كتب خالد رزق: بلسانٍ عربي " حكوماتٌ " نسألها الرحيلَ

2018.12.03 - 08:10
Facebook Share
طباعة

فروقٌ جوهريّةٌ بلا شكٍّ في تقدير طبيعة المواقف من أيِّ قضيةٍ مطروحةٍ ما بينَ منطلقاتِ الجماهير ومنطلقات الحكومات سيما في منطقتنا العريقة في جهلها بطبيعة العلاقات السويَّة بين شعوبٍ تملكُ وحكوماتٍ مستخدِمةٍ يُفترَضُ أنها اؤتُمِنتْ لتعمل لحساب الشعوب، ترعى وتصونُ حقوقها وتعمل لإراداتها وتعبّر عن مبادئها.

ربّما كانت الصيغة الأولى لجمهوريّات وإمارات و ممالك ما بعد استقلال كلِّ واحدةٍ من بلداننا و ما استدعتْهُ مراحل التّأسيسِ الوطنيّ من مركزيّةِ القرار وحصره بيدِ السلطات الوطنية المُؤتَمنَة ، سبباً في استمرار منهجٍ تريد الشعوب ما تريد و تفعل الحكوماتُ ما ترى هي حتى وإنْ كان فعلها مُناقِضاً كليَّاً لإرادة الجماهير ، و هي الصّيغة التي ثَبُتَ من كلِّ ما شهدته بلادنا من أحداثٍ على الأقلِّ منذ النّصف الثاني لسبعينيّات القرن الماضي أنها لم تقُدْ بلادنا سوى إلى تراجعاتٍ مؤثِّرةٍ في أوضاعها كلّها السياسية و العسكرية و الاقتصادية و الاجتماعية عن سنوات نهضةِ ما بعدَ الاستقلال.

ولعلّ في ما نعيشه ،أقصدُ كلَّ العرب منذ لحظة الانقلاب العروبي الكليِّ التي وقع فيها غزو الكويت و ما تلاها من أحداثٍ فارقةٍ غيّرت حتى في خرائط بلداننا و حتّى اليوم ما يؤكّدُ على أنّ حكوماتنا لم تعملْ أبداً على تحقيق الإرادة الشعبيّة، و إنَّ كثيراً من سياسات هذه الحكومات و مواقفها جاءَ ضد صالحِ الجماهير العربية كلِّها التي لا يمكن في حالٍ كالذي صارت عليه بلادنا أن القائمَ هو نتاجُ إرادتها و خياراتها.

في زمنٍ كالذي يعيشه البشر منذ تسعينيات القرن الماضي زمنِ السّماوات المفتوحةِ أمام وسائل الإعلام و المعرفة و ما تلاهُ من طفرةٍ معلوماتيّة كونيّة هائلةٍ بانفتاح سكان الكوكب كلّه على شبكة المعلومات الدوليّة ( الانترنت )ومع تقديرنا لما تعتبرُه الحكومات أسراراً ليست معروفةً للعامّة تبني عليها قراراتها و مواقفها التي قد تستدعي منها مواءماتٍ وتنازلاتٍ سياسيةً وإجراءاتٍ اقتصاديةً و غير ذلك مما قد ترفضُه الجماهير .. لم يَعُدُ مستساغاً ولا مقبولاً أن تبقى الحكومات على ظنّها بأنها تعرف وترى ما لا يعرف ويرى مواطنوها، وعليه فعلى هذه الحكومات أن تُدرِك أنّه ربما هناك لدى البعض من مواطنيها من المعلومات أكثرُ ممّا تتيحُه لها أجهزتُها.. وليس فقط مجرّد أنّ لديه ما لديها، هنا يكون الخروج عن الإرادة الشعبية في غير ما يتّصل بالمبادئ الوطنية الثابتة، أيسَرُ قبولاً عند الناس لأنهم يعرفون ويقدِّرون أسبابَه، وفي الوقت نفسه يكونون أشدَّ غضباً وأكثر سخطاً إذا ما رأوا في الأمر تنازلاً في غير مُقتضى.

والحقُّ أننا شعوبُ هذه الأمة التي تشغلُ الحيِّزَ الزمكاني ما بين خطيّ طول 60 شرقاً و17 غرباً وخطي عرض 2 درجة جنوباً و37 شمالاً.. لم نعشْ مساعيَ حكوميةً جديّةً لإحداث نهضةٍ حقيقية اللهمَّ إلا في السنوات الأولى ما بعد التّحرّرِ، والكلام هنا ليس على بلادِ ثروات الرّكائز منّا والتي تبقى حالاتٍ استثنائيّةً وعلى ذلك لم تصنع من نفسها أكثرَ من سوقٍ كبيرةٍ للعالم كلّه أو سماسرةٍ ووسطاءَ للمتسوقين لما لا تُنتجُ.. وعلى حساب إضعاف شعوبها المحليّة وهو ما يخصمُ من رصيد القوّة البشريّة العربية ليس فقط وجدانياً وثقافياً وإنّما حتى ديموجرافياً على الأرض نفسها، بعدما وصلنا في آخر التّقديرات للتّركيبةِ السكانيّة لبعضٍ من بلادنا تلك إلى نسبة 9 مغتربينَ مقابلَ كلِّ مواطنٍ واحدٍ خللٌ أكيدٌ لا يمكن اعتباره إنجازاً والأخطرُ في أنّ النسبة الأعلى من المغتربين من نصيبِ غير العرب.. وبجالياتٍ ضخمةٍ تشكِّل أغلبيّةً في حالاتٍ وهذا من أخطرِ ثغراتِ الاستراتيجيّة الأمنيّة العامة وإلى حدٍّ يُهدِّد ليس فقط المجتمعات المحليّةَ وإنّما الأمّةّ كلَّها ـ كلَّ بلادنا ـ، هذا إذا ما اعتبرناها أمّةً واحدةً تشترك في المصير، فما قد يهدّدُ واحدةً من بلداننا عند الأقصى من الحدود الجغرافيّة والمكانية يكون مُهدِّداً للأمّة كلِّها يستوي في ذلك الصوماليُّ وسوريٌّ يعيش بلواء الاسكندرون المحتلِّ.

