كتب مصطفى السعيد: "الديمقراطيّة".. أكبرُ خدعةٍ في التاريخ

خاص عربي برس

2018.11.22 - 12:04
Facebook Share
طباعة

 هل حقّاً يجري تداولٌ للسلطة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وأوروبا؟ هل يمكن تسميتها بـ"أنظمةٍ ديمقراطيّة"؟ إنّها أكبر خدعةٍ في التاريخ، جرى الترويج لها طويلاً حتّى صدّقناها، وما الديمقراطيّة الأمريكيّة والأوروبيّة سوى مساحيق تجميلٍ أو أقنعةٍ يُمكن أنْ تتهاوى إذا نظرنا إلى جوهرها، وعرفنا كيف تُدارُ تلكَ الخدعة، الأشبه بلعبةِ تحريك العرائس من خلف الستار، إذ تتواجدُ الشركات الرأسماليّة الكبرى والمصارف ورجال البورصة وغيرهم من كبار الرأسماليّين الذين يتحكّمون في المشهد، الذي يجري إخراجه بوساطة شركاتٍ مختصّةٍ في الدعاية، مثلما يتمّ الترويج لما يُسمّى بـ"المصارعة الأمريكيّة" التي يجري تدريب المتنافسين عليها، ويحدّد مخرجها من المصارع الذي يفوز في النهاية، منتزعاً تصفيق المعجبين بمشاهد المصارَعة التي تبدو حقيقيّةً أمام الكثيرين.

إنَّ كلمة ديمقراطية المشتقّة من اليونانيّة تعني "حكم الشعب لنفسه"، فهل أيٌّ من شعوب تلك البلدان تحكم بالفعل؟ بالطبع لا توجد ديمقراطيّةٌ مُباشرة، ولا يشارك الشعب في إدارة الدولة، لكنّها الديمقراطيّة "التمثيليّة" أي إنَّ الشعبَ يختارُ ممثّلين له في البرلمان، ويختار رئيساً ينوب عنهم في حكم الدولة، ولكلّ صلاحيّاته وفق النظام المُقرّر في الدستور، لكن لا يمكن لأيّ شخصٍ أنْ يترشّح بالفعل، ليس لعدم وجود إلّا أشخاص معدودة على أصابع اليد لديها المؤهّلات اللازمة؛ بل لأنَّ المرشّحين يمرّون ببوّابات عدّة حتّى تتأكّد القوى الموجودة خلف الستار أنّهم جديرون بالترشّح، وعادةً تجري الانتخابات في الولايات المتّحدة بين مرشّحي الحزبين الكبيرين، الديمقراطيّ والجمهوريّ، وكلاهما في قبضة الرأسماليّة الأمريكيّة، ويَسعَيان إلى الأهداف نفسها، ويُحافظان على النظام الرأسماليّ، الذي يضمن استمرار تكدس الثروة في أيدي شريحةٍ محدودةٍ من السكّان تُهيمن على الإعلام والشركات والمناصب المهمّة في الدولة، وهي من تشكّل ما يُسمّى بالدولة العميقة، لكنّها تحرصُ على إيهام الشعب أنّه مَن يختار ومَنْ يتحكّم في نظام الدولة وسياستها، لكنَّ الحقيقة أنَّ معظم الشعب لا يكادُ يعرف الفروق بين سياسات المرشّحين، والتي تنحصرُ فقط في عددٍ من النقاط الهامشيّة التي لا تمسّ جوهر السيطرة الرأسماليّة، فتكون الخلافات هل تزيد الضرائب بدرجةٍ محدودةٍ على الأغنياء لدعم الخدمات العامّة؟ أمْ أنَّ فرضَ الضرائب على الأغنياء سوف يؤدّي إلى تراجع الاستثمارات وتقليص فرص العمل؟ هل تؤيّد حقَّ الإجهاض، أمْ أنّه مُخالفٌ للأخلاق والأديان، هل ندعم العلاج أمْ نتركه للعرض والطلب، حتّى هذه الفروق البسيطة لا يكاد الكثير من الناخبين يلمّون بتفاصيلها، ويكون التأثير الأكبر للمرشّح الذي جمع أكبر قدرٍ من الأموال للدعاية الانتخابيّة، ونظّم مهرجاناتٍ كرنفاليّة، وحملاتٍ دعائيّة تركّز أحياناً على العلاقة الأُسريّة ومظهر المُرشّح وخفّة ظلّه وحيواناته وأطفاله ومظهر زوجته، وتكون تلك الفروقُ مادّةً للدعاية المؤثّرة على ناخبينَ لا تتجاوز نسبة مشاركتهم في الولايات المتّحدة عادةً 40% إلى 45%، ومن الصعبِ أنْ تجدَ ناخباً يعرف أين تقعُ الصين أو روسيا؛ بل إنَّ مرشّحينَ لرئاسةٍ لم يعرفوا موقع العراق أو أفغانستان.

