كتب خالد رزق: " أبو عمار " فين أيامك ...

2018.12.10 - 08:03
Facebook Share
طباعة

في تواريخ الأمم كل الأمم يبقى قلة من الزعماء والقادة هم الذين يبرزون رموزاً وطنية قدمت لأوطانها الناس والأرض ما يستحق أن تخلد أسماءهم وتطيب ذكراهم لأجله.

من بين هؤلاء الذين استحقوا الخلود بوجداننا العربي الزعيم الفلسطيني المناضل الراحل ياسر عرفات، الذي ولا شك خدم قضية وطنه وأمته كما لم يخدمها أي أحد آخر.. وإلى حد أنه يمكن التأريخ للقضية الفلسطينية ذاتها بمرحلتين فاصلتين كلتاهما ترتبطان بشخصه، فللقضية ما قبل ارتقاء عرفات زعامة المحاربين عنها شأن وبوجوده شأن آخر بالكلية أكثر قوة وصدى وتأثير وبعد رحيله شأن ثالث هو الأضعف منذ صارت فلسطين هي القضية ...!!

وإذا كنا عادة نحن البشر نقول بأن العالم لا يقف برحيل ولرحيل أحدهم، فالأكيد أن أبو عمار كان هو الاستثناء من تلك القاعدة قياساً على تأثير غيابه على مجريات المشهد الفلسطيني ككل ومبلغ ثقل وزن القضية في المحافل العالمية، وفي حالة عرفات لم يتوقف العالم فقط بالنسبة للقضية عند النقطة التي تركها عليها لحظة غيابه، وإنما ارتدت للوراء وكإنماء عاد الزمن بها عشرات السنين ثم آلت إلى تيه عظيم لم تزل ضائعة فيه رغم مرور 14 عاماً على رحيله.

و الحق أنه يؤخذ على عرفات ما يؤخذ لكنك أبداً لا تملك إلا تحترم نضاله كمقاوم واجتهاده كسياسي وسط معطيات واقع عالمي وغد يتحكم فيه أعداء هم من حولوا الوطن الفلسطيني نفسه إلى مجرد قضية و يسخرون لمصلحتهم من مفترض أنهم إخوة ولكنهم تعاملوا مع فلسطين العربية كساحة نزاع بين طرفين وأنكروا بديهية أن لا مكان للصوص و قتلة إلا السجون و لا شرعية لحق يدعون بما سرقوا .

من أجل فلسطين أرضها و علمها العالي فوق مآذن القدس ، قبل عرفات بالاتفاق مع الكيان و أسس الدولة الرسمية في غزة و أقسام من الضفة ، لكنه أبداً لم يقبل بمسالمة الكيان و أبداً لم يتخلى عن السلاح و القدس و حق العودة ، و من أجل فلسطين و علمها وقدسها و شعبها لزم الزعيم المريض مقر حكمه برام الله ( المقاطعة )تحت عدوان و حصار صهيوني لثلاث سنوات كاملة مقدماً لقاء ربه شهيداً ، على خيارين لم يكونا لمن كان مثله أن يشرد أو يقتل بلا قتال .

عرفات الذي اقترنت وفاته بملابسات كثيرة ، رجحت أن يكون دس إليه سم قاتل ، لم يكن واحداً من هؤلاء القادة الذين يقفزون إلى موقع القيادة و الرئاسة و هما واقعاً أصغر من حقيقة توصيفه كزعيم ، و إنما كان النتاج الطبيعي و الثمرة الناضجة لبذور كفاح و نضال وطني تلقح فيها العروبي و الفلسطيني ليصنعا شخصيته الاستثنائية ، التي جعلته يقف عنواناً للصمود حتى آخر أيامه ، يحمل سلاح المقاوم في نفس اللحظة التي يفاوض فيها العدو ..

