«الجهاديّون ومشاريع التّقسيم»: السيرُ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ

أحمد نظيف

2018.12.03 - 07:56
Facebook Share
طباعة

التّجارب الجهاديّة التي مضت، والسّارية حالياً في الكثير من السّاحات، من سوريا إلى اليمن مروراً بليبيا وإفريقيا جنوب الصحراء، أصبحت مادةً قابلةً للتّحليل العلميّ بالمراقبة والملاحظة والاستقراء والوصول إلى نتائج تستند إلى قرائن واضحةٍ.

فالخيوط الرّفيعة التي تجمع بينها أصبحت أكثر وضوحاً من قبل، وصِلاتها بمشاريع دوليّة كبرى انكشفت شيئاً فشيئاً منذ الحرب الأفغانية وصولاً إلى الأزمة السّورية.

في كلّ التّجارب، وليس بعضها، كانت البندقيّة الجهاديّة إحدى الوسائل التي تعتمدها الإمبريالية لتقسيم وتفكيك الدّول المعادية لسياساتها أو تلك التي تُشكّل خطراً على تمدّد مشروعها في العالم، بل حتى الدّول التي ترفض السّير طوعاً في الرّكب الاستعماريِّ.

ينسحب ذلك على الدول العربية أو تلك التي تسكنها مجتمعاتٌ مسلمةٌ، أو حتى أقليّاتٌ، كمعطى موضوعيّ يتمّ التّلاعب به وتطويعه طائفياً وعرقياً ومذهبياً، إذ تكشف دروس التّجربة التّاريخيّة أنّ كلّ السّاحات التي حضر فيها الجهاديّون منذ ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم كانت مستهدفةً بمشاريع التّقسيم الأمريكيّة أو مناطق لخوض معارك أمريكيّة بالوكالة. 

لم تكن هذه المشاريع قدريّةً أو حتميّة التّحقق، فقد نجحت في مواطن وأخفقت في مواطن عدّة، كما لا يعني ذلك أنّ التّيار الجهاديّ بأفكاره العنيفة وعقيدته الإقصائيّة هو صنيعة الغرب أو قوى دوليّةٍ كما يُروّج البعض، على العكس تماماً، فإنّ هذا التيار بمرجعتيه العقائديّة هو نابعٌ من ثقافتنا العربيّة والإسلاميّة وأشباهه ونظائره موجودةٌ في تاريخ العرب والمسلمين وله مرجعيّةٌ شرعيّةٌ متينةٌ في الكثير من النّصوص الفقهية، وكلّ ما فعلته هذه القوى هو دعم هذا التيار بأشكالٍ مباشرةٍ وعلنيّةٍ وبطرقٍ غير مباشرةٍ بحسب السّياق العام وتغيّر الوضع السّياسيّ، أي أنها استغلّت تياراً كان متوارياً في ثقافتنا ونفخت فيه الرّوح بعد سنواتٍ من دراسة هذه الثقافة، خلال الفترة الاستعماريّة وقبلها وبعدها، فبيئتنا الثّقافيّة والاجتماعيّة كانت لها القابليّة لنجاح كلّ المؤامرات التي استهدفتها، كما أنّ الحديث عن المؤامرة لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن يعفينا من المسؤوليّة ويهوي بنا في مرض الإسقاط والبحث عن شمّاعاتٍ نُعلّق عليها فشلنا، الذي استشرى فلا يُمكن لأيّ مؤامرةٍ أن تنجح لو لم تجد ظروفاً موضوعيّةً تساعدها، وضعفاً داخلياً يُغذّيها. 

*
نهاية العام 1979، دخلت القوّات السّوفييتيّة إلى أفغانستان، لتلتقط الإدارة الأمريكيّة الحدثَ وتُحوّله إلى صراعٍ بين «الإلحاد» و«الإيمان» في إطار استنزاف عدوّها الأوّل، الاتّحاد السّوفييتيّ لتهزمه بالاعتماد على «المجاهدين» مثلما هزمها في فيتنام ببنادق «الثوار». في العام 1980 انطلقت الولايات المتّحدة في تنفيذ المشروع بعد أن أقنعَت دولاً عربيّةً بدعمه سياسيّاً وإعلاميّاً وماليّاً.

