كتب خالد رزق: الطريقُ إلى التّحرّر.. "الحاجةُ" إلى سلاحٍ عربيّ

2018.11.26 - 06:38
Facebook Share
طباعة

 عندما نتحدّثُ عن أمّتنا العربيّة و ما مرّت به طبيعة الحكمِ في بلادها من تغييراتٍ جوهريّةٍ على مدى نحو قرنٍ من الزّمان لا نجدُ من نقاطٍ فارِقةٍ أكثر وضوحاً من ثوراتِ شعوبنا التي سجّلت تفاعلاتها الأُولى في العقودِ الأخيرةِ التي سبقت العام 1900، وما استتبعَ هذه الثورات من الانتقالِ إلى مراحلَ أُخرى من الحكم غير الوطنيّ المحلّيّ في شخوصِ رموزه وحتّى التابع للاستعمار والاحتلال من محترفي السياسة المحلّيّين الذين لاذوا بالكلام في أوقاتٍ وأحيانٍ توجّب على الرجال المخلصين القتال ولا يُستثنى في الأمرِ غالباً حزب ولا جماعة مُوالاةٍ ولا مُعارَضةٍ من تلك التي شكّلت دواليبَ الحكم الرسميّ والنيابيّ بدولنا والسياسيّ.

النقاطُ الفارِقةُ الأشدُّ تأثيراً من حيث جوهريّة ما استتبعها من تغييراتٍ كانت جذريّةً وثوريّةً في توجّهاتها، شكّلتها حركاتُ الأحرارِ الوطنيّينَ في كلّ بلادنا بدايّة من لبنان وسورية ومصر والعراق، وهي الحركاتُ الثوريّة التي غيّرت شكل الحكم كلّيّاً من الملكيّ إلى الجمهوريّ، ومكّنت زعماءَ وطنيّين محلّيّين.. خارجين عن التبعيّة قادوا عمليّات التغيير والتحوّل في بلادهم، وصدّروها إلى كلّ الدنيا.

الملمحُ الجامعُ الأهمّ لأكثر حركات التحرّر العربيّ مدنيّةً وعسكريّةً الطابع على حدٍّ سواء كان هو تأكيد السيادة والسعي إلى استقلال القرار الوطنيّ بالتخلّص من كلِّ صورِ التبعيّة بموجباتها التي كانت قائمةً حتّى ما بعد وصول هذه الحركاتِ إلى الحكم، ولعلّي لا أكون متجاوزاً إنْ ذهبتُ للقول إنَّ حركات التحرّر تلك اكتسبت زخمَ تأثيرها الحقيقيّ بعدما ظهرت إلى العلن حركةُ الضبّاطِ الأحرار التي قادت الثورةَ المصريّة في 23 يوليو 1952، وأنهت بعدها عهد الملكيّة بحواشيه السياسيّة الصوريّة التي كانت اختارت طريقَ المُهادَنةِ مع صاحبِ العرش والتبعيّة للمحتلّ نفسه .

بقيام ثورةِ يوليو وتجلّي جمال عبد الناصر زعيماً كانَ هو وبشخصه الرمز لمبادئها، التي تجاوزت في حقيقة الأمر محلّيتها لتخاطب كلّ أحرارِ العالم.. شَهِدَت باقي الحركات التي وصلت إلى الحكم في بلداننا تحوّلاً في أفكارِها ونُظم إدارتِها لشؤون بلادها.. كانت أفكار نظام يوليو في مصر عن العدالةِ الاجتماعيّة وتوزيع الثروات والتنميّةِ الشّاملةِ في كلّ القطاعات على طريق امتلاك القدرةِ وبناء الذّات تجدُ طريقها إلى كلّ بلادِنا المستقلّة، والأكثر كان تأثيرها الثوريّ في تغيير شكل حياة المصريّين دافعاً عظيماً لهذه البلاد وغيرها من بلادنا السّاعيةِ إلى الاستقلال والباحثةِ عن الحريّة لا سيّما أنَّ جمال -رحمه الله- لم يكتفِ بتصديرِ المبادئ، وإنّما سخّرَ كلّ ما لمصر من عقولٍ وقدراتٍ بشريّة وغير ذلك لخدمةِ أهداف استقلال البلاد العربيّة (الجزائر نموذجاً). 

