كتب فاضل الربيعي: البارزاني في بغداد " دُليّ لي، دُليّ لي "...هل انتهت الأغنية؟

2018.12.01 - 08:02
Facebook Share
طباعة

الأممُ العظيمة في التاريخ البشريّ، هي الأمم التي تتعلّم الدرسَّ الأولَّ من الهزيمة.ماذا لو هُزمْنا؟ ماذا سيحدث بعد أن نُهزَمَ؟ماذا لو انتصرنا، ما هي الاحتمالات؟ هل يمكننا الحفاظ على النّصر؟ ولو وقعنا في الفخِّ وهُزمْنا، ففي هذه الحالة يكون السؤال: ولماذا هُزمنا؟ هذا هو الدرسّ الأول الذي تتعلّمه الأمم العظيمة وتحفظه عن ظهر قلبٍ.

غالباً ما يكون سببُ الهزيمة، إمّا التّكتيكاتُ الخاطئة وإمّا التّحالفاتُ الخاطئة، أي إنّ الأمّة، إمّا أن تكون قد ارتكبت خطأً في انتهاج التّكتيكاتِ المطلوبة، أو ارتكبت خطأً على مستوى التّحالفات.بالنسبة لأمّة الأكرد العظيمة في العراق وسورية وإيران، فقد ارتكبت الحركةُ القوميّة الكرديّة التي قادت الشعب الكردي/ الكردستاني- كما يحلو لهم وصفه-، سلسلةَ أخطاءٍ تكتيكيةٍ مُريعةٍ، بالتّلازم مع أخطاءٍ في التّحالفات. وعلى النّخُبِ الكرديّة أن تتساءل اليوم بشجاعةٍ ووضوح: لماذا فشلنا في وضع الأمة الكردية على خريطة التحالفات القائمة، ولماذا لا نزالُ نعاني من " عقدة الأكراد " في خريطة الشّرق الأوسط؟

قبل نحو 30 عاماً،استقبلني الرئيس مسعود البارزاني في فندق المريديان بدمشق. جاء الرّئيس مسعود بدعوة من الرّئيس السّوري العظيم حافظ الأسد للتشاور بشأن موقف أكراد العراق من الأوضاع المأساويّة التي كان العراق يتجه صوبها بسرعةً مخيفةٍ. وحين كنت أجلس إلى جواره، في جناحه الرئاسيّ بالفندق، دخل الأمين العام للحزب الشيوعيّ العراقي المناضلُ المرحوم عزيز محمد . ما إن صافحتُه، ثمّ صافحني وتبادلنا القُبلات على الخدّ، حتّى سمعته وهو يخاطب الرئيس مسعود بلغةٍ حميمةٍ:هذا الرفيق فاضل، إنه شخصٌ مهم بالنسبة لنا، سمعت أنه سيُجري معك حواراً صحفياً ؟ فقال له الرئيس مسعود: نعم. نحن نعرفه. هو ذا صديقنا. ثم جلسا قربي، ووجدت نفسي بين زعيم الحزب الشّيوعي العراقيّ المناضل الراحل عزيز محمد، والرّئيس مسعود زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، أكبرِ الأحزاب الكرديّة وأعرقها. كانت هذه أولَّ مقابلةٍ صحفيةٍ مثيرةٍ بالنّسبة لشابٍّ صحفيّ في عمري لصالح مجلة ( الموقف العربي) التي تصدر في قبرص. 

بعد عشرين عاماً من هذا اللقاء، كتبتُ في موقع الكترونيّ عربي مقالةً عن رأيي بطموحاتِ أكراد العراق.وأشعر اليوم بصدقٍ تامّ، أنني بحاجة إلى إعادة التذكير به، فقط، لأنه كان رأياً، ونصيحةً صادقةً، قدمتّها لأخوتي وأعزائي أكراد العراق.


أذكُر أنني سألتُ الرئيس مسعود بوضوح :

- قلْ لي سيديّ ، رجاء، ماذا تريدون: فيدراليةً أم كونفيدراليةً مع العراق لو أنّكم تمكنتم من تحرير أراضٍ كثيرة من قبضة صدام حسين. وماذا بعد؟ هل ستطلبون منه الاعتراف بفيدرالية كردستان أنتم ستطالبون بكونفيدرالية مع العراق ؟

في الواقع، لم أتلقَّ جواباً صريحاً .

