السياسة التوسّعيّة التركية في دول الجوار

2018.12.04 - 01:58
Facebook Share
طباعة

كتبت إليزابيث تيومان مقالاً بعنوان: «السياسة التوسعية التركية في دول الجوار»، نشرها معهد دراسة الحرب تتحدّث فيه عن ضمّ تركيا لأجزاءٍ كبيرةٍ من شمال سورية، وتُقارن الاستيلاء على الأراضي هذه باحتلالٍ لشمال قبرص، وترى أنّه دليلٌ على أنّ الرّئيس التّركي رجب طيب أردوغان يُطبّق استراتيجيّة الحملات العسكريّة الإمبرياليّة على ما كان سابقاً الإمبراطوريّة العثمانيّة..

منذ عام 2016، وفي عمليّتين منفصلتين ضدّ "داعش" ووحدات حماية الشعب (YPG)، استولت تركيا على أجزاءٍ كبيرةٍ على طول الحدود السورية التّركيّة. ووضعت وكلاء محليّين لإدارة المنطقة تابعين لمؤسّسات الدّولة في تركيا، يخضعون مباشرةً لإشراف محافظَي غازي عنتاب وكليس. كما تقوم أكاديميّة الشّرطة التّركيّة بتدريب قوّة شرطةٍ، بينما تقوم القوّات المسلّحة التّركيّة بتنظيم مجموعات المسلّحين في "جيشٍ وطنيٍّ سوريٍّ" موازٍ. يُمكن لهذه المؤسّسات أن تتوسّع مستقبلاً إلى أجزاءٍ أُخرى من شمال سورية بما في ذلك محافظة إدلب.

تقوم تركيا بفرض تكاملٍ اقتصاديٍّ على هذه المناطق شمال سورية. كما حوّلت جميع الأنشطة الاقتصاديّة هناك، بما في ذلك دفع الرّواتب والتّجارة عبر الحدود، إلى الليرة التركية. وهي تستثمر في شبكة طرقٍ سريعةٍ جديدةٍ لتسريع التّجارة بين جنوب تركيا وشمال سورية، بالإضافة إلى مركزٍ صناعيٍّ جديدٍ في مدينة الباب. تستخدم تركيا هذه الرّوابط الاقتصاديّة لدعم اقتصادها المُرهَق وتعزيز نفوذ أردوغان. على سبيل المثال، سمح أردوغان بالواردات الزّراعية من شمال سورية لتثبيت الأسعار المتزايدة للموادّ الغذائية قبل الانتخابات العامّة التركية 2018.

بالتّوازي، تقوم تركيا أيضاً بحملةٍ للدّمج الثقافيّ شمال سورية. إذ تحاول مأسَسَةَ استخدام اللغة التركية كلغةٍ رسميّةٍ للحكم في شمال سورية. وتعمد إلى تكييف البنى التّحتيّة المحليّة في المنطقة بناءً على نماذجها الخاصة، بما في ذلك المستشفيات والجامعات ومكاتب البريد والأبراج الخلويّة. كما تُجري تركيا تغييراتٍ في الهندسة الديموغرافية تخدم أجندةً طويلةَ الأمدِ في شمال سورية. إذ تعمد إلى إعادة توطين النّازحين داخليّاً، بما في ذلك مقاتلو المعارضة السّابقون في المناطق الخاضعة لسيطرتها على حساب الأكراد السّوريّين. كما تحاول تخفيف أعبائها الدّاخلية عن طريق دفع اللاجئين إلى العودة من تركيا إلى شمال سورية، عودةٍ ليست دائماً طوعيّةً.

