نقاباتُ العمّال آخر معاقلِ المُقاوَمة ضدّ المدِّ الإخوانيّ في تونس

أحمد نظيف _ خاص عربي برس

2018.11.24 - 05:56
Facebook Share
طباعة

 

بدأت حكومةُ يوسف الشاهد، المدعومة بقوّةٍ من حركة النهضة الإسلامية تواجه المتاعب في تونس. الاتّحاد العام التونسيّ للشغل، أكبرُ النقاباتِ العمّاليّة في البلاد، أعلن عن إضرابٍ عمّاليٍّ عام في البلاد قريباً، احتجاجاً على السياسات الاقتصاديّة الجائرة لهذه الحكومة، والتي اعتبرتها النقابةُ معاديةً للطبقات الفقيرة والمتوسّطة، وتهدفُ إلى تصفية القطاع العامّ من دون وجود بدائلَ حقيقيّة لدعم محدودي الدخل في البلاد. فيما تقفُ حركةُ النهضة الإخوانيّة خلف الحكومة وبرنامجها الاقتصاديّ بقوّةٍ، سياسياً وشعبياً. وعينها على السلطة، لكنّها تريد حكم بلادٍ في المستقبل خاليةً من النقابات.

 

أصلُ الصِّراع

في بداية العام الحاليّ، بدأ رئيسُ الحكومة التونسيّة، يوسف الشاهد بالكشف عن ملامح مشروعه للإصلاح الاقتصاديّ، المدعوم من القوى الدوليّة المانحة، كصندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ والاتّحاد الأوروبيّ. والذي يتضمّن حزمةً من الإجراءات منها خصخصة العشرات من شركات القطاع العام، الأمر الذي رفضته القيادة النقابيّة. وتعمّقَ الخلافُ أكثر عندما عقدت الحكومةُ التونسيّة في 11 أبريل/ نيسان، ندوةً دعا لها رئيسُ الحكومة بنفسه للإعلان عن رؤيةٍ جديدةٍ للإصلاح، في حضور كلِّ الأحزاب والقوى السياسيّة ومنظّمات المجتمع المدنيّ التونسيّة، ما عدا اتّحاد الشغل الذي أعلن مقاطعة الندوة، ورفض نتائجها.

 

ومنذ ذلك الحين دخلت العلاقةُ بين الطّرفين مرحلةَ الصِّراع، الذي وصل حدَّ المطالبة بإسقاط الحكومة من طرفِ الاتّحاد في مقابل تمسّك الشاهد ببرنامج خصخصة القطاع العام وسياسات التقشّف. يرى الاتّحاد أنَّ مشروع الشاهد الإصلاحي يستهدفُ بشكلٍ مباشر الطبقات الفقيرة والمتوسّطة من خلال تجميد الأجور، وتجميد الانتداب والتقليص من عدد عمّال الوظيفة العمومية، إلى جانب تقليص موارد صندوق دعم المواد الأساسيّة، فضلاً عن البند الأبرز المتمثّل في "إصلاح المؤسّسات العموميّة الخاسرة، والتي تُعاني خللاً ماليّاً وكلفةً ماليّةً عبر خصخصتها". لكن الشاهد وحكومته يعتقدون بأنَّ هذه الإجراءات القاسية ضروريّةٌ لتخطّي الأزمة الهيكليّة التي يمرُّ بها الاقتصاد التونسي.

 

ويبدو أنَّ الطّرفين قد اختلفا حول تأويل مسألة الإصلاح الاقتصاديّ التي اتّفقنا حول جميع الأطراف السياسيّة في وثيقة قرطاج، التي أفرزت الحكومة الحاليّة. فالمركزيّة النقابيّة ترى أنَّ الإصلاح هو إعادةُ بناءِ "دولةِ الرعاية الاجتماعيّة" التي تضمن حدّاً أدنى من الخدمات العامّة المجّانيّة للمواطنين، وتعزّز تماسك الطبقات الوسطى. في المقابل يرى الشاهد أنَّ "دولة الرعاية الاجتماعية" القائمة منذ الاستقلال ونموذجها الاقتصاديّ، الذي يُعطي للدولة مجالاً واسعاً للتدخّل في العمليّة الاقتصاديّة، قد وصلت إلى طريقٍ مسدود من خلال الأزمة التي تعيشها، وأنَّ الأزمةَ الحاليّة هي أزمةٌ هيكليّة وليست مجرّد أزمةٍ عابرة، ولا بدَّ من إعادة بناء الاقتصاد التونسيّ وعلاقته بالدولة بشكلٍ جديد، حتّى أنّه صرّح بأنَّ "الإصلاحات الكبرى تأخّرت لسنوات، وأنَّ حكومته ستتحمّل مسؤوليّة الانطلاق في عمليّة الإصلاح مهما كلّفها الثمن".