أبو مصعب السّوري، أحد أبرز قيادات التّيار الجهاديّ والأفغان العرب، يعترف بحقيقة هذا المشروع الأمريكيّ في أفغانستان إذ يقول: « أشرفت أمريكا على صناعة حلفٍ عالميٍّ لمواجهة الرّوس وحلف وارسو في أفغانستان فجرّت وراءها حلف النّاتو ودوله كاملةً، من دول أوروبا الغربيّة وكذلك من حلفائها الاقتصاديّين الكبار مثل كندا وأستراليا واليابان، لتكوين حلفٍ سياسيٍّ إعلاميٍّ اقتصاديٍّ داعم لها في هذه الحرب، ووضعت سياسةً ماليّةً تقضي بحصّةٍ من المساعدات الماليّة المقرّرة بملايين الدولارات الى كلّ دولةٍ من تلك الدول، وساهم الجميع في ذلك» (دعوة المقاومة الإسلاميّة العالميّة، الجزء الأول، الصفحة 67).

ودون الدّخول في تُهم «التخوين» و«العمالة»، فقد كان الجهاديّون في أفغانستان بوعيٍ أو من دون وعي، أسلحةً متقدّمةً في ساحة الحرب مع الاتّحاد السّوفييتيّ وأدواتٍ طيعةً ومفيدة للمشروع الأمريكيّ في المنطقة، الذي كان يريد منع تشكّل حلفٍ معادٍ لسياساته يعد خسارته السّاحة الإيرانيّة وتحوّلها من بلدٍ تابعٍ في زمن الشّاه إلى بلدٍ معادٍ في أعقاب الثّورة الإسلاميّة بقيادة الخميني. 

*

انتهت مرحلة «الجهاد الأفغاني» المدعوم أمريكيّاً والمموّل عربيّاً بوطنٍ مُقطّع الأوصال وحربٍ أهليةٍ. لم يعد هناك متّسعٌ من الوقت، فقد بدأت الماكينة الاستعماريّة في تفتيت بلدٍ آخر طالما كان معادياً للسّياسات الأمريكيّة ومسانداً لقوى التّحرر الوطنيّ والاقتصاديّ.

قرّر الحلف الأطلسيّ ومن خلفه الإدارة الأمريكيّة تقسيم يوغسلافيا إلى دويلاتٍ صغيرةٍ على أساسٍ عرقيٍّ وطائفيٍّ. تقسيم كان ثمنه حربٌ قذرةٌ دعمتها واشنطن وموّلها العرب وكان وقودها إلى جانب الشّعوب الرثّة، الجهاديّون الذين زحفوا من كل فجٍّ عميقٍ تحت عناوين عاطفيّة برّاقة من نوع «نصرة الإسلام» والتّصدي «للزحف الصليبي».

وصل إلى يوغسلافيا الآلاف من الجهاديّين من بقايا الأفغان العرب إضافةً إلى من التحق بهم من الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا وكان الدّعم العربيّ والأمريكيّ سخيّاً كالعادة.

وبعد أن فرغت الولايات المتحدة الأمريكيّة من تنفيذ مشروعها التقسيميّ في البلقان، قرّرت كالعادة التّخلص من الجهاديّين، كما فعلت في كلّ مرّة، ففي أعقاب التّوقيع على اتّفاق دايتون وانقسام يوغسلافيا إلى أربع دولٍ، سلوفينيا، كروايتا، البوسنة، صريبا، أوعزت واشنطن إلى السّلطات البوسنيّة كي تطرد هؤلاء «الإرهابيين». بداية العام 2000، عندما زارت وزيرة الخارجية الأميركيّة مادلين أولبرايت البوسنة وعلمت بوجودهم، أبلغت المسؤولين الدوليّين والمحليّين بوجوب ترحيلهم «عملاً باتفاق دايتون للسلام الذي نصّ على وجوب مغادرة كلّ المقاتلين الأجانب الأراضي البوسنية» في موعدٍ أقصاه يوليو 2000. إلا أنّه من أجل إعطاء آخر فرصةٍ إنسانيّةٍ لهم بسبب نسائهم وأطفالهم، جرى بعد انقضاء المهلة تمديدها إلى سبتمبر 2000، وإلا جرى ترحيلهم قسراً.