يشهد بذلك لعرفات الضغط الهائل الذي تعرض له ولأسبوعين كاملين بكامب ديفيد من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وإدارته الذي أراد أن يجمع بينه وبين الصهيوني رئيس وزراء الكيان إيهود أولمرت ليفرضا على الشيخ المريض الوحيد القبول بما زعموه حلاً نهائياً يسلب الفلسطينيين القدس بين كثير من الحقوق التي سعوا لسرقتها.. فكان أن لاذ عرفات بروح المقاومة والنضال وخلع عن عنقه رابطة الدبلوماسي، ليخيب بذلك مساعي الحلف الصهيو أمريكي وآمال أصدقاءهم العرب الذين كانوا بانتظار لحظة سقوط هذا الزعيم الفارس الذي كانت صلابته تحول بينهم والهرولة وراء سيدهم الأمريكي والتعامل المكشوف مع كيان الاحتلال.. فبهذا أمرهم أصحاب الحماية...!!

والمتابع للمشهد الفلسطيني منذ توقيع اتفاقية أوسلو سيذكر بالتأكيد كيف أن عرفات بقي هو المشترك الأهم في العلاقات بين عناصر مقاومة بالداخل الفلسطيني و خارج حدود الأرض المحتلة على اختلاف أيديولوجياتها ومشاربها فكان هو الزعيم القادر على حشد كل الحركات المقاومة إلى جوار حركته فتح لتقديمه ممثلاً شعبياً ليس مختلف عليه بين كل الفلسطينيين ، و حتى حالة حماس فقد مارست نزقها في حدود ضيقة حتى لقي ربه ، و لم تجرؤ على منازعته مكانه ولا منازعة منظمته الحكم ، رغم كل محاولاتها وطعناتها للرجل و للمنظمة استغلالاً لاتفاق .. تصرخ كل المعطيات بأنه كان الطريق الوحيد لتحريك القضية مرحلياً.

منذ لقى أبو عمار ربه مرت القضية بمنعطفات كثيرة كارثية في تأثيرها وكانت الكارثة الأكبر هي استيلاء حماس على الحكم في قطاع غزة.. نجحت حماس معدومة الأثر بشقيه النضالي والسياسي في تاريخ الشعب والقضية الفلسطينيين، في القفز على المشهد كنبت شيطاني لا جذور له، وبدلاً من ان تكون بين مدخلات القوة المقاومة للاحتلال.. صارت وهي بموقع السلطة الكاذبة تسعى وراء اتفاقات لن تتم مع العدو، وحاربت غيرها من حركات المقاومة التي لم يعد شارع من شوارع غزة يخلو من شهيد لها وأولهم حركة فتح، ثم ذهبت إلى قمع الناس من غير عناصرها، وراح رجالها في السلطة يمارسون الفساد المالي والأسوأ أنهم ذهبوا للاستمساك بوضع الحكومتين المنفصلتين في الضفة وغزة والذي أوشك أن يضيع القضية كلها..

بعدما صار حديث العالم ليس فلسطين وإنما القطاع.

لم يتوقف أذى حماس عند الحدود الفلسطينية وإنما رأينا فعهم في أحط وأوضع صوره باليرموك عند تخوم عاصمة العروبة دمشق التي احتضنتها وقت لفظها الجميع وفي سيناء حيث لا ينبغي أن يكون لعربي إلا احترام دماء شهداء الأمة والمنطقة في حروبها وكفاحها ضد الاحتلال منذ ما قبل التاريخ المدون والمعروف وإلى اليوم.. وأقربها من أجل فلسطين.

ما الذي دعاني للكتابة عن الزعيم ياسر عرفات اليوم.. أظن أنه حالنا وما أرى عليه العرب وما آلت إليه القضية من خسران مبين، وقد ألح علي لأيام وأنا الذي لم القاه سوى مرة واحدة فقرأت لروحه فاتحة الكتاب داعياً الله أن يتغمده برحمته ويبعثه مع الصديقين والشهداء، وأدعوكم للمثل ولأن تبتهلوا معي للمولى عز وجل عسى أن يهب فلسطين والعروبة زعيماً مثله، وأن يكون ناظراً للقضية يمسك بعصاه لتقريع كل خارج عن الأمة والوطن.. أما حماس فلا أرى غير أنها خدمت الصهيونية بأكثر من أخلص دعاتها.. ولا عتاب لأنذال

غير الاجتناب.. حماس لا تستحق النصح.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6