قدّمت عمليّةُ التغيير التي قادَها (ناصر) في مصر على المستويات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والعسكريّة بكلِّ ما لذلك من تأثيراتٍ في الخطاب السياسيّ لزعيمٍ حرٍّ يحكمُ بلداً مستقلّاً يُناضل من أجلِ الحفاظ على استقلالِ إرادته وقراره "المثل المهمّ" لشعوبنا ولغيرنا ولحكّام ذاك الزمان.. فكيف كانَ يرى عبد الناصر السبيلَ إلى السيادةِ واستقلالِ القرار؟؟

الإنسانُ كان الهدف الأوّلَ ليوليو، إذ لا يفكّر جائعٌ مريضٌ جاهلٌ مشرّدٌ على نحوٍ صحيح، والأكيدُ أنّهُ سيبقى بائساً لا يفيدُ نفسه فكيفَ ينتظرُ منه أنْ يفيدَ وطنه، حلول مشاكل المجتمعِ والاقتصادِ والحال المعيشيّةِ للمواطنينَ المرتبِطة بالأمرين، كانت لها الأولويّة الأهمّ عند ثوّار يوليو، فسرعانَ ما كانت إعادة توزيع الثرواتِ وقوانين وقرارات التأميم التي كانت أهمّها عمليّةُ تأميم قناةِ السويسِ المصريّة وردّها إلى الشعب.

أمّا المشهد العام فيما بعد يوليو فتجسّد بعبد الناصر زعيماً وطنيّاً مخلِصاً لوطنه حريصاً على شعبه، إذ عَمِل على تسليحِ الجيش المصريّ وزيادة عديده بما يسمحُ للدولة الوليدة بالدفاع عن حدودِها ومصالح شعبها، واحتلّ من الصورةِ موقعَ القلبِ، وفي محيطه كانت المصانعُ كثيفةَ العمالةِ والمشروعاتِ، تشييدٌ في كلِّ مكانٍ، فيما كانت التُّرع تُشقُّ وتُخترقُ صحاري مصر لتحويلِ صفارها إلى خضار.

بعد العدوان الثلاثيّ على مصر في عام 1956، والذي خرجَ منه ناصر بأكبر نصرٍ سياسيٍّ كتبَ معه نهايةَ الحقبةِ الاستعماريّة.. تأكّد للزعيم أنّه لا استقرار للبلاد وضمان استقلال قرارها بغير امتلاكِ صناعةٍ محلّيّة للسلاحِ تلبّي حاجاتها الدفاعيّة.. فكانت النقلةُ المهمّة الأُولى على الطريق بعد عامين فقط من العدوان عندما أنشأت مصر بالتعاونِ مع الحليف السوفيتي أوّل مُفاعلٍ ذرّيٍّ للأبحاث في أنشاص عام 1958، وتوالت مشروعاتُ البحثِ المدنيّة والعسكريّة لتطويرِ سلاحٍ مصريٍّ محلّيّ، فظهر برنامجُ الصواريخ الظافرِ والقاهرِ والطائرة المُقاتِلة حلون 300 كثمارٍ للتعاونٍ مع علماء ألمان وإسبان حتّى بدا واضحاً أنَّ مصرَ عازمةٌ على المضي قُدماً على إنتاج مختلفِ أنوعِ العتاد الحربيّ الذي قُدّر حينها بأنّه سيكون متطوّراً ربّما يصلُ مستواه إلى حدٍّ ما لدى بعض الدول الكُبرى التي امتلكت تكنولوجيا صناعة السّلاح وكادت تحتكرها في هذا الزمن، وكما حال مصر كانت عجلةُ التصنيعِ الحربيِّ في سورية والعراق والجزائر قد دارت وصار هناك تعاونٌ بين هذه البلدان بالأقلِّ على مستوى تبادل الخبراء.