لاحقاً وبعد تصاعد «الحرب على الإرهاب» في أعقاب هجمات 11 سبتمبر وتصاعُدِ عمل الخلايا الجهاديّة في أوروبا وتورّط العديد من المقاتلين السّابقين في البوسنة في أعمالٍ إرهابيةٍ، قرّرت السّلطات البوسنيّة مراجعة قانون الجنسيّة، ففي العام 2005 أجاز البرلمان مراجعة منح الجنسيّة لجميع الأجانب الذين حصلوا عليها بين السادس من أبريل 1992 والأول من يناير 2004. وشكّلت في العام 2006 لجنة كُلّفت بدراسة ملفّات المتطوّعين السّابقين لتحديد ما إذا كانت هناك «حالات انتهاكٍ أو تزويرٍ للقانون بُغية سحب الجنسيّة من المخالفين». وقرّرت اللجنة نزع الجنسيّة البوسنيّة من قرابة ألف جهاديٍ سابقٍ غالبيتهم من الجزائر وتونس ومصر ولبنان والمغرب وفلسطين والأردن، وبينهم أقليّة من المتحدّرين من روسيا وأوكرانيا ومولدوفيا.

*

في العام 2003، احتلّت القوّات الأمريكيّة العراق، بعد أن قدّمت الذّرائع الكاذبة حول امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة الدّمار الشامل. وطيلة الوجود الأمريكيّ في العراق، شهد البلد ذروة ما شهده في تاريخه من استقطابٍ طائفيٍّ، خلّف مجازر داميةً بين أبناء الوطن الواحد.

زرع الاحتلال، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر تحت ذرائع المقاومة تنظيماً جهادياً دموياً أصبح اليوم يُسمّى «داعش» بعد أن مرّ بمراحل تطوّر تغذّت كلّها من خطاب الكراهية الطّائفيّ. وهذا العنف الجهادي أفرز في مواجهته خطاباً طائفياً لا يقلّ كراهيةً وتأسّست عليه ميليشيات لا تقلّ عنه دمويّةً، لتدخل البلاد في «حرب الطوائف» والتّقسيم على أرض الواقع بين كردٍ وسنّةٍ وشيعةٍ، وليُحقّق الاحتلال أحد الأهداف التي جاء من أجلها إلى المنطقة عبر بنادق الجهاديّين التي تدثّرت بشعار المقاومة، ليعترف الرئيس الأمريكي، باراك أوباما بذلك متأخراً في تصريحاتٍ صحفيةٍ، بالقول: «إنّ داعش هي نتيجةٌ مباشرةٌ لتنظيم القاعدة في العراق الذي انبثقت من غزونا، وهو مثال للعواقب غير المقصودة، وهذا هو السّبب في أنّنا بشكلٍ عام ينبغي أن نُصوّب قبل إطلاق النار». 

بعد أن أرهقته الحروب الطّائفية، يسير العراق اليوم نحو التّقسيم والتّشرذم وتوزيع أوصال خريطته بين الطّوائف والقوميّات، ففي أبريل 2015 وافقت لجنة القوّات المسلّحة في الكونغرس الأميركيّ على مشروع قانونٍ يفرض على الحكومة الأميركيّة التّعامل مع إقليم كردستان الشّمالي كدولةٍ مستقلةٍ، وذلك في إطار الموافقة على ميزانيّة الدّفاع والمساعدات الخارجية لعام 2016، وينصّ على تقديم المساعدات العسكريّة لقوّات البيشمركة الكردية والمليشيات السنيّة التي تُقاتل تنظيم داعش في مناطق الكثافة السنيّة كمحافظة الأنبار بشكلٍ مباشرٍ، دون الاعتماد على آليّات الحكومة العراقيّة المركزيّة لذلك. وهو ما يعني ضمنياً الإقرار بتقسيم البلد، بالذّرائع ذاتها «الحرب على الإرهاب «.

