كتب مصطفى السعيد: بالونُ "صفقة القرن" جاهزٌ للتّفجير

2018.12.03 - 08:16
Facebook Share
طباعة

اقترب موعد إطلاقِ "صفقة القرن" مطلعَ العام المُقبل، هذا ما أعلنتْهُ وسائل إعلامٍ أمريكيّةٌ وإسرائيليّةٌ ، وسبقها تأكيدٌ للرئيس الأمريكي ترامب بأنّ الإعلان عن "الصفقة" بات جاهزاً، لكنْ عن أيِّ "صفقة قرنٍ" يتحدّث ترامب؟ إن أهمّ نقاط القوّة فيما يسمى "صفقة القرن" أنها غامضةٌ، لا يُمكن الجزمُ بأيّ بندٍ فيها، فقد جرى تداولُ أكثر من نسخةٍ من صفقة القرن، ولهذا كان من الصّعب التّصويب عليها، فلا تُوجَد نسخةٌ مكتوبةٌ تسلّمتها أطراف الصراع ليتمّ تداولها علناً، بل مجرّد مقترحاتٍ يتعلّق بعضها بحدود الدولة الفلسطينيّة، وهي ليست ثابتةً في كل المقترحات، فبعضها يتناول تبادُلَ أراضٍ في الضفّة الغربية، وأخرى تتحدّث عن كونفدراليةٍ بين الضفّة والأردن وبين غزة ومصر، وثالثةٌ تتحدّث عن توسيع قطاع غزّة، وامتدادِه غرباً إلى مصر، بدلَ أن يمتد جنوباً، وهو الأكثرُ منطقيّة، إلى صحراء النّقب، لكنّ أكثرَ البنود إثارةً للجدل تلك التي تتناول حقَّ العودة، فبعضها يتحدث عن مقايضةِ حقّ العودة بخطّة تعميرٍ واسعةٍ في غزة والضفّة، وأن تكون العودة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967 فقط، دون أراضي 1948، وأخرى تتحدّث عن توطينهم في البلدان التي يقيمون فيها، وثالثةٌ تتناول توطينهم في ثلاثةِ بلدان عربية هي الأردن ومصر والعراق مقابل أموال سخيّةٍ بمئات مليارات الدولارات تدفعُها دول الخليج واليابان وأوروبا، ولأنّ هذه المقترحاتِ تمّ تناولها بالفعل فإن أطرافاً عدّة تجْزِمُ بوجود "صفقة القرن" لكن لا أحد يُمكن أنْ يجزِم بما تتضمّنه بالتّحديد من بين كل تلك المقترحات وغيرها. إنّ صفقة القرن مثلَ الزّئبق لا يمكن أن تُنكِرَ وجودَه، لكن لا يمكن أيضاً أن تُمسِك به، وهذا ما كان يزيد من هالة صفقة القرن، إلى جانب تسميتها الفخمةِ، التي تُوحي بأن شيئاً غير مسبوقٍ سوف يحدُث.

المسرح ليس مهيّئاً لإطلاق بالون صفقة القرن، فالسماء ملبّدةٌ بغيومٍ كثيفةٍ وعواصفَ لا تسمح بإطلاق البالونات، لكنها تشهد تبادلاً كثيفاً لإطلاق الصواريخ بين إسرائيل وكلٍّ من غزة وسوريا، وفي مثل هذه الأجواء سينفجرُ البالون بسرعةٍ، سواءً بضربةٍ صاروخيّةٍ مُتعمَّدةٍ أم عرضيّةٍ، فالنّيران لم تتوقفْ، ومسيرات العودة تنطلق كلَّ جمعةٍ من غزة باتجاه حدود الأراضي المحتلة، ولا تحتملُ إسرائيل أن ترى فلسطينيين مازالوا يتمسّكون بالعودة إلى أراضيهم، فتُطلقُ عليهم الرّصاص الحيَّ، ويُطلق أطفالُ وصبيةُ فلسطين الطائراتِ الورقيّةَ المشتعلة، ليؤكدوا أنهم يمكن أن يُقلِقوا المحتلّ حتى بلُعَبِ الأطفال.

معركة غزة أضعفت أيضاً فرص إطلاق بالون القرن، فقد أسفرت عن قواعدِ اشتباكٍ جديدةٍ بين الكيان والمقاومة الفلسطينية التي جمعتها غرفة عمليّات مشتركة "موحَّدةٍ"، وكشفت أنّه بمقدور المقاومة إيذاءُ إسرائيل بأكثر ممّا كانت تتصوّر، وأن صواريخها قادرةٌ على الوصول إلى ما بعد عسقلان وبئر سبع، وأنها ستُبادِل طيرانَ ومدفعية الإحتلال ضربةً بضربةٍ، وأن اجتياح غزّة الذي كان صعباً في 2014 بات أكثر صعوبةً مع ظهور صواريخ الكورنيت بأيدي المقاومين، فهل يمكن لمن استطاعوا إجبار إسرائيل على وقْفِ العدوان وطلَبِ الوساطة من أجل التّهدئة أن يُقدِّموا تنازلاتٍ مذلّةً؟

على الجانب الآخر يواصل اليمين الإسرائيلي المتطرف صعودَه، ويهدّد حكومة بنيامين نتنياهو بانتخاباتٍ مبكرةٍ أو حتى في موعدها العام المقبلَ، وفي كلّ الأحوال سيتبارى قادةُ الأحزاب اليمينيّة في التّشدد ورفْضِ أيّ حلولٍ لا تتناسب مع شعاراتهم الغوغائيةِ، والتي تتجاوز قدرات كيانِهم المذعورِ، ويعتقد قادة الأحزاب اليمينية أنّ الفوز في الإنتخابات لا يمكن أن يتحقّقَ إلا في المزيد من نهْبِ الأراضي الفلسطينيّة، وتكريس يهوديّة الدولة ويهوديّة القدس، بل يهوديّة الضفّة والجولان السوري.