اليوم، 20 / 11/ 2018 ومع زيارة الرئيس بارزاني إلى بغداد، أجدُ نفسي مضطرّاً للتذكير بما كتبتُه بعد عشرين عاماً من هذا اللقاء. نعم لقد مضى وقتٌ طويلٌ، لكنّ أفكاري عن نوع وطبيعة المشكلة لم تتبدّل، وها أنا أعيد طرحها من جديد. في ذلك الوقت نصحتُ الأخوة الأكراد - وأزعم أنني أحبهم لأنهم جزء حقيقيشٌ من شعبي، ولديَّ صداقاتٌ وذكرياتٌ رائعةٌ معهم- بأن يقررّوا بوضوح: هل تريدون فيدراليةً مع بغداد أم كونفيدرالية معها؟ أم أنكم تريدون البيضة والتّقشيرة، أي الفيدرالية التي تتيح لكم تنصيبَ رئيس جمهورية كرديٍّ وفي الآن ذاته تتصرّفون كدولةٍ مستقلّة؟ هذا غير منطقيّ، لأنه من المستحيل الجمع بين فيدرالية هي جزءٌ من العراق، وكونفيدرالية هي " بلد" مستقلٌّ يدخل في اتحاد مع بلد آخر؟ ثمَّة فرقٌ في الإختيار والمصطلح. ماذا تريدون بالضبط؟ فيدراليةً" أم كونفدرالية؟ 

في هذا الإطار، أذكر أن صديقي ورفيقي العزيز الشيخ جوهر الهركي زعيم عشائر الهركية في كردستان (هو شيخ عشائر يبلغ عددها نحو مليون كردي بين إيران والعرق وسورية ) وكثيرون منهم يشكلون، ويا للمفارقة، القوّة الحارسة للرئيس مسعود. كان والد جوهر الهركي وزيراً في حكومة عبد الكريم قاسم عام 1958-1959وكان شيخَ مشايخِ العشائر الهركية القويّة في كردستان، يوم كانت عائلة البارزاني الأب، الإقطاعيّةُ الصغيرة، تشعر بوجود قوةٍ عشائريةٍ هائلةٍ منافسةٍ، وأنّ عليها أن تحافظ على علاقة خاصة معها لأنها قوةٌ مرهوبةُ الجانب في شمال العراق، قال لي، إن مشكلة الأكراد تكمُن هنا، بالفعل، فهم لا يعرفون ما يريدون: هل يريدون رئيس جمهوريةٍ كردياً في بغداد، ويصبحون مجرّد " فيدرالية " في اتحاد فيدراليٍّ كما في دستور بريمر الأمريكي، أم يوّسعون مساحة " الحلم " ويطالبون بكونفيدرالية تجعل منهم " بلداً مستقلاً " يدخل في " اتحاد " مع العراق؟

حين لوّح أكراد العراق بقيادة الرئيس مسعود بعد سقوط العراق في قبضة الأمريكيين عام 2003، بأنهم سوف يذهبون لاستفتاءٍ للانفصال عن العراق، روى لي الشيخ الهركي الإبن الحكاية التالية.

قال لي :

- شوف يا فاضل. نحن الأكراد عندنا مشكلةٌ حقيقية. أحياناً، وربما في أكثر الأحيان نخطئ في تقدير الموقف، وهذا يذكرني بنكتة ظريفة نرويها نحن الأكراد ونضحك حتى نستلتقي على قفانا. 

فقلت للشيخ الهركي الإبن: أُحبُّ أن اسمعها منك.

قال لي: اسمع. كان هناك كرديان طيبان يرغبان، أو يريدان تسلُّق الجبل الشّاهق، فقال أحدهما للآخر:

- شوف. هذا جبلٌ شاهقٌ. لا نستطيع تسلّقه. دعني أحملك وأنت تُغنّي أغنيةً، وحين تنتهي سوف تنزلُ لتحملني، وأنا بدوري سأغنّي أغنيةً وحين أنتهي سوف أنزلُ وأحملك على ظهري. وهكذا ، يكون بوسعنا تسلّق الجبل بسهولةٍ. أغنيةٌ منك، وأغنيةٌ مني. ثم نصعد الجبل دون تعبٍ.