*

يحدث الأمر نفسه اليوم في سوريا، فالجماعات الجهاديّة المُموّلة عربياً والمدعومة أمريكيّاً، تنحت خريطةً مشوّهةً للبلد تحت ذرائع «قتال النظام الدكتاتوري» وهي المقولات نفسها التي سوّقتها الولايات المتحدة، في حروبها السّابقة التي لم تخضها مباشرةً ولكن خاضها «الجهاديون» محلّها.

في مارس 2015 نشر الأكاديميّ البريطانيّ، نافيز أحمد، دراسة بعنوان «كيف دعمت المخابرات البريطانية طرفي الحرب على الإرهاب» وفيها يُشير إلى أنّه و«منذ عام 2005 وصاعدًا، دعمت مخابرات الولايات المتحدة والمخابرات البريطانية مجموعة من العمليات السّرية لدعم الجماعات الإسلاميّة المعارضة، ومن بين هذه الجماعات متشدّدون على صلةٍ بتنظيم القاعدة، وذلك بهدف تقويض النّفوذ الإيرانيّ والسّوريّ في المنطقة، وبحلول عام 2009، تم تحويل تركيز هذه العمليات نحو سوريا «. (1)

ويُضيف نافيز أحمد: « يُشير تحقيقٌ برلمانيٌّ جرى في المملكة المتحدة في عام 2010، أنّ أحد المستفيدين من هذا التمويل ليس سوى عمر بكري، الذي قال لأحد الصحفيّين في عام 2010 "اليوم، السنّة الّلبنانيون الغاضبون يطلبون مني تنظيم جهادهم ضدّ الشّيعة، إنّ تنظيم القاعدة في لبنان هو الوحيد الذين يستطيع هزيمة حزب الله"، وفي ذات الوقت كان بكري يعمل بانتظام على الاتّصال مع نائبه أنجم شوداري عبر الإنترنت، كما قام بإلقاء خطبٍ على الإنترنت محفّزاً أتباعه في بريطانيا للانضمام إلى تنظيم الدّولة الإسلاميّة وقتل المدنيّين، وحاليًا تمّ اعتقال بكري من قبل السّلطات الّلبنانية بتهمة تأسيس خلايا إرهابية في البلاد.

بكري اضطّلع بتدريب المجاهدين في المخيمات على الحدود السورية وأيضاً على الجانب الفلسطينيّ، وكان من ضمن المتدرّبين أربعة إسلاميّين بريطانيّين من ذوي الخلفيّات المهنيّة الذين انضموا بعد التّدريب إلى الحرب في سوريا، وادّعى بكري أيضًا أنّه منذ وصوله إلى لبنان درّب العديد من المقاتلين من مختلف الجنسيّات بما في ذلك أشخاص من ألمانيا وفرنسا، وكان محمد الموازي "الجهادي جون" من بينهم، وفي العام الماضي، أكّد أحد أتباع بكري أنّ خمسة مسلمين أوروبيّين -على الأقل-لقوا حتفهم في القتال ضمن سوريا، كانوا من أتباع بكري.

ورغم كل ما ذُكر، ورغم معرفة بريطانيا بهذه التفاصيل، قام ديفيد كاميرون في عام 2013 برفع الحظر المفروض على توريد الأسلحة لدعم المتمرّدين في سوريا، حيث ذهبت معظم المساعدات العسكريّة البريطانيّة لتنظيم القاعدة والإسلاميّين التّابعين لهذا التنظيم، الذين يتمتّعون بصلاتٍ متينةٍ مع المتطرّفين في الدّاخل البريطانيّ «. (2)