تلقّت الصناعاتُ العسكريّةُ العربيّةُ عموماً والمصريّةُ على وجه الخصوص وفقَ ما هو متاحٌ من معلوماتٍ مسموحٍ بتداولها ضرباتٍ أكثر من مرّةٍ بعضُها حدث في زمنِ عبد الناصر نفسه الذي اضطرَّ إلى وقفِ برنامج إنتاج المُقاتِلات المصريّة بعد هزيمة 67، والأسوأ كان بعد وصول السادات إلى الحكم وسقوطه في فخِّ المعونات الأمريكيّة والسلاح الأمريكيّ والضمانات العسكريّة للكيان الصهيونيّ، وهو الفخُّ نفسه الذي ذهب إليه تابعاً طائعاً مختاراً خليفته المخلوع حسني مبارك، فأوقف البرامج المحلّيّة لتطويرِ سلاحٍ مصريٍّ له اعتبار.

الصناعةُ العسكريّةُ الأهمُّ في بلادنا بعد المصريّة كانت من نصيبِ العراق، والذي باشر حتّى ما قبل عمليّة تحرير الكويت وما استتبعها وصولاً إلى يوم سقوط بغداد برامجَ متقدِّمةٍ لتصنيع وتطويرِ سلاحٍ محلّيّ، لكنّها جميعها انتهت بسقوط نظام البعث والرئيس الراحل صدّام حسين واحتلال العراق. ولعلَّ بعضنا يذكرُ كيف ضربت طائراتُ الكيانِ الصهيونيّ مفاعلَ تموز العراقيّ في عام 1981، وقبل نحو عقدٍ من عمليّة غزو الكويت التي جرت على العراق وعلى الأمّة كلّها الخراب..، كان إخراج العراقِ كقوّةٍ اقتصاديّةٍ وعسكريّةٍ وبشريّةٍ مُتعاظِمةٍ من ساحةِ المواجَهةِ الشّاملةِ مع الكيان الصهيونيّ هدفاً في كلِّ الأحوال لمن وراء الكيان، وكانوا سيذهبونَ إليه وقعَ غزو الكويت أمْ لم يقع، ولكنَّ الرئيسَ العراقيّ الراحل سهّلَ عليهم الوصول إليه.

سوريةُ وصناعتها العسكريّة "محدودة" بسقوفٍ اقتصاديّةٍ نجحت إلى حدٍّ ما في تطويرِ برامج تصنيعٍ محلّيّةٍ للسلاح، ولكنّها بَقِيت معتمدةً بالأكثر على وارداتِها من السلاحِ الروسيّ، وهي إلى ذلك لم تنجُ من استهدافِ غاراتِ طائراتِ العدوِّ الصهيونيّ لمنشآتها العسكريّة الصناعيّة وغيرها، وجاءت الحربُ التي تعيشها البلادُ منذ 8 سنواتٍ لتحدَّ أكثر من قدراتِ التصنيعِ العسكريّ لديها.

بَقِيَت في الصورةِ من بلادنا الجزائر، وهي آخذةٌ بتطويرِ برامج التصنيعِ العسكريّ المحلّيّ، ومصر التي ظهرت جليّاً وبعد استعواضها لكثيرٍ ممّا فوّته عليها مبارك في تحديثِ وتعظيمِ قدراتِها العسكريّة، إنّها تسعى لإحياءِ أقسامٍ مهمّةٍ من صناعتها العسكريّة التي تقزّمت وتعطّلت كثيراً ولا أقصد هنا التجميع .