 

لكنَّ المعركةَ بين مشروع يوسف الشاهد لتصفية القطاع العام والمركزيّة النقابيّة تبدو أكثر عمقاً. إذْ يُشكّل مشروع الشاهد تهديداً وجوديّاً لاتّحاد الشغل، فعمليّة خصخصة الشركات العامّة والمؤسّسات الحكوميّة ستؤدّي إلى إضعاف النقابات العمّاليّة داخلها، فالمركزيّة النقابيّة طالما استمدّت قوّتها من نقاباتها في القطاع العام، وقد شَهِدَت السنوات الماضية خصخصةً لبعض الشركاتِ العامّة وأدّت إلى ضعف قوّة نقاباتها العمّاليّة. ولو نجح الشاهد في بيع بقيّة شركات القطاع العام فإنّه سيوجّه ضربةً مُوجعةً لقوّة اتّحاد الشغل.

 

وكان قد أطلق الاتّحادُ العام التونسيّ للشغل حملةً للتصدّي إلى خططٍ حكوميّةٍ لبيع مؤسّساتٍ عموميّة للقطاع الخاصّ. ونشر الاتّحادُ اليوم قائمةً تضمُّ أكثر من 20 مؤسّسةً عموميّةً، قال إنّها مشمولةٌ من قبل الحكومة بخطط البيع بالكامل إلى القطاع الخاصّ. وقال الاتّحاد في بيان هذه "قائمة أوليّة للشركات التي تريد الحكومةُ بيعها، والغريب في الأمر أغلبها شركاتٌ رابحة". وتضمُّ القائمة مؤسّساتٍ صناعيّةً وبنوكاً وشركات نقلٍ ومؤسّساتٍ إعلاميّة عموميّة وشركات اتّصالاتٍ وخدمات. وأرفق الاتّحاد حملته بشعار "أصلح ولا تبع" وقال سامي الطاهري، الأمين العام المساعد في الاتّحاد والمتحدّث الرسميّ باسم المنظّمة لوكالةِ الأنباء الألمانيّة "الخيارات الليبراليّة للدولة وتوصيات صندوق النقد وضغوط اللُّوبيّات تدفع باتّجاه تخلّي الدولة عن مسؤوليّاتها في التمويل العموميّ بدعوى تشجيع المبادرة الخاصّة".

 

وفي العشرين من الشهر الحاليّ، أعلنت قيادةُ اتّحاد الشغل إغلاق باب المفاوضات مع الحكومة بعد سِجالٍ دام لشهورٍ عدّة، حول مطالب النقابة بالرفع في رواتب موظّفي الدولة. وجاء ذلك في أعقاب اجتماعٍ عاصفٍ جمعَ الأمين العام للمركزيّة النقابية، نور الدين الطبوبي، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، انتهى بمغادرة الطبوبي لقصر الحكومة وإعلانه الإضراب العام لموظّفي الدولة. نجح اتّحادُ الشّغل في تنفيذ الإضراب، يوم 22 نوفمبر، إذ بلغت نسبة المشاركة أكثر من 95 في المئة، أي حوالي نصف مليون موظّفٍ عمومي، وفقاً لأرقامٍ أعلنتها الفروعُ النقابيّة في البلاد، كما نجح في حشدِ الآلاف من أنصاره أمام البرلمان التونسيّ وفي مختلف الساحات العامّة في البلاد، رافعين شعاراتٍ ضدّ الحكومة وسياساتها الاقتصاديّة. وهدّد أمينُ اتّحاد الشّغل نور الدين الطبوبي بالتصعيد. قائلاً: "إنَّ الاتّحاد لن يبقى مكتوف الأيدي، وهو سينتظر اجتماع هيئته الإداريّة يوم السبت المُقبِل للنظر في "أشكال نضاليّةٍ تصعيديّة". وأضاف: "لا بدَّ أنْ تتوفّر اليوم الإرادة وروح المسؤوليّة لإيجاد الحلول للوضع الاجتماعيّ السائد في تونس. لا يمكن الحديثُ عن استقرارٍ ومناخٍ للاستثمار والديمقراطيّة في ظلِّ وضعٍ اجتماعيٍّ متشنّج، فاليوم نعمل في تونس أربعة أسابيع ونتقاضى أجرة أسبوعٍ واحد. لم يَعُد مُمكناً للأجور الحاليذة في تونس أنْ توفّر الحدَّ الأدنى للعائلة التونسيّة".