وفي السياق نفسه، ينقل الباحث نافيز أحمد في دراسته: «يقول جون لوفتوس ضابط استخباراتٍ سابقٍ في الجيش الأمريكيّ والمدّعي العام لوزارة العدل الأمريكيّة، إنّه عندما انسحب بكري من حزب التحرير وأنشأ جماعة "المهاجرون" في عام 1996، تم تجنيده مباشرةً من قبل المخابرات البريطانيّة – المكتب السادس "MI6" لتسهيل الأنشطة الإسلاميّة في البلقان، ولم يقتصر الأمر على بكري، بل تمّ أيضاً تجنيد أبي حمزة المصري، الذي أُدين مؤخّراً في الولايات المتحدة بتهمٍ تتعلّق بالإرهاب.

وعندما أسّس بكري جماعة "المهاجرون" في عام 1996 بمباركةٍ من الأجهزة الأمنيّة في بريطانيا، كان شريكه المؤسّس هو أنجم شوداري، الذي شارك بشكلٍ وثيقٍ في برنامجٍ سريٍّ لتدريب وإرسال البريطانيّين للقتال في الخارج، وبعد ثلاث سنوات تباهى في حديثٍ له لصحيفة صنداي تلغراف "بأنّ بعض التّدريب كان ينطوي على استخدام الأسلحة والذخيرة الحيّة"، وهنا يوثق المؤرّخ مارك كورتيس، في عمله البارز "شؤون سرية: التواطؤ البريطانيّ مع الإسلام الراديكاليّ" كيف تمّ هذا الاتفاق، حيث قام بكري بتدريب المئات من البريطانيّين في مخيّمات المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وأرسلهم للانضمام إلى المقاتلين التابعين لتنظيم القاعدة في البوسنة وكوسوفو والشيشان. قبل تفجيرات لندن عام 2005 بفترة وجيزة، أشار رون سوسكيند الصّحفي المُحقّق في صحيفة وول ستريت جورنال الفائز بجائزة بوليتزر، أنّ مسؤولاً كبيراً في المخابرات البريطانيّة، المكتب الخامس "MI5"، أخبره أنّ بكري عمل كمخبرٍ لفترةٍ طويلةٍ في الخدمة السّريّة وساعد المكتب الخامس في العديد من تحقيقاته، ويُضيف سوسكيند في كتابه "طريق العالم" أنّ بكري اعترف على مضدٍ بعلاقته مع الاستخبارات البريطانيّة في مقابلة له في بيروت، ولكن سوسكيند لم يُعطِ أيّ مؤشرٍ على انتهاء علاقة بكري مع المخابرات البريطانيّة «. (3)

*

في ليبيا حصل السيناريو ذاته، إذ عملت ذات الأنظمة التّوسعية الغربيّة بنشاطٍ كبيرٍ على استصدار قرارٍ من مجلس الأمن، لتدخّل حلف شمال الأطلسي في البلاد، بدعوى «إنقاذ الشعب الليبي من الطاغية القذافي» لتُمكّن حلفاءها الجهاديّين من السّلطة والتّمدّد والتّمهيد لتقسيم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم بين برقة وطرابلس وفزان. ثم ما لبثت أن بدأت تصطادهم الواحد تلو الآخر، فبدأت بسليم الرقيعي (أبو أنس الليبي) ثم ثنت بأبي ختالة، المتّهم بقتل السفير الليبي في بنغازي، وقائمة المطلوبين من «ثوار الحرية والكرامة» مازالت مفتوحة على سفيان بن قمو وغيره. 