ليس ذكياً أن تقدِّم حكوماتنا العربيةُ كلَّها تنازلاتٍ هنا وهناك ولكلِّ عدوٍّ متجبِّرٍ أو بلطجيٍّ تاريخيٍّ.. وأياً كان ما يمثِّل في الانحطاط الإنسانيّ.. لمجرد أنها تعرف أنّ حكوماتٍ سبقتها في نفس المكان وحكوماتٍ أخرى حولها اليوم كان شأنُها الوقتيُّ المرحليُّ التّنازلَ صواباً كانت أسبابُها أم مُخطِئةً.

الأساس في الأمر أنّكم أقصدُ الحكوماتِ هنا بأماكنكم، لتغيّروا ولتُحدِثوا فارقاً على طريق إعادة أمّتنا إلى مكانتها، والأصل أننا وكشعوبٍ صارت تعرف لا يمكن أن نقبل من يدير أمورنا على نحو خاطئٍ غير أنه يتناقض وإرادتنا.. وفي ذلك نستوي جميعاً لا حجّةَ لواحدٍ منكم أكانت حكومة جلالة الملك أم السلطان أو الشيخ والأمير وفخامة الرؤساء، وعليكم أن تفهموا أنّ مسألة أن هذا ما وجدتُّمْ عليه آباءكم تلك " لا " تسري إلا على ما يخصّ بيت الواحد منكم وأسرتَه وفي حدود، فإن لم تستطعْ حكومةٌ ونظامٌ منكم أن يحدث تغييراً ويضيفَ إلى ما يعظِّمُ قدرة بلده ووطنه وأمّته، نسأله بلسانٍ عربي وبكل تهذيبٍ أنْ يرحل.. ويُفْسِحَ المجالَ لآخر لا يفرضُه وتكونُ مهمّةُ التالي تهيئةَ النّظام لتلقّي تكليفاتِ الشّعب في صيغةِ صاحب عملٍ ومستخدمٍ "صيغةَ" مالكٍ وأجير ٍوعندها لا يكونُ لمن لا يُحسِن الفعل مكانٌ ونصلُ إلى يومٍ تعلوا فيه الكفاءات والخبرات وتتطوّر ويتعاظم أداءها على ضوء أهدافٍ حقيقيّة.. وتتحقّقُ بذلك تطلعات الشعوبِ وفي ذلك وبمعيار الوطنية والإخلاص الذي مفترَضٌ بيقينيّةٍ أن تحتَّل الأنظمة والحكومات أعلى درجاته، ما يُسعِدُ حتى الحكوماتِ والأنظمة الفاشلة والتي تعود الفائدةُ على مستوى حقوق المواطن الفرد في هياكلها القائمة بالخير عليهم بأكثرَ مما كانوا يحقّقون بمواقعهم وعلى كلّ المستويات وصولاً إلى جدارةِ الإنجاز الوطني.. ليس عيباً أن أتنحى عما أفشلُ به وغير المرّة مرّاتٍ، وليس في الصالح والذي لا تقيم فيه الشعوب لشخوصهم اعتباراً أنْ تِصرَّ حكومةٌ ونظامٌ فشِلا على الاستمرار.. ففي النهاية يكون الانفجار، وهو ما لايرجوه أحدٌ .

تحتاج أمتنا إلى كثيرٍ.. تتناقض حكوماتنا وأنظمتنا مع شعوبنا في الكثير.. وفي هذا ليس منتمياً لهذا العصر ولا لأيّ عصرٍ من العصور في بلاد الأحرار، مَن يتصوّر بأنّ الشعوبَ المالكةَ صاحبة السّيادة لا تكونُ كلماتها هي الفصل، وبأنّ بوسْعِ الحكومات والأنظمة تجاهلَ ما يراه صواباً مستطاعاً مقدوراً عليه آنياً.

شعوبنا يا إخوة لم تعُدْ تملك ترفَ ورفاهيةَ تحمُّلِ أخطاءِ حكوماتها.. الأمةُ كلُّها لحق بها اليأس وأنتم السّبب.. قيمنا العروبيّة والحضارية والإنسانية آخِذَةٌ بالاضمحلال وفي قلب بلادنا..، تعبير المصلحة الوطنيّة الذي انحرفت به أنظمتنا عن مفاهيمه ودلالاته الأعمِّ والأوسعِ واتّخذتْه ستاراً لتغييب مبادئنا الجوهرية الراسخة وللتشويش على رؤية الجماهير الأعرض للأحداث والمواقف وقدّمت للدنيا التّنازلات بعد التّنازلات على العكس من إرادة الشعوب ومن دون توظيفٍ لمعطيات القوّة الشّاملة.. لم يعُدْ مناسباً ولا لائقاً ونحن نعلم أنّ مدخلات القوّة كلّها ليست مُستغلَّةً وفي حالات تُصادَرُ لحساب أفرادٍ بالحكم ما من فائدةٍ منهم للأمّة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9