 

ويدور النزاعُ بين الاتّحاد العام للشغل وحكومة يوسف الشاهد حول من يكسب إلى جانبه الطبقة الوسطى، وهي الطبقة الأكبر حجماً من حيث العدد، إذْ تُشكّل 57% من سكّان البلاد، والأكثر تنوّعاً من الناحية الاجتماعيّة والأكثر استقراراً على مستوى الدخل والإنفاق. من جانبه يُحاول الاتّحادُ كسب هذه الطبقة من خلال التمسّك بالمطالبة بالسياسية الحمائيّة للدولة وتعزيزها في علاقةٍ بمنظومةِ دعم الموادّ الأساسيّة ومجّانيّة الخدمات العامّة، على الرغم من تردّي جودتها في السنوات الأخيرة. بينما يُبشّر الشاهدُ هذه الطبقة بمستقبلٍ مزدهرٍ في إطار اقتصادِ المبادرة الحرّة والتنافسيّة بين القطاع الخاصّ والعام.

 

يدخلُ الشاهد في صراعٍ غير محسوب العواقب مع أكبر مركزِ قوى في تونس، هو الاتّحاد العام للشغل، لجهة تأثيره السياسيّ أو قوّة تمثيليّته الاجتماعيّة، فدروس التجربة التاريخيّة تكشف عن نتائج كارثيّة تعرّضت لها الحكوماتُ التونسيّة خلال معاركها مع المركزيّة النقابيّة، في السبعينيّات والثمانينيّات بخاصّةٍ، وحتى خلال حكم الإسلاميّين بين 2011 و2013. ولعلَّ معركة الخصخصة ستكونُ أشدّ وأقوى من أيّة معركةٍ أُخرى ذات مطالب اجتماعيّة خاضها الاتّحاد سابقاً ضدّ السلطة السياسيّة، وما الشراسة التي يُقاتلُ بها اليوم للحفاظ على المؤسّسات العامّة والقطاع العام إلّا دليل على أنَّ النقابة تستمدُّ قوّتها من قواعدها في القطاع العام، الذي لو نجح يوسف الشاهد في إنهائه أو تقليص وجوده فإنّه بذلك سيضع حدّاً لقوة النقابات ويُنهي سلطتها نهائيّاً. وهذه من الأسباب التي تجعل الإسلاميّين يُبدون مواقفَ داعمة لحكومة الشاهد؛ لأنّهم لو حكموا مرّةً أُخرى فستكون النقابةُ خصمهم الوحيد على الساحة، في ظلِّ تشرذم بقيّة القوى السياسيّة العلمانيّة وضعفها التنظيميّ والجماهيريّ.


لماذا يدعمُ الإسلاميّون الشاهد في مواجهة النقابات؟

الدرس الذي تعلّمته حركة النهضة الإخوانيّة بعد عودتها إلى البلاد في العام 2011، كي لا يقع لها ما وقع في الماضي، هو انخراطها ضمن المصالح المشتركةِ للطبقة الحاكمة، بدلاً من إنهاء هذه الطبقة والحلول مكانها، كما كانت تُفكّر في سنوات التأسيس وما بعدها. تحوّل مشروعُ الحركة من "محاربة الدولة" إلى "التمتّع بها". الأمرُ الذي جعلها تُعدّلُ من برنامجها. بعد عقد التسعينيّات انهارت المشاريع الكبرى للحركة الإسلامويّة عالميّاً. لم تعد مشاريع كالخلافة أو الشريعة أو المجتمع المسلم مهمّةً، كأهمّيّة اندراج الإسلاميّين ضمن نسيجِ الطبقة الحاكمة، عبر تجذير الوجود الاقتصاديّ للحركة في المجتمع. لقد استفاد الإسلاميّون من نمو القطاع الخدميّ في مقابل أزمةِ الفلاحة والصناعة، في بناء شبكةِ أنشطةٍ اقتصاديّةٍ مَرِنة، واستفادوا أكثر من الرساميل الخارجيّة التي تدفّقت وما زالت من "أصدقائهم" ومشاريعهم السابقة في الخارج. لم يكن توافق العام 2014 بين الإخوان وجزءٍ من النظام السابق إلّا تعبيراً على مشروع الحركة في الاندماج في المصالح المشتركة للطبقة الحاكمة، وتالياً يصعب فصلها. لم يَعُد ارتباطها بهذه الطبقة مجرّد تحالفٍ سياسيّ؛ بل مروحة واسعة من التحالفاتِ الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة والبيروقراطيّة.