الثابت إذن، وهو لم يتبدّل، أنَّ مبدأ امتلاك القدرةِ العسكريّة ذاتيّة الاعتماديّة كان وسيبقى هو المبدأ الأهمُّ عند أيّة أمّةٍ ووطنٍ تبحث ويبحث عن استقلالِها وحرّيّتها وضمان حدودها ومصالحها.. ولعلَّ الذاكرة القريبة بعدها تحتفظُ بمواقفَ ارتهنت فيها القوى المورِّدةِ للسّلاح أمن بلادنا ما لم تستجب لضغوطٍ وتدخّلاتٍ في شؤونٍ داخليّةٍ صَرفة كما حدثَ إبّان الموجة الثوريّة الثانية في مصر التي أَسقطَ فيها الشعبُ حكمَ جماعة المُرشِد، ولم يعجب الولايات المتّحدة الأمرَ فأوقفت إمداد مصرَ بصفقاتِ سلاحٍ سبقَ وتعاقدت عليها، والأكثر منعت إمدادات الذخيرة وقطع الغيار الحيويّة لسلاحٍ باعته للمصريّين على مدى نحو 40 عاماً.

والأمثلةُ والنماذجُ على هذا المسلكِ للدولِ المُورِّدةِ للسلاح الغريب منها كما الحليف وحتّى الصديق من محاولة توظيفِ الحاجة الدائمة لصادِراتِها من الأسلحة والذخائر كطريقٍ وأداةٍ للضغط وتوجيه سياسات ومواقفَ بلادنا هي كثيرةٌ، أكثر من أنٍ تُحصَى.

وبوضوحٍ أقول إنّنا وفي زمنٍ تتعاونُ فيه كلُّ بلدانِ أوروبا لإنتاجِ طائرة.. وتتعاونُ فيه روسيا مع الصين والهند وهي بلدان كلّ منها قادرٌ على حماية مصالحه وصيانة حقوقه وأراضيه، لا يمكن أنْ نتصوّرَ أنْ ينجحَ أيُّ بلدٍ من بلدانِنا بمفردِه في تطوير وإقامة صناعةٍ عسكريّةٍ محليّةٍ ذات اعتبار، وإذا كُنّا ننظرُ إلى النموذج الإيرانيّ ومهما اختلفت منطلقاتنا بين من يرى فيها عدوّاً وصديقاً، فعلينا أنْ نُدرِكَ أنَّ هذا البلد وتحت ضغوطِ الدنيا كلّها نجحَ في تطويرِ صناعةٍ عسكريّةٍ محلّيّةٍ تأخذه إلى طريقِ القوّةِ المُهابةِ في منتهاه، ولم يكن ذلك هيّناً ولا بسيطاً، إذ نجحت إيرانُ وهي تحتَ ضغطِ حصارٍ عالميٍّ ظالم، ولكنّها تعاونت مع كلِّ صديقٍ وكان لديها الأهمُّ وهو الإرادةُ والمال.. في تحقيقِ الاعتماديّةِ الذاتيّةِ في كثيرٍ من عدّتها وعتادِها العسكريّ، ولا يملكُ أحدٌ في دنيا اليوم أنْ يُملِي على إيران موقفاً.

تحتاجُ بلادنُا إذا ما أرادت حقّاً استقلالَ قرارِها وسيادتها الكاملة إلى تصنيعِ وإنتاجِ سلاحها.. مهمّةٌ ليست سهلةً بالتأكيد، ولكنّها ليست مستحيلةً، أتصوّرُ أنَّ البلادَ صاحبة القضيّة ومبادئ الاستقلال المُدافِعة عن العروبةِ والمُؤسِّسةِ للقوميّةِ عليها أنْ تُشكّلَ فريقاً واحداً وصندوقاً موحّداً للوصول إلى صناعةٍ عسكريّةٍ عروبيّةٍ لا يتحكّم فيها أحدٌ ولا سقفَ لتطورها.. بهذا فقط نضمنُ أمننا ونحفظُ حقوقنا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 9