وهكذا صعد الكرديُّ الأول على ظهْر الكردي الثاني، وراح يصدح بأغنية جميلة مطلعها ( دُليّ لي، دُليّ لي ). 

وحين انتهى منها نزلَ، وتركَ للكردي الثاني فرصةَ أن يصعد على ظهره. وحين صعد هذا راح يغني الأغنية نفسها بمطلعها الطّويل ( دُليّ لي، دُليّ لي) ودون توقف. وما إن ناءَ ظهرُه بثقلِ جسد رفيقه حتى خاطبه متوسّلاً :

- ألم تنتهِ من الأغنية؟ لقد أرهقتني؟ ظهري ينوءُ بثقلِ جسمك. هيا إنزل.

فردّ عليه :

- كلّا. هناك مقطع آخر للأغنية عليك أن تسمعه .

وهكذا راح الكردي الثاني يغني أغنيةً طويلةً ودون توقُّفٍ :
- دليو ، دليو، دليو.... دليو، دليو

قال لي الشيخ الهركي ضاحكاً: نحن الأكراد لدينا دائماً، مقطعٌ آخر من الأغنية نفسها.

اليوم، وبعد أن غنىّ الرئيس مسعود البارزاني- الذي أكِّنّ له كلّ الإحترام- مقطع ( دليو ، دليلو) حين نظم الإستفتاء حول الانفصال،واكتشف أنه يُثْقِل ظهر صاحبه، وأنه يجب أن ينزل عن ظهره المُتعَب، وأنّ الظروف الإقليميّة والدولية،تفرض عليه أن يتوقّف عن الغناء، أجدُ نفسي مضطراًّ لتذكير أكراد سورية بجوهر الخطأ في التكتيكات والتحالفات، فهم يرتكبون أخطاءً سبَقَ لأكراد العراق أن ارتكبوها. ومن المؤكّد بالنسبة لي أن تجربة أكراد سورية الفاشلةَ بالتحالف مع الأمريكان، وتلاشي الأوهام بإمكانيّة الغناء سويّةً مع وجود كورالٍ تركيٍّ مزعجٍ، هي التي تقود البارزاني للتفاهم مع بغداد،لأجل أن يغني معها أغنيةً من مقطعٍ واحدٍ،لا من مقطعين. وبالطّبع، فمن المهمّ للعراقيين جميعاً أن يُغنّوا مع الأكراد بصوتٍ واحد: دُليّ دُلي/ دُليّ، دُليّ...هكذا، تنتهي الأغنية بسهولة، فلا وجودَ لمقطع " دليلو، دليو، دليو ". 

بيدَ أنّ أكراد سورية للأسف لا يزالون يعيشون الوهم نفسه، وأن بوسعهم عقْدُ تحالفاتٍ خاطئةٍ واتّباع تكتيكاتٍ مغلوطةٍ، وفي الآن نفسه أن يغنوا أغنيةً من مقطعين.قد يكون يكمن المغزى الحقيقيّ لزيارة الرئيس مسعود إلى بغداد في الفكرة التالية : أن هذه الزيارة تُرسل رسالةً رائعةً لأكراد سورية: لا تغلطوا. لقد ارتكبنا الخطأ ، كفى.هذا مريعٌ. لقد غطلنا. ليس أمامنا سوى بغداد وليس أمامكم سوى دمشق، لا تصدحوا بالمقطع الثاني من الأغنية .هذا وهمٌ ما بعده وهمٌ. 

نعم . إنه وهمٌ، فأنت لا يمكنك أن تغني أغنيةً طويلةً حين تكون فوق ظهر شخصٍ آخر، تتسلقان جبلاً شاهقاً. سيجد نفسه مضطرّاً ليقول لك : رجاءً إنزل عن ظهري وفكرّ جيداً، كيف يمكن قطْعُ المسافة بين السّفح والجبل.

في نهاية المطاف سيقول الكردي العراقي لكرديٍّ عراقيّ آخر، كما سيقول كرديٌّ سوريّ لكرديٍّ سوري آخر:

- أرجوك إنزل عن ظهري. انتهت الأغنية. دعنا نتسلّق الجبل سويةً ونحن نغنّي الأغنية بكل مقاطعها، فقط إنزل عن ظهري. 

أهلاً بالرّئيس مسعود في بلده.

ليس الثاني بالتّأكيد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 2