 

وخلال أكثر من ثلاث سنواتٍ من نظام "التوافقيّة السياسية"، نجحت حركةُ النهضة والحركة الإسلاميّة عموماً في بناء شبكة مصالح اقتصاديّة واسعة وعميقة. كما أنَّ طبقةً من البرجوازيّة الإسلاميّة في طور التشكل، أو تشكّلت، وتُسيطرُ على مجال نفوذٍ كبيرٍ داخل الحركة. بالتوازي مع إعلانها فصل الدعويّ (ليس الدينيّ) عن السياسيّ تُمتِّن الحركة الروابط بين الدينيّ والاقتصاديّ. إنَّ نهاية الإسلام السياسيّ الذي بدأ في تونس احتجاجياً منذ نهاية الستينيّات، لا تعني أبداً، نهاية السياسيّ؛ بل إعادة تسيس الدينيّ على أُسسٍ نيو ليبراليّة أو ما يُسمّيه باتريك هاني بإسلام السوق. لم يَعُد هَمُّ الإسلاميّ أنْ يُقدّمَ نفسه كوَرعٍ بقدر ما يهمّه كثيراً أنْ يُقدّم نفسه كناجحٍ، مثل الحالة الأردوغانيّة التركيّة، فكلّما قدّم أحدهم نقداً هنا أو هناك ضدّ النظام التركيّ، صاح الجميعُ ونثروا قائمة النجاحات الاقتصاديّة، حتى وإنْ تعارضت هذه النجاحات مع "الورع الديني". ومشروع الحركة الإخوانيّة التونسيّة اليوم يمضي على خطى حزب العدالة والتنمية التركيّ. لكن لماذا تدعم حركةُ النهضة الشاهدَ وحكومته بقوّة؟

 

يرتكز الصِّراعُ اليوم حول ملفِّ "الإصلاحات الكبرى" (تصفيةُ القطاع العام) الذي طرحه الشاهد وليس حول الشاهد نفسه. وحركة النهضة تريدُ لهذه الإصلاحات أنْ تمرَّ وتنفّذ؛ لأنّها تعتقد بأنَّ امتلاك الدولة للثروة والسلطة في الوقت نفسه يمكنها في أيّة لحظةٍ العودة إلى ما قبل 2011 من منعٍ وسجونٍ ومنافٍ، فالحركة الإسلاميّة تعتقدُ أنَّ بقاء جزءٍ مهمٍّ من الثروة في يد الدولة سيكون عائقاً أمامَ بناء برجوازيّةٍ وطبقاتٍ وسطى مستقلّة عن السلطة في دخلها، وبالتالي لا نستطيع تجذير وجودها وقوّتها الاجتماعيّة كما حدث في تركيا أو المغرب نسبيّاً. وراشد الغنوشي نفسه قال في آخر تصريحٍ حول الأزمة: "تقديرنا أنَّ مطلب الإصلاحات الكبرى وتنفيذها هو الأهمُّ في الوقت الراهن من مطالب تغيير الأشخاص ووثيقة قرطاج وفّرت مشروعاً للإصلاح (…) النهضةُ لطالما قدّمت تنازلاتٍ في السابق خدمةً للمصلحة الوطنيّة ولن تُقدّم تنازلاتٍ تُعرّض البلاد للخطر".

 

لذلك فحركةُ النهضة تريدُ للشاهد البقاء؛ لأنَّ إضعاف الاتّحاد العام التونسيّ للشغل سيمهّدُ الطريقَ للحركة الإخوانيّة للحكم مستقبلاً، فما زال ماثلاً في ذهنها السنوات المريرة التي حكمت فيها بعد رحيل ابن علي، ووقفت النقاباتُ في وجهها وعطّلت مشروعها للتمكين والتمكّن من الدولة والسيطرة عليها من الداخل، فالإسلاميّون اليوم يعتمدونَ على الشاهد كجرّافةٍ أماميّةٍ للصِّراعٍ مع النقابات وتصفية القطاع العام، كي يتسنّى لهم الحكم بأريحيّةٍ في السنوات القادمة. في المقابل لا يريدُ اتّحادُ الشغل لمشروع "الإصلاحات" أنْ يمرَّ؛ لأنَّ الاتّحاد يستمدُّ قوّته من امتلاك الدولة للثروة؛ أي من القطاع العام، وكلّ محاولةٍ لإعادة هيكلةٍ اقتصاديّةٍ يتمُّ بموجبها تخلّي الدولة عن جزءٍ من الثروة، هي في الحقيقة قضمٌ من حصّة الاتّحاد من النفوذ والقوّة، وعليه فإنَّ المركزيّة النقابيّة تُريدُ للشاهد الرحيل.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 7