الجماجم في مدن كمبوديا، وكانت غالباً في هيئة "تلال" لا مجرّد أكوامٍ، والتي ما تزال تصدم وعي ومشاعر كلّ من يشاهدها، هي التجسيد الحقيقيّ للحظةِ ظهور جماهير غوغائيّة تزعم أنّها الشعب.

إنَّ تقييمَ أحداث "الربيع العربي" بشكلٍ صحيح يجب أنْ يستند إلى هذا التمييز الدقيق الذي وضعته الفيلسوفة الألمانيّة الجريئة حنا أرندت، فقد برهنت الأحداث أنَّ متقاعدَ "مقهى حسن عجمي" القديم، قد يشخص أمامنا في أيّة لحظةٍ ليخدعنا بصراخه وزعيقه، زاعماً أنّه يُناضل ضدّ ظلم الدولة للشعب.

الجماهير قد تصبح قوّةً رجعيّةً في اللّحظة التي تفهم فيها بطريقةٍ خاطئةٍ خبراً صغيراً في صحيفةٍ محلّيّة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 9