أما الرهان على دول الخليج بأن تضغط بأموالها ونفوذها السياسيِّ على أطراف الصراع، وأن تُجبرها على تقديم المزيد من التّنازلات فهو رهانٌ خاسرٌ في ظلِّ الإنقسام العنيف بين دول الخليج، والذي لا يقتصرُ على الخلاف بين قطر وكلٍّ من السعوديّة والإمارات والبحرين، بل شملت الخلافات الكويت وسلطنةَ عمان، ووسَّعتْ جريمةُ قتْلِ جمال خاشوقجي من الهوَّةِ بين السعودية والإمارات وكلٍّ من قطر وتركيا وجماعة الإخوان، وجميعها أطرافٌ لا يمكن تجاهلها عند إطلاق "صفقة القرن"، كما انشغلت المملكة بترتيب بيتها الداخليّ وإيجاد حلٍّ للحرب اليمنيّة، ومواجهة التّداعياتِ الخطيرة لجريمة مقتلِ خاشقجي، والمرشّحة للإتّساع مع انعقاد مجلس النوّاب الأمريكي بأغلبيةٍ ديمقراطيّةٍ مطلع العام المُقبِل، واستعدادِه لتوظيف الحادث في صراع الديمقراطيّين مع ترامب، وفتْحِ ملفاتٍ سوف تجعلُه لا يلتفت إلى بالون صفقةِ القرن ومصيره، إلّا إذا أراد أنْ يجذِب به الأنظارَ بعيداً عن أزماته الدّاخليّة المرشّحة للتّصعيد، لكنّ البالون لن يجذِبَ الأنظار فقط، بل سيجذِبُ طلقاتِ الرّصاص التي ستنهالُ عليه من كلّ صوبٍ.

لا يمكن للرئيس الأمريكي أن يلعب طويلاً بورقة صفقة القرن، ولابُدَّ من إلقائها على الطاولة، لكنّ الطاولة ليست جاهزةً، وكلُّ تأخيرٍ في طرْحِ الورقة سيُضعِف من بريقها وهيبتها، ويمكن أن تحترق قبل الإعلان عنها، وهذا مأزقٌ جديدٌ لإدارة ترامب المنزعجةِ من كثْرةِ ما فوق الطاولة من ملفاتٍ لأزماتٍ داخليةٍ ودوليةٍ، كما أنّ صهرَه كوشنر المنوطُ به التّرويجُ للصفقة لم يَعُدْ محلّاً للثّقة لا في داخل الولايات المتحدة ولا خارجها، بعد أن طالته أزمةُ خاشقجي، وأصبح مطلوباً أمام الكونجرس للمساءلةِ عن حساباته الخاصة، ومدى ارتباطها بمصالح عائلة ترامب وتداخُلِها مع السياسة الخارجيّة للدولة العظمى، وهل يمكن أن تبيع مواقفها لمن يدفعُ؟.

نقطةُ ضعفٍ أخرى في صفقة القرن، وهي أنّ الصفقة يجب أن تكون بين الأطراف الفاعلةِ في المنطقة، وألّا تقتصرَ على حلفاء الولايات المتحدة، حتى يمكنها أن تحظى بدرجةٍ ما من الثّبات، فإذا تجاهلَتْ محور المقاومة فلا يمكِن أن تمرَّ، بل يمكن أن تكون سبباً في إشعال المزيد من النّيران في المنطقة شديدةِ السّخونة والقابلة لتفجيرٍ واسعٍ، وقد يكون إطلاقُ صفقة القرن هو زرُّ التّفجير إذا لم تُأخَذْ في الحسبان موازينُ القوى الجديدةِ، وهي موازينٌ بدأت تميل أكثرَ فأكثر لصالح محور المقاومة، بينما يميلُ ترامب ونتنياهو أكثر فأكثر إلى التّشدّدِ لصالح إسرائيل، وفي ظلّ حالة الشدِّ المتبادل فإنّ بالون صفقة القرن سوف ينفجر بسرعةٍ.

في ظلّ هذه الأجواء لا يمكن توقُّعُ إطلاقٍ ناجحٍ لبالون صفقة القرن، والأفضل أن يخبِّئ ترامب تلك الأوراق، وأن يستخدمها لمجرَّد التّلويحِ أو الخداع أو التّخويف بأنّ لديه شيئاً قويّاً وغامضاً وقادراً على إعادة ترتيب المنطقة، أمّا إذا تجاسَر وأطلق بالونه، فإنّ الطّلقاتِ جاهزةٌ للتصويب عليه من مختلف الإتّجاهاتِ.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 2