لا يمكن السّماح لحزبٍ يُعادي الرأسماليّة بشكلٍ جذريٍّ أنْ يتواجد على الساحة من البداية، فالحزبُ الشيوعيّ الأمريكيّ محظورٌ منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، بتهمة معاداة القيم الديمقراطيّة، وهي تشبه تهمةَ الخيانة، وقبلها كانَ يُعاني من التضييق والملاحقات، أمّا الأحزاب الشيوعيّة والاشتراكيّة في الدول الأوروبيّة فقد تمَّ اختراقها من الداخل بوساطة المخابرات ومراكز البحوث، للدفع بأفكار وشخصيّاتٍ تحرفُ توجّهات تلك الأحزاب التي اقتربت من اعتناق الرأسماليّة في الجوهر، واستمرّت تحمل اسم الاشتراكيّة خِداعا، فحزب العمّال البريطاني الاشتراكيّ شكّلاً كان أكثر تَبعيّةٍ للولايات المتّحدة الأمريكيّة من حزب المحافظين الرأسماليّ صراحةً، وهناك نفس لعبة تبادلِ كرةٍ السّلطة بين حزبين رأسماليّين، لا تكاد تختلف توجّهاتهما، ويظنُّ الناخب أنّه مُشاركٌ حقيقيّ في الحكم. 

لكنّ احتكار السلطة من جانب الشركات الرأسماليّة الكبرى لا يعني أنَّ من يَعيش في تلك الدول الغنيّة لا يتمتّع بامتيازاتٍ تفوقُ نظرائهم في دول العالم الأكثر فقراً، لا من حيث مستوى المعيشة أو الحقوق الاجتماعيّة، أو حتّى حريّة التعبير المُنضبِطة، فلأنَّ تلك البلدان تُحقّق الثراءَ بسبب وجود استثماراتٍ ضخمةٍ، واستغلال دول العالم الفقيرة بطرقٍ شتّى، فإنّها تمنحُ أجوراً أعلى لمواطنيها من الشعب "العمّال والفلاحين والطبقة الوسطى"، وكذلك يمكنهم التعبيرُ عن آرائهم طالما لن يمكنهم المساس بجوهر النظام، فيمكنُ أنْ تسبَّ أيَّ وزيرٍ أو حتّى الرئيس من دون أنْ تنالَ عقاباً، فذلك لا يؤثّر أمام الآلة الجهنّميّة الضخمة للإعلام، كما أنَّ الوزيرَ أو الرئيس أو المحافظ ليسوا إلّا موظّفين لدى الطبقة الرأسماليّة المُحتَكرة للثروة والسلطة، ويمكن تغييرهم إذا قصّروا أو أغضبوا الناس، فهم مع الاستقرار الذي يُؤمّن لهم الاستمرار، لكن هناك خطوطٌ حمراءُ وأوقاتٌ حَرِجة يمكنُ أنْ تكشّر فيها الرأسماليّة عن أنيابها الاستبداديّة، مثلما حدث في الولايات المتّحدة أثناء الحرب العالميّة الثالثة، ووضع المواطنين من أصولٍ يابانيّةٍ في معسكرات اعتقال، وفي أعقاب الحرب الكوريّة، والخشية من تمدّدِ الشيوعيّة، وظهرت المكارثية التي صادرت حرّية التعبير، ووضعت الكثير من المشاهير والساسة رهن التحقيقات، وشنّت حملاتِ اعتقالٍ واشتباهٍ ضخمة، كما جرّت حملاتٌ أقلّ حدّةً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتوسيع نطاق الاشتباه والتجسّس، والتضييق على المسلمين، أمّا قدس الأقداس والخطّ الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه لأيّ شخصٍ مهما كانت مكانته، فهو التشكيك في المحرقة اليهوديّة "الهولوكوست"، ولو بمجرّدِ التلميح أو المطالبة بإعادة التحرّي حول حقيقتها أو عدد ضحاياها، وتأتي في المرتبة الثانية تهمةُ الخروجِ عن القيم الديمقراطيّة، وتَعني تبنّي الأفكار الاشتراكيّة أو غيرها من المُعتقدَات التي ترى فيها دولُ الغرب أنّها تُشكّل تهديداً لها.

إنَّ خرافة الديمقراطيّة الغربيّة قامت على أساس أنَّ الاستبدادَ الناعم، والسّيطرة على العقولِ باحتكار الإعلام ونُظم التعليم وغيرها من مؤسّسات تشكيل الوعي كفيلةٌ بأداء مهام السيطرة الطوعيّة على الشعوب، بخاصّةٍ أنَّ تلك الأنظمة لديها أدواتٌ وخبراتٌ كبيرة في ترسيخ هيمنتها وشيطنة الأفكار والشخصيّات المُناوِئة، ومن يخرج عن السيطرة فهناك أدواتٌ أُخرى في القمع الخفيّ، الذي تتولّاه أجهزةُ المخابرات والأمن، لكن إذا تعرّضت مصالها لتحدّياتٍ حقيقيّةٍ فإنّها تستخدم كلّ أدوات القمع الخَشِنِ مثلها كأيّة دولةٍ استبداديّةٍ من العالم الثالث، وربّما أشدّ ضراوةً.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 1