ويؤكد ذلك ما تم تسريبه في ماي 2015 من الرّسائل الإلكترونية لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، إذ تُشير إحدى الرسائل إلى مساعي تقوم بها المخابرات الفرنسية والبريطانية (التي دعمت
الجماعات المتشددة في الشرق الليبي بداية من 17 فيفري 2011) لتقسيم ليبيا وإقامة كيانٍ سياسيٍّ مستقلٍّ شرقاً. فقد ورد حرفيّاً في رسالةٍ بتاريخ الثامن من مارس 2012 أنّ «موظفين من المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية والمخابرات السّرية البريطانية «SIS--MI-6» عملوا في الفترة بين منتصف يناير 2012 إلى مارس 2012 على توطيد العلاقات مع قياداتٍ قبليّةٍ واجتماعيّةٍ في شرق ليبيا، في محاولةٍ لتشجيعهم على إقامة منطقةٍ شبه مستقلةٍ إدارياً في إقليم برقة بتوجيهٍ من الرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، ونقلت الرسالة عن مصادر مطّلعة أنّ المخابرات البريطانية والفرنسية كانتا تنويان «التحرك نحو إقليمٍ مستقلٍ إدارياً تحت حكمٍ فيدراليٍّ«. (4)

*

لا تتوقف مشاريع التّقسيم الأمريكيّ التي يُنفّذها الجهاديّون على الدّول العربيّة، بل إن شهيّتها مفتوحة على آفاقٍ أرحب، خاصةً على تلك الدول التي تُناهض السّياسة الأمريكيّة، وتحوي ظروفاً موضوعية يمكن الاشتغال عليها. أي يتواجد في نسيجها الاجتماعيّ العنصر المسلم، وهي الخامة الأولى التي تستهدفها الخميرة الأمريكيّة لتُنضِجَ أيّ مشاريع تقسيمٍ.

منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، عملت القوى الغربيّة بقيادة الولايات المتحدة على إذكاء الصّراع في منطقة القوقاز، بهدف فصلها عن روسيا، مستغلةً الوهن والضّعف الذي أصاب روسيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وخلال فترة حكم بوريس يلتسين الضعيف، فدعمت الإدارة الأمريكيّة الحرب الشّيشانيّة الأولى تحت الذّرائع المعتادة من «نشر الديمقراطية» و «حق الشعوب في تقرير المصير» (تختفي هذه الذرائع كليا في فلسطين) وبنفس الأدوات ومصادر التمويل، بدأت الحرب المقدّسة لـ «نصرة الإسلام ضد الروس الملحدين» فقد استنفر الحدث الحركات الجهاديّة فأرسلت العشرات من عناصرها إلى الدّاخل الشّيشانيّ وتحرّكت ماكينة التّمويل الخليجيّ كالعادة، لتنتهي الحرب الأولى دون أن تُحقّق أهدافها وتنشب حرب أخرى في الإقليم بذات الدوافع والأهداف، فهذه المرّة انتفض مسلمو أنغوشيا وداغستان، ثم حرب شيشانية ثانية لم تُحقّق أهدافها هي الأخرى. 

في الصّين أيضاً عملت نفس القوى على خلق بؤرة توتّر في البلدٍ على ذات الأساس الدّيني، فتكوّنت جماعة تحمل اسم «الحزب الإسلامي في تركستان الشرقية» ذات توجه جهاديٍّ تطالب باستقلال إقليم «شينجيانغ» والذي تسكنه الأغلبية المسلمة وترتبط هذه الجماعة بتنظيم القاعدة وحركة «طالبان» الأفغانية، غير أنها تحظى بحُرّية حركة تسليح كبيرةٍ في المنطقة بحكم عدوانها للدّولة الصّينية غريم الولايات المتّحدة الأمريكيّة، كما تحظى بتمويلاتٍ كبيرةٍ من أفرادٍ ومنظماتٍ إسلاميّةٍ في منطقة الخليج العربي. 

_______________

(1)- نافيز أحمد، كيف دعمت المخابرات البريطانية طرفي "الحرب على الإرهاب"؟ - المصدر: ميدل إيست آي – 27 فيفري 2015 – ترجمة "نون بوست. 

(2) - المصدر السابق -نافيز أحمد أكاديمي وصحفي استقصائي كتب في العديد من الدوريات والمواقع مثل فورين بوليسي وإندبندنت

(3) - المصدر السابق

(4) -رسائل كلينتون تكشف سعي المخابرات البريطانية والفرنسية إلى تقسيم ليبيا -بوابة الوسط-الاثنين 25 ماي 2015.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 10