تعكس تصرّفات تركيا في شمال سورية الدّروس المُستفادة من احتلالها لشمال قبرص. اجتاحت تركيا شمال قبرص في عام 1974 لمنع تهديدٍ محتملٍ من اليونانيّين القوميّين، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية الخاصّة في شرق البحر الأبيض المتوسط. وسرعان ما عمدت أنقرة إلى تنفيذ برنامجٍ من التّكامل السّياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ للمحتل من قبرص مع تركيا. إذ قامت ببناء وتوفير الحماية العسكريّة لما يُسمّى الجمهوريّة التركيّة لشمال قبرص. وعزّزت الاعتماد الاقتصاديّ من خلال شبكة خدمات الاتصالات والبريد، والاستثمارات وشراكات تصديرٍ حصريّةٍ تعتمد على الليرة التركية. كما نقلت بانتظام أتراكاً إلى شمال قبرص من أجل تخفيف تأثير القبارصة اليونانّيين. تتّبع تركيا بوضوحٍ الإجراءات نفسها شمال سورية.

تُخطّط تركيا، في الغالب، للحفاظ على وجودٍ استراتيجيٍّ طويلِ المدى في شمال سورية. تحتفظ تركيا باحتلالها لشمال قبرص من أجل ممارسة نفوذها عبر البحر الأبيض المتوسط. من المرجّح أن يرى أردوغان قيمةً جيوسياسيةً مماثلةً في شمال سورية. إذ توفّر المنطقة مصدراً مستداماً للضّغط .. كما يُوفّر الشّمال قاعدةً لتركيا لمواجهة وحدات حماية الشعب في الشرق. ويحاول أردوغان استغلال الشّقاقَ بين العرب المحليّين و"قوات سوريا الديمقراطية (SDF)".

من المرجّح أن يقوم أردوغان بتداخلاتٍ مماثلةٍ في إطار رؤيته العثمانية الجديدة. ينظر أردوغان إلى الإمبراطوريّة العثمانيّة السّابقة كنموذجٍ لدولةٍ تركيةٍ حازمةٍ وشبه إمبرياليةٍ تمارس النّفوذ العسكريّ والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ويحاول إظهار تركيا على أنّها المدافع الشّرعي الوحيد عن المسلمين السنّة. ويعمل على توسيع الوجود العسكريّ الإقليميّ بوساطة قواعدَ في شمال قبرص وسورية والعراق وقطر والصومال. كما أعرب عن رغبته في الحصول على ميناءٍ بحريٍّ على البحر الأحمر. جهودٌ قد تتسارع في الأشهر المقبلة. وقد يُكثّف جهوده لإعادة الوجود الاجتماعي الثقافي التركي في البلقان في مقابل التدخل الروسي المتزايد هناك.

بوجود أردوغان، قد لا تستطيع تركيا الحفاظ على مستوى مشاركتها الإقليمية الحالي. تُعاني تركيا من ارتفاع التضخّم الذي يُهدّد بانهيار اقتصادها. وينتشر عدم الاستقرار هذا إلى "دويلات الأمر الواقع" في شمال قبرص وشمال سورية. احتجّ السّكان المحليّون في شمال سورية وشنّوا إضراباتٍ عامّةً في تشرين الأول/أكتوبر 2018، لإدانة الأجور المنخفضة والمصاعب الاقتصادية التي تسبّبها الليرة التركية المتقلّبة بشكلٍ متزايدٍ. نظّم القبارصة الأتراك احتجاجات مماثلة. يحاول أردوغان، حتى الآن دون جدوى، تخفيف هذا القلق من خلال تأمين مساعدات إعادة الإعمار من أوروبا. ماتزال ألمانيا وفرنسا متردّدتين في تقديم تعهداتٍ اقتصاديّةٍ واضحةٍ لدعم تركيا. حتى وإن قُدّمت هذه المنح، إلا أنها ستظلّ غير كافيةٍ لدعم التدخلات الخارجية التي قام بها أردوغان.

يُواصل أردوغان تسريع تدخّله في البلدان القريبة. ويحاول الاستفادة من حملاته العسكريّة لتأكيد دوره كقوةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ. ومغامراته، إلى جانب عدم الاستقرار الدّاخلي في تركيا، يُهدّد بتقويض الأمن الإقليميّ

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4